كشفت الأزمة الأخيرة، المرتبطة بالقفزات السريعة التي حققها الدولار أمام الجنيه المصري، وسط غياب استراتيجية اقتصادية من البنك المركزي، عن تعثرات كبرى يعيشها الوضع الاقتصادي المصري المأزوم، والذي بدأت صورته شديدة القتامة تنكشف عن الصورة الأكبر للنظام السياسي وتحالفاته المستقبلية، والتكلفة السياسية لخياراته المُقبلة.

خلال السطور التالية، يحاول «ساسة بوست» توقّع مآلات الأزمة الاقتصادية على تحالفات النظام السياسي خلال المرحلة المُقبلة، بالإضافة إلى التعرف كذلك إلى المُقترحات وتصورات النظام للخروج من الأزمة.

 «بطرس غالي» و«العريان».. مُرشحان لمواجهة الأزمة

سعى النظام المصري مع تفاقم أزمة الدولار، إلى التواصل مع من يعتقد أنهم قادرون على طرح مُقترحات لحل الأزمة. برز ضمن هذه المقترحات الاقتصادي العالمي «محمد العريان»، الذي تسربت أنباء عن أنّه تقدَّم بورقة مقترحات، رُفعت إلى جهات رفيعة المستوى لحل أزمة الدولار.

 

مُقترحات «العريان» تتضمن: عدم اتخاذ قرار التعويم مجردًا، وأنه لا بد من تزامنه مع حزمة قرارات اقتصادية حاسمة، بالإضافة إلى ضبط الواردات وفقًا للأولويات، مع التحرك عبر قرار استراتيجى نحو ربط الجنيه المصرى بسلة عملات، وفك ارتباطه بالدولار، ورفعًا جديدًا للفائدة على الجنيه، لمواجهة ظاهرة «الدولرة».

بالتوازي مع هذا المُقترح من الاقتصادي العالمي، برز اسم آخر هو يوسف بطرس غالي، وزير المالية في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مُبارك، والمقيم في لندن هربًا من قضايا مُتهم فيها بالفساد المالي!

راج اسم بطرس غالي في حديث الإعلاميين المصريين المقربين من النظام، باعتباره مرشحا مُحتملا لأن تلجأ له الدولة، بخاصة في ظل الحديث عن ضغوط من صندوق النقد الدولي على مصر، كي تستعين بغالي للخروج من الأزمة!

الصحافي المصري المحسوب على بعض دوائر النظام المصري محمد علي خير، نشر تدوينة على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، تُشير إلى هذا الأمر، إذ قال: «ماذا ستقول عندما تعلم أن يوسف بطرس غالي، وزير المالية في حكومة نظيف، والهارب إلى لندن، هو الذي يضع خطة إخراج اليونان من الإفلاس، بتكليفٍ من صندوق النقد الدولي، وأن الصندوق طالب حكومتنا بالاستعانة ببطرس للخروج من أزمة الدولار.. هل توافق أم تعترض؟».

مصير الديون الخارجية

يوضح آخر تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن الديون الخارجية لمصر بلغت 45.3 مليار دولار، فيما بلغ الدين الداخلي للبلاد 238 مليار دولار، مُحققًا زيادة بنسبة 18% بنهاية السنة المالية في 30 يونيو (حزيران) الماضي.

 

ويرتبط إعلان الدولة رسميًّا حالة الإفلاس، بالعجز عن تسديد مديونياتها الخارجية في الوقت المتفق عليه مع الجهات الدائنة، خصوصًا مع الدائنين الأجانب، وذلك بسبب قدرة الدولة على طبع العملة المحلية، لتسديد ديونها المحلية.

لكن خبراء يستبعدون أن تصل تبعات الأزمة، إلى حد إعلان الدولة إفلاسها، أو عجزها عن تسديد ديونها الخارجية، بخاصة وأن هذه القيمة ليست بالكبيرة في مصاف الديون الخارجية .

لكن الصعوبات الاقتصادية التي قد تنعكس نتيجة هذه الازمة، مرتبطة بموجة تضخم كُبرى، وهو ما يعني زيادة أسعار السلع، بسبب زيادة تكاليف الإنتاج، وزيادة الضرائب والدمغات، ورفع الدعم المرتقب، خاصة عن المواد البترولية للمصانع، وكذلك تدهور سعر الصرف المرتقب، مما يؤدى إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة.

كذلك تنعكس في تعامل المستثمريين الأجانب مع السوق المصرية، كونها منطقة تعيش تباطؤا في النمو الاقتصادي، وهو ما ظهرت نتائجه في إعلان بنك «باركليز» عن خطته للخروج من السوق المصري، في إطار نتائج أعمال البنك واستراتيجيته للفترة المقبلة، التي عرضها في لندن   -حيث يقع مقره الرئيسي- فضلًا عن تراجع أرباحه بنسبة 8%.

يُذكر أن هذه المرة الثاني التي يعلن فيها بنك أجنبي الخروج من السوق المصرية، حيث شهدت مصر في 2013، خروج بنكين فرنسيين؛ بسبب رغبتهما في تعزيز مراكزهما المالية في أسواقهما الرئيسية، من خلال التخلص من أصولهما في بعض الأسواق الناشئة.

أحد البنكين كان «بي إن بي باريبا»، الذي استحوذ عليه بنك الإمارات دبي الوطني، والثاني «سوسيتيه جنرال» الذي باع وحدته في مصر إلى بنك قطر الوطني.

البعد السياسي للأزمة: تآكل لشرعية النظام!

يتزامن التأثير الاقتصادي لأزمة الدولار مصر، مع تكلفة سياسية مرتفعة علي النظام، قد تُؤدي إلى تحولات في سياساته وخطابه وتحالفاته المستقبلية.

تكشف تلك المؤشرات المتوالية عن تهاوي وعود نظام السيسي، بتحقيق دفعة اقتصادية استثنائية يكفلها الاستقرار، وتُبيّن تحطم أحلامه بمشاريع قومية عملاقة، وبمعدلات أسرع بكثير مما توقع خصومه ومنتقدوه.

Students raising poster during demonstration in Egypt.

في مقاله «كلام على الحافة»، وصف عبدالله السناوي، الكاتب الصحافي المُقرب من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي شخصيًا، الإجراءات التي تنوي الحكومة المصرية اتخاذها لمواجهة الأزمة الاقتصادية، بـ«الانتحار السياسي»، يقصد على وجه الدقة إلغاء الدعم؛ لذا فالسناوي يعتقد أيضًا أن هذه الأزمة ستكون «نقطة التفجير المُتوقعة».

السنّاوي، الذي سبق له الاجتماع مع السيسي أكثر من مرة، على مدار ساعات متتالية، يرى أن رفع الدعم، باعتبارها جزءا من خطة النظام للتعامل مع الأزمة الاقتصادية، ليس سوى «استهتار بحياة الناس العاديين»، مُنبهًا إلى أنّ ذلك سيؤدي إلى اضطراب اجتماعي «ليس بوسع الأمن صدّه».

السوق السوداء.. تنظيم حديدي يتحدى النظام

تعد السوق السوداء، أحد الفاعلين في تحديد سعر الدولار. وقد انتعشت تعاملاتها مُؤخرًا على خلفية ندرة العملة الصعبة. كما تُعد السوق السوداء الكيان الموازي للبنك المركزي والبنوك الخاضعة له، في استبدال العملات بأسعار مُرتفعة.

وفي الفترة الأخيرة، أظهرت سياسات البنك المركزي رغبةً قوية في تحجيم السوق السوداء، وتكبيد المتعاملين فيها خسائر كبيرة. بيد أن هذه السياسات لم تنجح على ما يبدو في القضاء عليها، بخاصة وأن تحقيق هدف كهذا، يستلزم توافر احتياطي نقدي أجنبي كبير، وهو ما تفتقر إليه الدولة المصرية.

في مقال له عن السوق السوداء، تحت عنوان «أقوى تنظيم في مصر»، يقول مالك سلطان، خبير الاستثمار المُباشر، إن «شركة الصرافة هذه يدخلها مواطنون من كافة الدرجات الاجتماعية والوظائف، والكل يتعامل بسعر السوق السوداء، ويستلم إيصالًا بالسعر الرسمي، فأصبح الكل فاعلًا ومتفاعلًا مع السوق السوداء، فلا يُمكن تصورُ إنسانٍ سيرفض أن يأخذ مبلغًا أكبر نتيجة بيع الدولار».

سُلطان يرى في مقاله، أن البنك المركزي، توقف عن فكرة القضاء التام على السوق السوداء، في مقابل اتجاهه إلى «التلاعب بها»، مُرجحًا أن يكون سبب ذلك عدم مقدرة البنك المركزي على القضاء عليها أساسًا.

المصادر

تحميل المزيد