إن تراجع الدولار أفاد الميزان التجاري.

أثارت تلك الجملة التي قالها وزير الخزانة الأمريكي، ستيفن منوتشين، خلال مشاركته بـ«المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا الشهر الماضي، الكثير من الجدل، وكان أحد عوامل الزلزال الذي هز أسواق المال في أولى جلسات التداول خلال فبراير (شباط) الجاري؛ إذ تعكس هذه الجملة وجهة نظر الإدارة الأمريكية الحالية، وهو الأمر الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في أكثر من مناسبة، سواء قبل الانتخابات، أو حتى بعد تنصيبه، لكن ماذا سيستفيد الاقتصاد الأمريكي من ضعف الدولار؟ وهل هناك أثر إيجابي أو سلبي في الاقتصاد العالمي بسبب الاتجاه نحو سياسة الدولار الضعيف؟

يتفاخر ترامب بالأرقام الاقتصادية التي حققها خلال العام الذي قضاه في البيت الأبيض، إلا أن الدولار لا يدخل ضمن قائمة إنجازات ترامب الاقتصادية؛ إذ سجل أكبر هبوط سنوي منذ 2003 خلال العام الماضي، وذلك بفعل الشكوك بشأن استمرارية انتعاش نمو الاقتصاد الأمريكي؛ إذ أنهى العام على خسارة قدرها 9.5%. العملة الأمريكية انخفضت أمام كلٍّ من اليورو، والين الياباني، والجنيه الإسترليني، والدولار الكندي، والكرونة السويدية، والفرنك السويسري، وهذه العملات هي مكونات مؤشر الدولار.

بينما أظهرت بيانات صدرت عن «صندوق النقد الدولي» أن حصة الدولار الأمريكي في الاحتياطيات العالمية للنقد الأجنبي تراجعت في الربع الثالث من 2017 إلى أدنى مستوى منذ منتصف 2014، وهذا هو ثالث انخفاض فصلي على التوالي لحصة الدولار الأمريكي في الاحتياطات العالمية، الأمر الذي يشير إلى زيادة في ضعف العملة الأمريكية.

مؤشر سعر الدولار خلال عام– ماركت ووتش

نسب هبوط الدولار– ماركت ووتش

ومع انتهاء 2017، لا تشير التوقعات إلى أن الدولار سيعوض بعض خسائر العام الماضي خلال 2018؛ وذلك للرغبة الكبيرة من جانب الإدارة الأمريكية في بقاء الدولار في المستويات الحالية، لكن لماذا؟

لماذا يريد ترامب دولارًا ضعيفًا؟

تشجيع الإدارة الأمريكية لفكرة انخفاض الدولار ليست جديدة، ولكن سبق أن حاولت أمريكا سلوك نفس المسار أكثر من مرة مع بداية الألفية الجديدة؛ وذلك بهدف زيادة الصادرات، وتقليل عجز الميزان التجاري؛ إذ إن تفاقم العجز التجاري هو من كبرى المشكلات الاقتصادية التي تواجه البلاد؛ لأنه سبب أساسي في زيادة الديون التي تجاوزت كل الحدود، وعندما ننظر إلى الأرقام الأمريكية للعجز التجاري؛ نجد أن العجز ارتفع في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ليسجل أعلى مستوى له منذ 2008، بزيادة نسبتها 5.3%، بواقع 53.1 مليار دولار خلال ديسمبر وحده.

بينما قفز العجز التجاري خلال عام 2017 بالكامل بنسبة 12.1% إلى 566 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ عام 2008، وهذا الرقم يشكل حرجًا كبيرًا لإدارة ترامب، لكن الأمر الذي يشكل حرجًا أكبر، هو أن الفائض التجاري للصين مع الولايات المتحدة في عام 2017 بلغ أعلى مستوى على الإطلاق مسجلًا 275.81 مليار دولار، وهذا الرقم شديد الحساسية بالنسبة للبلاد، وهو الأمر الذي يجعل ترامب مطالبًا بعلاج هذا الخلل سريعًا.

بشكل عام يعتبر تراجع الدولار جزءًا أساسيًّا من عملية تصحيح الحساب الجاري، وليس الميزان التجاري فقط؛ فضعف الدولار يندرج تحته عدة تطورات اقتصادية، أهمها: ارتفاع معدلات أسعار الفائدة، وزيادة الطلب الكلي، والتي تؤثر بدورها في الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى زيادة الاستثمارات، والتي بات المناخ مناسبًا جدًا لها بعد قانون خفض الضرائب الذي أقره ترامب.

لكن يبقى هدف تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية أهم أهداف الدولار الضعيف، وهو أيضًا بمثابة إعلان أمريكي صريح لحرب تجارية ستنال من الصادرات الأوروبية واليابانية والصينية؛ إذ إن الدولار هو أهم سلاح في هذه الحرب، فعندما يكون قويًّا تقل كلفة شراء السلع والخدمات من خارج أمريكا، وهو ما يجعل المنتجات الصينية تغزو السوق الأمريكية، وفي المقابل تصبح قيمة الصادرات الأمريكية مرتفعة، وهو ما يضعف من تنافسيتها، وعلى النقيض فإن الدولار الضعيف سيجعل كلفة الصادرات أعلى، وهو ما سيعزز الاعتماد على الإنتاج المحلي، ويقلل من العجز التجاري.

هل بدأت حرب العملات؟

في مثل هذا التوقيت من العام الماضي، قالت الصين إنها لم تستخدم عملتها قط أداةً للحصول على مزايا تجارية، ولا تسعى لخوض «حرب عملات»، جاء هذا الإعلان بعد وابل من الانتقادات وجهها ترامب إلى اليابان والصين، قائلًا: «إن الشريكين التجاريين الرئيسين للولايات المتحدة يخفضان عملتيهما، وهو ما يضر بالشركات والمستهلكين الأمريكيين».

وغالبًا ما يُنظر إلى الصين على أنها أبقت عملتها منخفضة للحصول على مزايا تجارية على مدى السنوات الماضية، ففي 2017 انخفض اليوان الصيني نحو 7% ليسجل أكبر خسارة مقابل الدولار منذ 1994، هذا الهبوط كان داعمًا أساسيًّا لزيادة الصادرات الصينية لأمريكا، وهو الأمر الذي كشف ترامب قبل عام من الآن أنه سيواجه بفرض رسوم عقابية على السلع الصينية؛ بهدف التخلص من أية مزايا يوفرها التلاعب في العملة.

لكن يبدو أن ترامب لن يكتفي بفكرة الرسوم العقابية؛ بل لجأ أيضًا إلى اللعبة نفسها التي يتهم بها شركاءه التجاريين، إلا أن هذا الأمر ليس بهذه السهولة؛ فإن لدى الدول التي تعتمد على التصدير أسلحة أخرى قد تمنع الدولار من الهبوط: فالصين واليابان يدعمان الدولار من خلال شراء السندات الأمريكية، فالصين أكبر حائز للدين الأمريكي، واليابان هي ثاني أكبر حامل لسندات الخزانة الأمريكية، إذ إن هذه الدول تستثمر الكثير من أموالها في أصول بالدولار بدلًا من تحويل كل قيمة صادراتها إلى عملاتها المحلية، وهو الأمر الذي يعزز قيمة الدولار.

في اليوم نفسه الذي تحدث فيه وزير الخزانة الأمريكي، عن الدولار الضعيف وصعد اليورو إثر تلك التصريحات إلى أعلى مستوى منذ 2014 أمام الدولار؛ وهذا الأمر أزعج كثيرًا محافظ البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي، والذي حذر بدوره من عدم احترام أمريكا التزامها مع الدول الكبرى الأخرى تحت راية صندوق النقد الدولي، بعدم استخدام سعر الصرف سلاحًا تجاريًّا.

يشار إلى أن هناك اتفاقًا نظريًّا يرعاه صندوق النقد الدولي، بعدم خفض العملة لأغراض تجارية، وهو السبب في استقرار العملات الرئيسية أو عدم تقلبها بشكل حاد، لكن وبحسب صحيفة «وول ستريت جرنال» فإن هناك عددًا قليلًا من الأشخاص يمكن أن تحرك تصريحاتهم أسواق الصرف، ووزير الخزانة الأمريكي، ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجى اثنان منهم، إلا أن الصحيفة ترجح كفة الوزير الأمريكي في التأثير أكثر؛ لذلك قد تكون فرص الدولار الضعيف أكبر.

ويحذر خبراء من أن هذه الحرب سينتج منها انهيارات كبيرة ستكون مضرة لأمريكا أولًا، وذلك لأن الحديث عن الدولار الضعيف سيزيد من قلق المستثمرين، وبدورهم سيخفضون شراء السندات أو على الأقل لن يكونوا متحمسين كثيرًا لذلك، ولعل ما حدث مؤخرًا من تراجع تاريخي للبورصة الأمريكية خير دليل على ذلك، إذ فقد مؤشر داو جونز حوالي ألف نقطة، وهو أكبر هبوط في تاريخ المؤشر.

يشار إلى أن آخر مرة تحدث فيها مسؤول أمريكي عن ضرورة خفض سعر صرف الدولار كانت في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، إذ قال وزير الخزانة آنذاك: «نريد ينًا قويًّا» في سياق انتقاد ارتفاع الصادرات اليابانية وتفوقها على الأمريكية، وكانت النتيجة أن الدولار تراجع بين أواخر 1993 وأوائل 1995 أكثر من 15% أمام العملة اليابانية.

أمريكا وأوروبا لن يكونا وحيدين في هذه الحرب؛ بل إن الصين واليابان لن تقفا مكتوفتي الأيدي أمام حرب العملات، وهو الأمر الذي يثير قلقًا عالميًّا؛ لأن الحرب التجارية ستنال من التجارة العالمية بشكل عام، ولن تدعم صادرات أمريكا فقط، وهو ما دفع جاكوب فرينكل، رئيس شركة جي بي مورجان تشيس إنترناشيونال، إلى التحذير من أن حرب العملات قد تدمر الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى ضرورة منعها «بأي ثمن»، موضحًا خلال تصريحات لوكالة «بلومبيرج» أن حرب العملات هي انعكاس للحمائية في السياسة النقدية.

كيف سيتأثر الاقتصاد العالمي بالدولار الضعيف؟

غالبًا ما تكون نتائج مثل هذه السياسات الموجهة غير جديدة، ففي حال كان هبوط الدولار ناتجًا من أسباب اقتصادية متعلقة بضعف في النمو أو تراجع عام في الاقتصاد، ربما لن يكون هناك نتائج سلبية كتلك التي ينتظرها العالم في حال تم العمل على خفض قيمة الدولار لأهداف تجارية متعمدة، وبحسب تقرير نشر على موقع مجلة «الإيكونومست» فإن الضعف في صالح الشركات متعددة الجنسيات، فهو يزيد من تنافسية صادراتها، وستزداد قيمة إيراداتها الخارجية إذا جرى تقييمها بالدولار.

لكن ضعف الدولار يعني قوة اليورو، وهو ما يعني ظروفًا مالية أصعب في أوروبا ستضر بالاستقرار المالي والنمو الاقتصادي، ونفس الأمر ينطبق على الدول الآسيوية التي تعتمد على التصدير، وفي هذه الحال ربما يكون ما ستجنيه أمريكا من ربح من جراء انخفاض الدولار سيخسره الجانب الآخر من العالم.

زاوية أخرى أيضًا ستتأثر بها أوروبا بشكل خاص، وهي خاصة بالسياح الأمريكيين الذين يشكلون الحصة الأكبر من السياح الأجانب في أوروبا، وهبوط الدولار يعني قلة عدد السياح الأمريكيين القادمين إلى أوروبا، وذلك بسبب ضعف الدولار مقابل اليورو، وعلى العكس ستنتعش السياحة في أمريكا نتيجة هذه السياسة.

من الناحية الأخرى، وبما أن القاعدة هي أن أسعار السلع والمعادن المقومة بالدولار تتحرك عكس تحرك سعر صرف الدولار، فإن الدول المصدرة للمواد الخام تستفيد من هبوط الدولار لارتفاع أسعار ما تصدره، كما أن ضعف الدولار سيدعم المعادن الرئيسية، التي يلجأ إليها المستثمرون بوصفها مخزنًا للقيمة في حال تقلب أسواق العملات والأسهم والذهب، الذي يرتفع سعره كذلك مع هبوط سعر الدولار.

يمكن القول إن تراجع الدولار لا يمس المستثمرين والتجار فقط، ولكن أيضًا الأفراد في أنحاء العالم متأثرون بهذا التراجع، وذلك إذا علمنا أن أغلب التحويلات المالية في العام تحسم مقابل الدولار، وهذا الأمر مفيد لحائزي العملات الأخرى مقابل الدولار.

هل سترتفع العملات العربية في ظل الدولار الضعيف؟

عندما نتحدث عن ضعف الدولار عربيًّا يجب أن نفرق بين الدول التي تربط عملتها بالدولار، والدول العربية الأخرى التي لا تربط عملتها بالدولار، فالأولى ربما ستكون متضررة من الدولار الضعيف، وذلك على جانبين: الأول تراجع القوة الشرائية للعملة، وهو ما سيساهم في زيادة معدلات التضخم، بالإضافة إلى أن هذه الدول ستكون مطالبة برفع أسعار الفائدة أكثر تماشيًا مع السياسة الأمريكية.

على الجانب الآخر، فإن دول كمصر وتونس والجزائر ربما لن تشعر كثيرًا بهبوط الدولار، وذلك لأن قوة الدولار في هذه البلدان له علاقة بتراجع أسعار عملاتهم لأسباب اقتصادية هيكلية، فهذه الدول لم تستفد بتراجع الدولار الكبير خلال 2017؛ بل على العكس ارتفعت قيمة الدولار مقابل عملات هذه الدول المحلية.

المصادر

تحميل المزيد