الدلافين من أحب الحيوانات وأقربها للبشر، القفزة الهوائية التي يمارسها الدلفين، سواء في العروض التجارية، أو في المحيط، من أهم المشاهد الطبيعية التي تسعد كل من يراها. وجه الدلفين المبتسم، صوته الذي يشبه صوت الأطفال، حركاته ومداعبته للبشر، كلها أمور جعلت الناس يعشقون الدلافين، ويسعون لمشاهدتها، والتعامل معها عن قرب، ومن المتعارف عليه أن عروض الدلافين التجارية هي أفضل وسيلة يمكنك أن تستمتع فيها برؤية الدلافين المدربة على تأدية مجموعة من العروض، ودائمًا  ما يكون الدلفين مبتسمًا ومتحمسًا للعب ومداعبة الجمهور، ولكن هل هذا حقيقي؟ هل يبتسم الدلفين في العروض حقًا؟

بعد انتحار قرد في غزة.. لماذا «تنتحر» الحيوانات؟

لا تنخدع.. الدلفين لا يبتسم

إذا ذهبت لتشاهد الدلافين في وقت غير أوقات العروض، فمن الممكن أن تجد أحد الدلافين يدور في حوض السباحة المخصص له بطريقة توحي بمدى شعوره بالملل، ولم لا؟ فإن الدلافين في العموم تسبح يوميًا ما يقرب من 100 كيلو متر في الطبيعة، تقضي 20% منها خارج الماء، ولذلك لا تجد الدلفين تلك الحرية في الخزانات، وأحواض السباحة الضيقة – نسبيًا – التي يتم أسره وتربيته فيها، والتي لا يمكن مقارنتها إلا بالسجن، ولكن الفارق الوحيد بينها وبين السجن أن في السجن يوضع فيها كل من ارتكب جرائم، ولكن تلك الدلافين جريمتها الوحيدة أنها جميلة ومرحة بشكل يمكن استغلاله في التجارة بها للحصول على الأموال.

بغض النظر عن أن أماكن العروض تقام على مسافة قريبة من البحر أو المحيط بشكل يسمح للدلفين أن يراه بعينه أثناء قفزه المعتاد؛ مما يُشعِره بالضغط العصبي والإحباط، فإن هناك مشكلة أخرى كبيرة يعاني منها الدلافين، وهي الطعام.

يتعمد مدربو الدلافين حرمانها من الحصول على الطعام، إلا في حالة تنفيذها للتدريبات والاستعراضات بشكل جيد، وحتى عند إطعامهم بعد انتهاء العروض تكون الوجبات في شكل أسماك مجمدة ميتة، وحين يرفض الدلفين هذا الطعام، يُجبر على الأكل، وهذا ما يسميه بعض المدربين «Positive Enforcement» أو الإجبار الإيجابي، ولكن هذا يؤثر على الدلافين نفسيًا بالسلب، أو يصيبها بالاكتئاب الذي من الممكن أن يدفعها لتعذيب أنفسها  بالامتناع عن الطعام، أو عن طريق ضرب رأسها في جدران الأحواض والخزانات التي تحتويها، وفي حالات أخرى قد يدفع الاكتئاب بعض الدلافين للانتحار عن طريق حبس أنفسها أو الامتناع عن الطعام.

يقول ريتشارد أوبري: إن بعض المدربين يقومون بحقن الدلافين بمهدئات وعقارات مضادة للاكتئاب في حالة ظهور أعراض المرض على الدلفين، وهذه العقارات مخصصة لمعالجة الاكتئاب البشري؛ مما يجعلها تسبب أعراضًا جانبية خطيرة على الدلافين، مثل مضاعفة الاكتئاب أحيانًا، وريتشارد أوبري هو مدرب الدلافين السابق الذي ترك عمله من أجل المدافعة عن تلك الحيوانات البريئة، وإنهاء أسرها من أجل العروض التجارية.

لماذا لا تتكيف الدلافين خارج البحار أو المحيطات؟

في عام 2012 خلال المؤتمر العلمي الأكبر في العالم، والذي تنظمة المؤسسة الأمريكية للعلوم المتقدمة، أعلن العلماء أنه بناء على الكثير من الأبحاث التي أجريت على الدلافين، يجب معاملتها كالإنسان، وأطلق المؤتمر على الدلافين صفة «أشخاص غير بشريين»؛ وذلك لأن الدراسات أوضحت أنه إن كان هناك مخلوق يمتلك عقلًا يعمل بكفائة تأتي في المرتبة الثانية بعد عقل الإنسان، فهو عقل الدلفين؛ وذلك لأنه يقوم بنفس العمليات التي يقوم بها العقل البشري، ويمتلك نفس خواصه، مثل الذاكرة القصيرة، وطويلة الأمد، وقدرته على التطوير والتعليم الذاتي، ولأن مخ الدلفين بهذا الذكاء والتعقيد، فهو يدفعه دائمًا للترحال والسفر بحرية في البحار والمحيطات من أجل الاستكشاف، وهذا ما لا يستطيع فعله الدلفين في الخزانات أو أحواض السباحة التي  تقيد حركته في العروض التجارية.

وتطور المخ  لدى الدلافين مكنهم من امتلاك مهارات تواصل اجتماعي فعالة، وترتبط الدلافين ببعضها البعض بروابط اجتماعية قوية جدًا، وهي تتعاون مع بعضها البعض في الحصول على الغذاء، وتمتلك ذاكرة قوية تجعلها قادرة على تذكر من عاونها من أصدقائها الدلافين، فهي تعتني ببعضها البعض، وعلى سبيل المثال فإن صغير الدلفين يظل مرتبطًا بوالدته لمدة قد تصل إلى ثلاثة أعوام، وهي المدة التي تقارب تلك التي يكون فيها رضيع الإنسان مرتبطًا بوالدته؛ لأنها مصدر غذائه الأساسي، أما في خزانات وأحواض سباحة العروض التجارية، لا يمكن للدلافين تكوين الصدقات أو مجتمع قوي كالذي تبنيه الدلافين في البحار أو المحيطات، ولذلك يشعر الدلفين بالملل لدرجة قد تدفعه لإيذاء نفسه أو إلى الانتحار.

الفرضية المُحرَّمة.. هل تمتلك الحيوانات وعيًا مثلنا؟

إلى أين وصلت حملات التوعية ضد عروض الدلافين؟

في عام 2013 أصدرت وكالة «CNN» فيلمًا وثائقيًا بعنوان «BlackFish» والذي يتمحور حول قصة حوت كان يدعى «Tilikum»، كانت تستخدمه شركة «Seaworld» الأمريكية في عروضها الشهيرة، ولكنه لم يكن كبقية حيتان الأوركا اللطيفة التي تداعب الجماهير في العروض؛ وذلك لأنه قد  تسبب في مقتل ثلاثة أشخاص.

لكن في الواقع لم يكن فيلم «BlackFish» هو أول من يتحدث عن معاناة الدلافين وحيتان الأوركا في العروض التجارية؛ بل على مر عقود كانت هناك مناشدة وشجب لهذه العروض من كثير من علماء البحار والنشطاء والجمعيات العلمية والمهتمة بالمحافظة على حقوق الحيوان، ولكن المميز في هذا الفيلم أنه تم تصويره بمساعدة عاملين سابقين في كبرى الشركات التي تدير عروض الدلافين وحيتان الأوركا التجارية، مثل شركتي «Seaworld» و«Sealand of the Pacific»،  وبسبب ذلك استطاع صناع الفيلم تقديم رؤية للمشاهدين عما يحدث خلف كواليس العروض التجارية من  رعاية وتدريب وتطويع الحيتان حتى تبدو بهذا المرح والسعادة التي يراها الزوار والمشاهدون أثناء العروض. ويتضمن الفيلم أيضًا الناحية العلمية بشكل مبسط من خلال استعراض للسلوك الحياتي لحيتان الأوركا والدلافين في الطبيعة، ومقارنتها بسلوكها الحياتي في سجن العروض التجارية، وبذلك ضمن صناع الفيلم أن يصبح المشاهد على دراية كاملة بحقيقة تلك العروض التي لا تهدف إلا تحقيق المزيد من الأرباح على حساب حياة الدلافين وحيتان الأوركا البريئة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد