مر الجنيه المصري خلال النصف الأول من العام الجاري بثلاثة مراحل مختلفة، بدأت الأولى في اليوم الأول من العام، إذ سجل الجنيه حينها نحو 18.43 جنيه لبيع الدولار و 18.09 جنيه للشراء، وانتهت هذه المرحلة في يوم 12 فبراير (شباط) 2017، إذ بدأت المرحلة الثانية في نفس اليوم، وسجل السعر نحو 17.65 جنيه لبيع الدولار و17.52 جنيه للشراء، وكان هذا الهبوط الأول للدولار دون الـ 18 جنيهًا في 2017.

لم تستمر هذه المرحلة كثيرًا، فلم تمكث سوى شهر واحد، وبعدها عاد الجنيه للهبوط مجددًا ليبدأ المرحلة الثالثة، فقد سجل نحو 18.05 جنيه لبيع الدولار، في يوم 14 مارس (آذار)، واستقر السعر فوق الـ 18 جنيهًا حتى نهاية منتصف العام، مسجلًا نحو 18.15 جنيه في 30 يونيو (حزيران) الماضي، وباستثناء فترة انتعاش الجنيه، نجد أن النصف الأول من 2017 شهد استقرارًا ملحوظًا لسعر الصرف، فلم تحدث تقلبات قوية للسعر، بل إنه تمسك بمستواه فوق الـ 18 جنيهًا لأطول مدة، وذلك بحسب بيانات البنك المركزي المصري.

ومع انتهاء النصف الأول من العام، وتحديدًا في يوم الثالث من يوليو (تموز) الجاري، عاد الجنيه ليرتفع أمام الدولار مرة أخرى، ليهبط الدولار دون مستوى الـ18 جنيهًا لأول مرة في نحو ثلاثة أشهر ونصف، ولكن هذه المرة صعود الجنيه مختلف بعض الشيء، فهناك مؤشرات تشير إلى زيادة بالتدفقات الدولارية، بالإضافة إلى أن البعض يتحدث عن أن هناك توجهًا سياسيًّا نحو دفع الجنيه للصعود خلال الأشهر القادمة ما قبل الانتخابات الرئاسية.

فهل يمكن حقًّا أن تكون الانتخابات التي ستشهدها مصر منتصف العام القادم، مؤثرًة بشكل أو بآخر في سعر الصرف في مصر خلال الفترة القادمة؟ هذا ما سيحاول «ساسة بوست» توضيحه خلال هذا التقرير.

أرجع مصرفيون ارتفاع الجنيه المصري، الاثنين الماضي، إلى الرغبة في تخفيف حالة السخط لدى المواطنين بعد رفع أسعار المواد البترولية بما يصل إلى 100% الأسبوع الماضي، إذ يقول مصرفي بأحد البنوك الخاصة لوكالة «رويترز» مشترطًا عدم نشر اسمه: «الأمر مصطنع، ويهدف لتهدئة الناس، وإظهار أن هناك شيئًا إيجابيًّا ضمن خطة الإصلاح الاقتصادي»، فيما توقع آخر: «استمرار ارتفاع الجنيه حتى الربع الأول من العام المقبل، وقبل إجراء الانتخابات الرئاسية».

هل يمكن أن يخفض المركزي سعر الدولار؟

انتهت وظيفة البنك المركزي المصري كمحرك لسعر الصرف مع تعويم الجنيه في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وانتقلت هذه الوظيفة إلى البنوك بصفتها السوق الوحيدة للدولار الآن، وهي التي ترصد حجم المعروض والمطلوب من الدولار، فيما يرى محمد عبد الحكيم، الخبير الاقتصادي، والرئيس التنفيذي لبرودنت للاستشارات الاقتصادية، أن «هناك التزامًا من البنك المركزي بعدم التأثير في سعر الدولار، وأي مخالفة لهذا ستكون عواقبها وخيمة كما حدث في البلدان التي سبقتنا في مثل تلك التجربة».

ويقول عبد الحكيم خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إنه وبافتراض التزام البنك المركزي بتحرير سعر الصرف، فإنه يجب أن ينظر إلى السعر باعتبار العرض والطلب، إذ إن جانب العرض بالنسبة للدولار هو الراجح في الوقت الحالي لعدة أسباب، منها الانخفاض النسبي في الطلب على الدولار عالميًّا، وهو ما اتضح في سوق تداول العملات خلال الأسبوع الماضي؛ حيث انخفض مؤشر الدولار مشيرًا إلى احتمال استمرار الانخفاضات على المدى المتوسط.

هل ارتفع الجنيه بسبب التدفقات الدولارية؟

يرى علي عبد الرؤوف الإدريسي، رئيس اللجنة الاقتصادية بحزب «مستقبل وطن»، وأستاذ الاقتصاد بجامعة 6 أكتوبر، أن الفترة الماضية زادت فيها التدفقات الدولارية، وذلك مقارنة بالفترة التي سبقت التعويم، وذلك إما من خلال تحويلات العاملين بالخارج، أو سندات، أو انتقال التعامل من السوق السوداء إلى الجهاز المصرفي.

وكان طارق عامر محافظ البنك المركزي قال في مايو (أيار) إن الاقتصاد جذب نحو 54 مليار دولار في ستة أشهر بعد التعويم، كما ذكر أحمد كوجك نائب وزير المالية للسياسات المالية، مؤخرًا أن مصر جذبت استثمارات أجنبية بقيمة 9.8 مليار دولار في أدوات الدين المحلية في السنة المالية 2016- 2017 من 1.1 مليار في 2015- 2016، في الوقت الذي زادت فيه تحويلات المصريين في الخارج 11.1% أي وصلت إلى 9.3 مليار دولار منذ نوفمبر (تشرين الثاني) وحتى نهاية أبريل (نيسان).

عبد الحكيم، قال إنه فضلًا عن زيادة التدفقات من العملة الأجنبية نتيجة بيع سندات بالدولار في الأسواق العالمية، فإن بعض التدفقات جاءت من خلال قروض من العديد من المؤسسات الدولية، وذلك في وقت انخفض فيه الطلب على الدولار داخليًّا نتيجة تراجع الرغبة في الاستيراد بعد ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه.

بينما يتوقع الإدريسي، خلال حديثه لـ «ساسة بوست» أن يكون انخفاض الدولار جاء للتعويض عن ارتفاع أسعار الوقود، إلا أنه أكد أن المشكلة تكمن في أن الدولار ما زال سعره متقلبًا بين ارتفاع وانخفاض، وذلك لأن الانخفاض لا يأتي عن طريق مصادر دولارية ثابتة، مثل السياحة أو زيادة في إيرادات قناة السويس أو طفرة في الصادرات المصرية، إلا أنه يرى أن أثر الانتخابات القادمة في الدولار قد تؤدي إلى ارتفاعه لاعتبار المواطنين الدولار مخزنًا للقيمة، ولاختلاف التوقعات مما قد يزيد الطلب عليه.

الرئيس التنفيذي لبرودنت للاستشارات الاقتصادية، ذهب إلى جانب آخر قد يغير في معادلة العرض والطلب على العملة الأجنبية في الفترة القادمة، إذ تساءل عن ماذا بعد أن تقوم الدولة بسداد المستحقات من الدولار سواء لسداد أقساط وفوائد ديون أو ارتفاع الرغبة في الاستيراد عند انخفاض سعر الدولار أمام الجنيه المصري، وهل يستطيع المركزي الحفاظ على مستويات الاحتياطي العالية في ظل ضعف الاستثمار الأجنبى المباشر، باستثناء القروض، وفي ظل ضعف الإيرادات من النشاط السياحي؟

هل تم التخطيط لكل هذا؟

يرى أحمد ذكر الله، الأكاديمي المصري، ورئيس قسم الاقتصاد في الجامعة العالمية للتجديد بتركيا، أن هناك خطة ممنهجة، بشأن الدولار في مصر، بها الكثير من الإملاءات من البنك الدولي، والكثير كذلك من الرضوخ من البنك المركزي المصري، ويلخص ذكر الله خلال حديثه لـ «ساسة بوست» عناصر هذه الخطة في العناصر التالية:

1- في البداية تم شن حرب على شركات الصرافة بداية من إغلاق أكثر من 50% من إجمالي عدد هذه الشركات، ونهاية بتخوينها والتعديلات القانونية التي تسمح بإقامة البنوك التجارية شركات صرافة، وبذلك تمت السيطرة الكلية من الجهاز المصرفي على حركة الدولار.

2- تبع ذلك ترويض رؤساء مجالس إدارة البنوك، وتغيير القانون الخاص بتقاعدهم، وبذلك أضحت البنوك التجارية هي الأخرى تحت السيطرة.

3- ثم كانت عملية التعويم العشوائي والتي ضربت بعشوائيتها الاقتصاد برمته في مقتل، وكان رد فعل الجهاز المصرفي وشركات الصرافة اللذين تم ترويضهما باهتًا، حتى في ظل التداعيات الكارثية على الاقتصاد.

4- ثم أيقنت الحكومة والبنك المركزي بالفشل؛ فلجأت للتعويم المدار وتثبيت سعر الصرف ما بين 18- 18.25 للدولار.

5- في نفس الوقت كان اللجوء المفرط للاقتراض الخارجي إما بشكله المباشر من هيئة، أو دولة لمصر أو في شكل إصدار سندات دولية، وإما بصورة غير مباشرة كالاقتراض بأدوات الدين، مثل أذون الخزانة مع الترويج لها على أنها إنجاز والتغافل عن فوائدها التي تخطت 21% في الوقت الراهن.

6- تحجيم شرس للواردات من خلال رفع التعريفة الجمركية مرتين في عامين متتالين، ودعمهما بقوة تراجع القوة الشرائية بسبب ارتفاع معدلات التضخم، ورفع أسعار المحروقات أكثر من مرة، كذلك انخفاض قيمة الجنيه، وبالطبع كان انخفاض قيمة الجنيه إيجابيًّا على الصادرات التي زادت، ولكن حجم الإنتاج المنخفض والاستهلاك المرتفع خفض من الباقي للتصدير فكانت زيادة محدودة للصادرات.

ويوضح ذكر الله، أنه مع كل هذه المعطيات كان طبيعيًّا أن يتجاوز الاحتياطي 30 مليار دولار في ظل سياسات اقتراضية لا تتوقف، ولكن ما يخيب الآمال هو أن مصر لديها ديون واجبة السداد 12 مليار دولار، حتى نهاية العام الحالي، و3 مليارات في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجديد، أي 15 من 30 ستسدد في خلال أشهر فقط.

ويختتم الخبير الاقتصادي حديثه، قائلًا: إنه من كل ما سبق نؤكد أن تراجع سعر الدولار هو تراجع مؤقت ولأسباب انتخابية، وليس له علاقة من قريب أو بعيد بالشأن الاقتصادي، أو نجاح ما أسمته الدولة برنامج الإصلاح الاقتصادي، على حد تعبيره، مشيرًا إلى أنه قد يتخذ تصاعد الجنيه منحنى متدرجًا متقطعًا للتمويه، ولكنه سيستمر في التصاعد حتى تمرير الانتخابات الرئاسية، مشككًا في قدرة الحكومة على توفير ما يغطي النزيف الضخم للاحتياطي خلال الأشهر الستة القادمة.

توقعات بمزيد من الهبوط

توقع بنك الاستثمار «أرقام كابيتال» الإماراتي، صعود قيمة الجنيه المصري بنحو 10% أو أكثر في العام المالي الجاري 2017/ 2018، مرجعًا ذلك إلى تحسن عائدات السياحة، التي ارتفعت بنحو 128.3% خلال الربع الأول من العام الحالي، إلى 1.3 مليار دولار مقابل 550 مليون دولار في نفس الفترة المقابلة من العام الماضي.

وتوقع بنك الاستثمار «بلتون المالية القابضة»، مزيدًا من تراجع الدولار أمام الجنيه، مرجحًا أن يتراوح بين 16.6 جنيه و17.1 جنيه خلال الفترة القليلة المقبلة، بدعم من زيادة التدفقات الدولارية، كما توقع هدوء الضغوط على الجنيه تدريجيًّا خلال الفترة المقبلة مع استقرار متغيرات العرض والطلب.

يشار إلى أن البنك المركزي قد أعلن، أمس، ارتفاع صافي الاحتياطي الأجنبي لمصر بشكل طفيف، إلى 31.305 مليار دولار في نهاية يونيو (حزيران) الماضي، مقابل 31.125 مليار دولار في الشهر السابق عليه، بنسبة 0.5%، وهو الأمر الذي من شأنه أن يضيف مزيدًا من الاستقرار بسوق الصرف، ولكن هل سيتغير الوضع مع سداد الالتزامات المستحقة خلال الأشهر القادمة؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.

المصادر

تحميل المزيد