يقول توماس جيلوفيتش، أستاذ علم النفس بجامعة كورنيل: «يرجح بأنك ستحظى بمزيد من السعادة عند إنفاق المال على التجارب»، وبالتأكيد ليس هناك من طريقة لاكتشاف تجارب جديدة في الحياة أفضل من السياحة، كنشاط يساعد الفرد في استرجاع لياقته النفسية، ويثري هويته الثقافية بأنماط جديدة من الحياة البشرية، مثلما تمثل السياحة فرصة للترفيه وتذوق متعة الاكتشاف والمغامرة.

إلا أنه قد لا يتاح لمعظم الناس، ولاسيما بالعالم العربي، القيام بجولات سياحية خارج البلد المقيم، لاعتبارات مالية وأخرى بيروقراطية، فتصبح السياحة الداخلية خيارًا يستحق التجربة، بدل الحرمان من متعة السياحة.

لماذا عليك تجربة السياحة الداخلية

تعرف السياحة الداخلية بكونها نمطًا من السياحة، وهي انتقال مواطني دولة ما إلى مناطق بعينها داخل حدود بلدهم، بغرض السياحة والترفيه. وتتفرد السياحة الداخلية بعدة امتيازات تتميز بها عن السياحة الخارجية، تجعلها تجربة لا تقل شأنًا عن الخروج من الوطن.

لعل التكلفة المالية هي ما يؤرق الراغبين في القيام بجولات سياحية، وسياحة الداخل تعفي من هذا العبء، حيث تعد أرخص بكثير من مغادرة البلاد، ومنه يوفر هذا الخيار للفرد بعض المال، دون الاضطرار لإلغاء مشروع الجولة.

كما تفتح السياحة الداخلية أمام المرء فرصة اكتشاف مناطق جديدة داخل البلد، على غرار المعالم الوطنية والأماكن السياحية، مما يضيف قيمًا ومعاني جديدة حول الصورة العامة للوطن، بالإضافة إلى التشبع بالتنوع الحضاري الذي يزخر به البلد.

تساهم السياحة الداخلية أيضا، على المستوى المجتمعي، في تنمية الاقتصاد الوطني وإنعاشه، بدل تحويل الأموال إلى بلد آخر، وكذا تسهم في تعزيز وحدة تضامن المجتمع وتماسكه، من خلال تواصل الثقافات المحلية المتنوعة.

بالإضافة إلى أن السياحة الداخلية خيار متاح في أي وقت، إذ لا تتطلب حجز عطلة طويلة أو تحضير أوراق التأشيرة، أو غير ذلك من أعباء كالشأن مع السياحة خارج البلاد، بل كل ما تحتاجه هو إعداد حقيبتك والبدء في جولتك السياحية مباشرة.

السياحة الداخلية في هذه البلدان

يشكل القطاع السياحي في معظم البلدان العربية رافدًا أساسيًا للاقتصاد الوطني، وعادة ما يتأثر سلبًا بسبب أدنى اضطراب في الأوضاع السياسية الأمنية للبلد، ومن ثمة تصبح السياحة الداخلية ركنًا مهمًا لتعويض أي نقص في السياح الأجانب، إلا أن الأرقام حول هذا النمط من السياحة تبدو غير مقنعة.

بحسب دراسة قام بها «مرصد السياحة بالمغرب» سنة 2014، فإن الأسفار الترفيهية التي يقوم بها المغاربة تبدو زهيدة إلى حد كبير، بحيث %7 من السياح الداخليين فقط هو ما تستقبله الفنادق المصنفة بالبلد، ولا يتعدى رقم معاملات السياحة المحلية 31 مليار وخمسة ملايين درهم، وسجلت في نفس السنة 300 ألف ليلة مبيت، المحجوزة من قبل السياح المحليين، في بلد يتعدى سكانه 34 مليون نسمة. وبلغ معدل الرضا لدى السياح الداخليين %35 بجولاتهم السياحية.

أما بالنسبة لتونس، التي عرفت نفورًا من قبل السياح الأجانب بعد الهجمات المسلحة المتوالية، فقد عرفت في المقابل رواجًا ملفتًا للسياحة المحلية، بعدما طالبت الحكومة التونسية مواطنيها بدعم السياحة في بلدهم، وشغل التونسيون %72 من المؤسسات الفندقية بالبلاد، بحسب المندوب الجهوي للسياحة، محسن بوصفارة.

وفي المقابل فشلت الحكومة الجزائرية في تشجيع الجزائريين على تجربة السياحة الداخلية، بعد إطلاقها العام الماضي حملة تحت شعار «اعرف بلدك أولًا»، إذ رغم الإمكانات الطبيعية والمالية المتوفرة لاستقطاب السائحين، إلا أن عائد قطاع السياحة ككل لم يتجاوز %1 من الإنتاج الإجمالي للجزائر، نتيجة المشاكل الهيكلية والاستثمارية التي يعانينها القطاع، علمًا بأن هناك فئة واسعة من الجزائريين المتعاطين للسياحة الخارجية، حيث سجل زيارة مليون و 300 ألف جزائري لتونس وحدها سنة 2014.

وعلى نفس الخط تسير السعودية، التي يعرف مواطنوها عزوفًا شديدًا عن السياحة الداخلية، ويفضلون الهجرة إلى بلدان أوروبا وآسيا وكذا بعض البلدان العربية لقضاء عطلهم الترفيهية، بذريعة عدم توفر الخدمات السياحية بالبلد، كما تذكر صحيفة مكة في لقائها ببعض السائحين السعوديين.

كما قامت مصر بحملات تدعو لتشجيع المصريين على السياحة داخل بلدهم، بعدما انخفض بشكل كبير عدد السياح الأجانب إثر الوضع الأمني المضطرب، وقد لاقت الحملة تجاوبًا لا بأس به، إلا أن المؤسسات السياحية تذمرت من السلوكيات العشوائية للسائحين المصريين، مما دفع وزارة السياحة بمصر إلى إعلان حملة دعائية تحت شعار «السياحة علم» لتوعية المواطنين بقواعد السياحة، حفاظًا على المحميات الطبيعية والمعالم الأثرية.

وتبقى السياحة الداخلية بالبلدان العربية جد ضعيفة، كما تبين الأرقام، بالرغم من أنها تعد أقل تكلفة من الجولات السياحية خارج البلاد، مما يعني أن ثقافة السياحة بشكل عام لا تدخل في باب أولويات شعوب المنطقة، مثلما أن الحكومات لا تهتم بتشجيع شعوبها على السياحة الداخلية، إلا في الأوقات العسيرة، حيث يغيب السياح الأجانب.

في المقابل تعرف السياحة الداخلية بالبلدان الغربية حراكًا ملفتًا، على سبيل المثال، يذكر اتحاد السياحة الألمانية في إحصاءات صادرة من طرفه لسنة 2015، أنه قام %31.2 من الألمان بعمل رحلات داخلية في ألمانيا، مما يعني أن ثلث السكان الألمان اختاروا قضاء إجازاتهم بمناطق سياحية داخل بلادهم، مثلما أنفق المواطنون الألمان 56.5 مليار يورو من أجل السياحة الداخلية، ووصل متوسط المبيت خمس ليالي في كل رحلة داخلية.

السياحة كثقافة

ربما تكون السياحة داخل البلد غير مكلفة مقارنة مع السياحة الخارجية، إلا أن سلوك السياحة يبقى نشاطًا ترفيهيًا كماليًا مقارنة مع أساسيات البقاء على قيد الحياة، وإن كان ضروريًا من الناحية النفسية، إذ لا يمكن أن نجده منتشرًا إلا في بلدان الرفاه.

بخلاف معظم البلدان العربية التي تعاني شعوبها من الفقر وهزالة الرواتب، ومن ثمة ينشغل أغلبية مواطني المنطقة بضروريات الحياة، وتصبح السياحة نشاطًا خارج قائمة الأولويات.

بيد أن العامل الاقتصادي لا يمكن أن يفسر وحده الغياب المهول للسياحة بأنواعها، الطبيعية والثقافية والرياضية والفنية، في المنطقة، وإنما يرتبط هذا الأمر بغياب ثقافة الاكتشاف والمتعة في المنظومة الثقافية بالمنطقة.

ويقول الباحثون في علم النفس إن قضاء تجارب جديدة مع أفراد مقربين، يمكنه أن يزيد من مستوى سعادتنا بشكل جلي، ومن ثمة يعتبر إنفاق المال في خوض رحلات سياحية طريقًا جيدًا في صرفه فيما يمكن أن يثري حياتنا النفسية والاجتماعية والثقافية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد