الذاكرة والخيال هما ما أبقياه حيًا؛ إذ تعرض جون دومينيك بوبي في منتصف شبابه إلى سكتة دماغية مفاجئة، عانى بعدها من نوع نادر جدًا من الشلل التام، أطلقوا عليه «متلازمة المنحبس». وفيه ينفصل الدماغ عن «النخاع الشوكي» ويفقد المريض قدرته الكاملة على الحركة؛ إلا أنه رغم ذلك يحتفظ بوعيه وإدراكه العقلي. ليعيش ما تبقى له من الحياة حبيس جسده المعطوب.

ومن الخيال والذاكرة قرر جون بوبي، رئيس تحرير مجلة «Elle» الفرنسية الشهيرة، أن يكتب كتاب السيرة الذاتي الخاص به، على فراش المشفى، بلا حاجة ليدين أو صوت. فقط من خلال «رمش العين اليسرى»، لتصبح روايته الذاتية المنشورة عام 1997 «بذلة الغوص والفراشة» واحدة من أكثر الكتب مبيعًا حول العالم.

«شكل آخر من عقوبة الموت».. ذكريات الكارثة

في الفصل الأخير من الرواية، يستحضر جون بوبي، ذكرى اليوم الذي سبق الكارثة، الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 1995؛ إذ يسرد لحظاته الأخيرة في الريف، تلك اللحظات التي سبقت فقدان قدرته على الحركة. يقول: «كل شيء كان رماديًا، مُذعنًا، بليدًا: السماء والناس، والمدينة المرهقة من إضراب للنقل العمومي».

كانت شركة سيارات ألمانية قد وضعت تحت تصرفه طرازًا جديدًا من سيارات «BMW» لتجربتها لمدة نهار كامل. بعد الظهيرة، يقود بوبي 40 كيلومترًا خارج باريس لاصطحاب ابنه من منزل زوجته من أجل قضاء أمسية معه في المدينة. وفي رحلة العودة تنتابه حالة شبهها الكاتب الفرنسي بتأثير عقار «LSD» وما يتبعه من هلوسات وتعرق. ومضات من أحداث آنية لوصول الممرضة أخت زوجته، لرحلة الطريق إلى المشفى، أشخاص يجرون في كل الاتجاهات، وكرسي متحرك يجلس عليه، ومن ثم ظلام. كانت الغيبوبة التي استيقظ منها جون دومينيك بعد ثلاثة أسابيع بعقل يعمل مثل ماكينة، وجسد لا يقوى حتى على التنفس أو البلع دون مساعدة. 

يصف جون بوبي مرضه بأنه «تحوير» لعقوبة الموت؛ قائلًا: «تطور تقنيات الإنعاش حوَّر العقوبة، صرنا نتملص من الموت مقذوفين فيما يسميه الطب الأنجلوسكسوني: «متلازمة المنحبس». إذ يُسجن المريض داخل جسده المادي، مشلولًا من الرأس حتى أخمص القدمين بروحٍ سليمة ورمش أيسر صالح لجميع أنواع الاتصال.

(فيلم بذلة الغوص والفراشة)

رأى بوبي نفسه حبيسًا لـ«بذلة غوص» عملاقة تقيد الجسم كله. يصارع داخلها من أجل الحركة بلا نتيجة. «كابوس لا ينتهي» . إلا أن عقله كان مثل فراشة، تتنقل بخفة بين أحلام اليقظة وذكريات حياته القديمة. سجن، وجد فيه نافذة من الخيال والذاكرة، فعاش داخل دماغه.

يقول بوبي: «أصبحت بذلة الغوص أقل ضيقًا، ويمكن للروح أن تتسكع مثل فراشة».

من هذا التعبير بالتحديد غزل المخرج الأمريكي جوليان شنابل فيلمه المرشح لأربعة جوائز أوسكار والحائز على 67 جائزة دولية، «بذلة الغوص والفراشة». إنتاج عام 2007، ومقتبس عن رواية جون دومينيك بوبي الذاتية بنفس الاسم، وقد نجح شنابل في الفيلم من أن يرسم العالم من وجهة نظر الحبيس. على الشاشة نرى كمشاهدين من زاوية الرؤية الضيقة لعيونه.

يخيط الطبيب العين اليمنى المعطوبة، ونرى «الطرف المدبب» للإبرة وهو يخترق جلد العين. يخيطه ويحجب الرؤية عن البطل وعنا في الوقتِ ذاته. نغرق داخل رأسه ونستمع إلى حديثه الذاتي، أفكاره الخاصة ومشاهد الذاكرة وهي تطفو على السطح. نحن متوحدون معه، يبكي فترتبك الصورة بطريقةٍ بلورية من تأثير الدمع. حتى المشاهد التي لم تتضمن وجوده؛ كان صوته حاضرًا فيها كراوي.

فنون

منذ 7 شهور
10 أفلام من شرق آسيا لا تقل سحرًا عن «Parasite»

عن ذلك يقول الناقد السينمائي بيتر برادشو: «لا شيء في مسيرة المخرج جوليان شنابل حتى الآن، يضاهي حلاوة وعذوبة ونضج هذا الفيلم الجميل». يشير برادشو إلى أن شنابل قد استخدم حسه البصري الخاص لخلق مظهر وشعور مميز لفيلمه، فبدا وكأنه فانوس سحري. ومضات نرى من خلالها زغب الهلوسات والذكريات وإجلال الرؤى الخيالية؛ إذ كان الماضي والخيال هما أدوات بوبي في الهروب من حالته، وقد استطاع المخرج بسلاسة أن يتناول وجهة نظر بوبي المعذبة والمليئة بالحيوية. كما استعان بكاميرا محايدة، تشرح لنا الصور المعطوبة والمدمرة، وقد كانت موضوعيتها مشروطة بوطأة الشعور الذاتي للبطل.

«الأبجدية الصامتة».. الكتابة برمش العين

«رمشة واحدة: نعم، رمشتان تعني: لا». يقولون عنها الأبجدية الصامتة، وهي التي استخدمها بوبي ليكتب سيرته الذاتية بلا قلم. فقط 200 ألف رمشة من عينه اليسرى على حروف الأبجدية. مهمة شاقة أنهاها وتوفي بعد نشر الرواية بأيام، عن عمر يناهز 44 عامًا.

في فصل «الأبجدية»، يشير جون دومينيك بوبي إلى أن الحروف رتبت بطريقة معينة، وفقًا لشائعية استخدامها في محادثات اللغة الفرنسية، فيما أطلقوا عليه نظام «ESA»؛ إذ كانت مدربة النطق تجلس إلى طرف فراشه، تتلو عليه الحروف الأبجدية كلها ببطء، وما عليه سوى أن يرمش عند الحرف المطلوب، فيقول: «ثم نكرر الأمر نفسه لتحصيل الأحرف الموالية، وإذا لم تكن هنالك أخطاء، نتحصل سريعًا على كلمة تامة، ومن ثم مقاطع جمل واضحة».

(تقرير عن رواية جون دومينيك بوبي)

في البدء كان تعلم هذا النظام يهدف إلى تسهيل عملية التواصل المباشر معه، سواء من أجل الأطباء أو الأهل والأصدقاء؛ إلا أن بوبي سيستخدم الطريقة ذاتها في تأليف كتابه، في الليل يختار الكلمات وينمق الجمل. يحفظ النص عن ظهر قلب، وفي الصباح تأتي المندوبة الخاصة بدار النشر تتلى عليه الحروف الأبجدية، ليرمش بالعين اليسرى عند الحرف المطلوب، وتبدأ اللعبة الذهنية في تكوين الكلمات والجمل وتحريرها من خلال ومضات العين.

صورة لبوبي قبل الأزمة الصحية مع أسرته، مصدر الصورة: shutterstock

أراد بوبي أن ينقل حالة جسده ومشاعره من خلال النص، «غواص في أعماق البحر، مكبل داخل بذلة غوص ثقيلة وعملاقة تأبى أن ترفعه» وفي الوقت ذاته حالته العقلية شديدة الوعي والإدراك، وذلك من خلال التنقل ما بين أحداث حياته الآنية، والذكريات البعيدة التي اختلطت مع أحلام اليقظة والهلوسات، تفاصيل لتجربة حياتية شديدة الثراء، عبر عنها من خلال جمل مقتضبة شديدة الذكاء، تتناسب مع حالته الجسدية، لينهي كتابه في 100 صفحة فقط.

حياة من المتعة الخالصة.. الحب في حياة جون بوبي

قبل اللحظة التي استفاق فيها جون دومينيك بوبي على فراش المشفى الفرنسي. كانت حياته لا تخلو من المتعة، رجل ناجح في أوائل الأربعين من عمره، جمع بين الوسامة والصحة والثراء والشهرة. عمل محررًا في أشهر مجلات الأزياء في باريس، وتمكن رغم صغر سنه من أن يصبح رئيس تحرير مجلة «Elle» الشهيرة.

تستطيع أن تتخيل حياته بين عارضات الأزياء ومناقشات «أحدث صيحات الموضة» في العروض. رجل يحب الحياة ويعشق السفر، وقد مكنه عمله من أن يخزن على مر السنين «ما يكفي من الصور والنفحات والأحاسيس». ذاكرة كانت هي المعين بالنسبة إليه لتحمل تبعات فقدان القدرة على الحركة والتنفس والبلع.

أحب بوبي زوجته وأنجب منها طفلين، وانفصل من أجل حب جديد، لكنه رغم ذلك كان أبًا رائعًا، حافظ على حضوره الدائم من أجل أطفاله؛ عن ذلك تقول ابنته سيليست أن ما تتذكره عن والدها يتمثل في ذكريات طفولتها المذهلة والتي تتضمن وجبات الغداء الطويلة في نهاية الأسبوع والسفر وركوب الدراجات في أنحاء البلاد. حلم جميل استفاقت منه على مرض والدها. عن مرضه تشير إلى أنها كانت طفلة في التاسعة من العمر، لم تتعرف على والدها عندما استفاق من غيبوبته. لكنها تتذكر الأيام التي قضتها معه على الشاطئ، متظاهرة بأن كرسيه المتحرك سيارة سباق «فورمولا 1»، وتغني إلى جانبه.

Embed from Getty Images

تشير سيليست إلى أنها لم تكن تعرف أية تفاصيل عن أسباب انفصال والدها ووالدتها، وقد تفاجأت من فيلم المخرج جوليا شنابل وقد صرح بشكلٍ مؤكد بالعلاقة العاطفية التي جمعته مع امرأة أخرى. في الفيلم، نتعاطف مع الزوجة الحزينة، التي تجبرها الظروف على أن تفسر لعشيقة زوجها عبر الهاتف ما يود أن يقوله لها: «أنتظرك كل يوم»، في حين نرى «عشيقة» بوبي المدللة ترفض أن تزوره في المشفى خوفًا من أن تراه بحالته الجسمانية تلك. قائلة بأنها تود لو تتذكره دائمًا كما كان. 

كتب

منذ سنة واحدة
«أثر القراءة لا يزول».. كيف ألهمت الكتب إيلون ماسك للسفر عبر الفضاء؟

لكن يبدو أن فلورنس بن سعدون، العشيقة الحقيقية للكاتب جون بوبي كانت إلى جانبه في الأيام الأخيرة بالمشفى وتابعت معه تطورات نشر كتابه خطوة بخطوة. إذ يشير تقرير «الجارديان» البريطانية عن الحب في حياة جون بوبي إلى أن فلورنس رفيقته لثلاث سنوات كانت جالسة إلى جانبه ممسكة بيديه في المشفى عندما مات، وقد كانت تقود سيارتها مرتين أو ثلاثة في الإسبوع من باريس من أجل الجلوس معه والقراءة. وفي رثائه، كتب عنهما فاليري تورانيان، زميل جون بوبي في المجلة الفرنسية «Elle»: «فلورنس كانت دائمًا إلى جانبك، المرأة التي أحببتها، أحبتك حتى أنفاسك الأخيرة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد