بدأت البلاد في استيراد المياه العذبة من المريخ، وفُتحت أبواب الهجرة إلى خمسة كواكب جديدة عذراء مع بداية شهر سبتمبر.. فضائيو الكواكب السبعة المأهولة يستقبلون على أبواب مجرتهم الفوج الثامن من مهاجري كوكبنا.. إبراهيم نصر الله – رواية حرب الكلب الثانية

في أجواء فانتازية غرائبية بإحدى مدن المستقبل، بدأت تتغير الكثير من الأمور عن سابق عهدها مثل توقف الشمس عن الإشراق نهائيًا، وسيطرة الليل الدامس على أجواء المدينة هذا بالإضافة إلى زيادة معدل نفوق الطيور والحيوانات وتجمع الفصول الأربعة في فصل واحد طويل.. تدور أحداث رواية «حرب الكلب الثانية» للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله والتي حصدت مؤخرًا الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في دورتها الحادية عشرة.

تبدأ أحداث رواية حرب الكلب الثانية بانضمام دول العالم -أو ما تبقى منها- إلى اتفاقية ترتكز على إلغاء الماضي والقضاء على ذاكرة الشعوب تمامًا، وذلك من أجل السيطرة على زمام الأمور بطريقة محكمة. رؤية الحكام حينها استندت على أن القضاء على الماضي سيمنع أي محاولات مستقبلية للثورة عليهم وبالتالي سيتوقف التاريخ عن إعادة نفسه، ولكن ما لم يأخده الحكام في الحسبان وقتها، أن التاريخ لا يعيد نفسه، البشر هم الذين يكررون نفس الأخطاء.

«أدب المدينة الفاسدة»

يندرج أدب المدينة الفاسدة أو «الديستوبيا» تحت مظلة أدب الخيال العلمي، ومفهوم أدب المدينة الفاسدة كما صاغه المؤلف الإنجليزي «توماس مور» هو «مجتمع خيالي يكون الناس به غير سعداء ومرعوبين ولا يتم معاملتهم بطريقة عادلة أو إنسانية» وعادة ما تدور روايات أدب المدينة الفاسدة في المستقبل، حيث تسعى الحكومات دومًا لقمع مواطنيها في سياق سياسي واجتماعي كابوسي وغير محتمل.

غلاف رواية 1984، المصدر

وتعد رواية «1984» لجورج أورويل هي النموذج الأقوى لأدب المدينة الفاسدة، وهناك أعمال أخرى استطاعت التميز في هذا النوع من الأدب مثل رواية «إيرهون» لصمويل بوتلر الصادرة خلال عام 1872 ورواية «آلة الزمن» لهربرت جورج ويلز الصاردة عام 1895، وعلى الرغم من التايخ القديم لهذا النوع من الأدب إلا أن العالم العربي لم يتناوله إلا حديثًا وذلك من خلال الأديب المصري الراحل «أحمد خالد توفيق» وروايته «يوتوبيا» الصادرة عام 2008، والروائي المصري «محمد ربيع» من خلال روايته «عطارد» التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر عام 2016.

الرواية التكنولوجية.. التقدم العلمي يحرك مسار الأحداث

الرواية التكنولوجية أو «Cyberpunk» هو مصطلح مكون من كلمتين Cyber ذات الأصل الإغريقي التي تعني التحكم أو السيطرة، والمقطع الآخر من المصطلح وهو Punk وهي كلمة تؤول إلى الحياة المتطرفة للمدينة الحديثة، حيث يغلب العنف والجنس والثورة المضادة لكل أساليب المعيشة اليومية العادية، والمصطلح مكتملًا يعني الثقافة المهيمنة للتكنولوجيا المتطورة، والثقافة المهمشة للشوارع الشعبية.

 

غلاف رواية مباريات الجوع، المصدر

والرواية التكنولوجية هي خطاب مركب من عناصر الحياة المصاحبة للتغير التكنولوجي المستمر في التغير والتحول، ولهذا فإن أسلوب الرواية التكنولوجية يرتكز على التخيل المبني على الممكن والمتصور في شخصيات عجائبية وعنيفة تقاتل من أجل السلطة والبقاء في المدينة الحديثة، وعليه فالرواية التكنولوجية ترتكز في بنائها الروائي على التقنيات العلمية الحديثة أكثر من ارتكازها على الربط المحكم بين شخوص العمل الروائي.

وتعد رواية «مباريات الجوع» لسوزان كولنز من أشهر نماذج الروايات التكنولوجية حيث تقع أحداثها بإحدى المدن الفاسدة ويدور زمن الرواية في المستقبل، حيث تنتشر الشاشات الأثيرية ويصارع الأبطال من أجل البقاء على قيد الحياة في الوقت الذي تسيطر فيه السلطة الحاكمة على مقاليد الأمور بشكل كابوسي وتتلاعب بعقول المواطنين.

كيف اندلعت «حرب الكلب الأولى»؟

ليس ثمة رائحة في الدنيا أنتن من رائحة الحرب

ربما يمكننا الحديث أولًا عن أجواء ما قبل «حرب الكلب الأولى»؛ حيث أضحت مجرد الأمور البسيطة والعابرة سببًا وجيهًا للقتل؛ كأن يُطلق أحدهم النار على الآخر أو يسحله في الشارع العام بسبب الحصول على علامة غير مرضية في الامتحان الجامعي، يُذكر أن معركة كبيرة قد نشبت وسقط حوالي 20 جريحًا في مشاجرة جماعية جراء رغبة أحد العائلات في أن يقفوا في الصف الأول لصلاة الجماعة.

أما السبب المباشر لاندلاع الحرب فقد كان كلب! حيث باع رجل كلبه لرجل آخر بعد أن اتفقا على مبلغ دفع الشاري نصفه وأبقى النصف الآخر لنهاية الشهر، ولكن الشاري لم يدفع النصف المتبقي في الموعد المحدد، فذهب إليه صاحب الكلب وذكره بالأمر فوعده الشاري بالدفع في نهاية الشهر التالي، ولكن ما أثار انتباه البائع هو أن كلبه نبح عليه بشدة وأوشك أن يهاجمه.

في نهاية الشهر الثاني وعندما ذهب البائع لاستلام نقوده وجد امرأة الشاري التي أخبرته بأن زوجها غير موجود وفي مشهد غير مسبوق قفز الكلب من فوق السور والتهم البائع، حمل أهل القتيل قتيلهم وذهبوا للشاري وأطلقوا النار صوبهم ومن هنا اشتعلت المعركة وتطورت متجاوزة الحي نحو المدينة ثم المدن البعيدة ولم ينج من عائلات طرفي الصراع سوى الكلب.

في هذه الأثناء تغيرت الصفات الوراثية والجينية لجميع الكائنات الحية بدءًا من الإنسان الذي تحول إلى التوحش ومرورًا بظاهرة اختفاء الوفاء عند الكلاب وتجلي أنانية النمل، وقد أجمع علماء الأحياء على أن الكثير من الحيوانات والحشرات باتت تقلد البشر وعاداتهم وأخلاقهم بصورة من الصور وأن الطبيعة قد تخلت للأبد عن نظامها وبراءتها.

«حرب الكلب الثانية».. الصراع بين المتشابهين

أظن أن هذا أعظم إنجاز طبي حتى الآن: يدخل الإنسان من فتحة ويخرج من الأخرى إنسانًا آخر، بل على صورة أي إنسان آخر يريد أن يكون مثله

فور أن وضعت حرب الكلب الأولى أوزارها لجأت الحكومة إلى محو الماضي من عقل جميع المواطنين؛ وعليه فقد نشأ جيل جديد لا يعلم شيئًا عن حرب الكلب الأولى اللهم إلا رجال الشرطة والجيش فقد كانوا على دراية بالوضع كله.

بطل الجيل الجديد هو الدكتور راشد الذي بدأ حياته معارضًا للسلطة السياسية ونزيلًا دائمًا في أقبية معتقلاتها ثم تحول بعد ذلك من سجين رأي إلى سجان ومشارك بارع في الاتجار بالبشر؛ قرر راشد تغيير مسار حياته رأسه على عقب ولذلك فقد قرر أن يكون قريبًا من الحكومة واختار أن يناسب الضابط الذي كان يقوم بتعذبيه ويتزوج من أخته، في البداية ترددت السلطة في طلبه ولكنها وافقت بعد أن أجرت بحثًا مسحيًا على عقله والأفكار الموجودة بداخله ليصلوا إلى نتيجة مفادها أنه لا يكن لهم شرًا.

غلاف رواية حرب الكلب الثانية، المصدر

بعد إتمام الزواج من سلام شقيقة الضابط تحدث راشد مع والدته على انفراد وقال لها بأن الحياة جميلة ولكنها غير عادلة وأنه يرغب في عمل استنساخ لزوجته سلام، صُعقت والدته من رغبته الغريبة ولكنه لم ينس ذلك الأمر حتى أُعجب بسكرتيرته الخاصة وقرر أن يُجري لها عملية جراحية لتصبح نسخة طبق الأصل من زوجته سلام، وبهذا أحس الطبيب راشد بأنه حقق حلم حياته الذي تحول فيما بعد إلى رغبته في صنع مائة نسخة من زوجته سلام.

تشكل عملية الاستنساخ حدثًا محوريًا في رواية حرب الكلب الثانية؛ فبعد أن أصبحت السكرتيرة نسخة طبق الأصل من سلام اكتشف راشد أن الفروق بينهما تكاد تكون غير ملحوظة، وقد تفاقمت تلك المشكلة حيث إن العملية الجراحية لم تكن تجعل المرء شبيهًا بغيره في المظهر الخارجي فحسب فقد يتطور الأمر إلى التماثل الداخلي في كل شيء.

يتحول الأمر مع الوقت إلى عدوى للشبه والتماثل التدريجي؛ فبمجرد أن تمكث مع أحدهم وقتًا طويلًا حتى تصبح صورة طبق الأصل منه، ففي الرواية يظهر لنا الراصد الجوي جار الدكتور راشد الذي أضحى نسخة مطابقة منه إلى الدرجة التي جعلت سلام لا تستطيع التفريق بينهما وتتورط في علاقة جنسية مع جارها الراصد الجوي ظنًا منها أنه زوجها.

يتحول راشد نفسه ليشبه الضابط شقيق زوجته ويتحول الضابط ليصبح شبيهًا بالمدير العام، ولكن ما أثار زوبعة هائلة في المدينة وزعزع أركان الدولة هو ظهور شبيه للسيد الرئيس، وهو ما جعل السلطات تفرض حظر التجول وجعل الأشباه يبحثون عن الذين يشبهونهم ليقوموا بقتلهم، ومن هنا اندلعت حرب الكلب الثانية بين الأصول والنسخ المزيفة.

«حرب الكلب الثالثة».. التاريخ يعيد نفسه رغم محو الماضي

نحن نعيش في بلاد هشة مهما حاولنا بأنوفنا الشامخة أن نكتب على السماء غير ذلك

أدت حرب الكلب الثانية بين الأشباه إلى سجن الدكتور راشد، حيث ظن الضابط بأنه مجرد شبيه لزوج أخته وليس الدكتور راشد الحقيقي، وتحت ضغط التعذيب المستمر وصمود راشد الحديدي تأكد للضابط بأنه راشد، إلا أنه استمتع بتعذيبه بسبب حقده البالغ عليه حيث كون ثروة هائلة من القتل المتعمد للمواطنين وسرقة أموالهم وتحول إلى شخص آخر وضيع وحقير.

وعلى الرغم من كون الضابط يتحلى بالفعل بتلك الصفات، إلا أنه استشعر بأن راشدًا نجح في الوضاعة أكثر منه وحقق نجاحات لا يستهان بها في الكذب والخديعة حتى أنه خدع أخته شخصيًا حينما أقام علاقة مع السكرتيرة دون علمها.

أثناء عملية التعذيب يتدلى راشد من حبل معلق وعلى جسده آثار الصعق بالكهرباء، وفجأة تتبدل الأمور بشكل كبير ليصل الراصد الجوي على ظهر ناقة فيخرج له راشد مرتديًا عمامة ضخمة وثوبًا أسود صائحًا بصوته العالي «ثكلتكَ أمُّك يا ابن الغبراء، ما الذي أعادكَ إلينا؟».

وتشير هذه النهاية العبقرية لرواية حرب الكلب الثانية إلى أن الآثار والنتائج التي تخلفها الحروب واحدة، وأن البشر سيقعون في الأخطاء نفسها حتى لو محونا كل الماضي في كل مرة.. الحرب ستخلف دمارًا وارتدادًا للخلف.. ربما سينسى الناس ذلك، لكن كل شيء سيُعود مرة أخرى حتى يجدوا بأنهم عادوا إلى عصور سحيقة من الجهل والظلام.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد