في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، سوف يكون العالم على موعد مع الانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ وإما أن يمنح الشعب الأمريكي دونالد ترامب أربع سنوات أخرى في البيت الأبيض، أو تُرجح كفة منافسه الديمقراطي جو بايدن.

يتميز موسم الانتخابات الأمريكية بظاهرة تتكرر كل انتخابات؛ وهي تأييد المشاهير والشخصيات العامة للمرشحين. وعلى مر التاريخ كانت ظاهرة توظيف المشاهير في الحملات الترويجية تنتقل من عالم الإعلانات عن المنتجات التجارية إلى عالم السياسة، لكن هل الحملات الترويجية التي تبرز تأييد المشاهير للمرشحين السياسيين لها الأثر نفسه الذي تحدثه حملات ترويج المشاهير للمنتجات التجارية؟ هذا سؤال هام سوف نجيب عنه في السطور القادمة.

ضمت قائمة مؤيدي دونالد ترامب من المشاهير كل من مغني الراب الشهير فيفتي سنت، والممثلة الكوميدية روزان بار، والممثل جون فويت، ومقدمة البرامج ماري هارت، كذلك ضمت القائمة أسماء أخرى شهيرة في المجتمع الأمريكي؛ لكنها في الواقع لا تقارن بالشهرة والشعبية الضخمة التي يتمتع بها مؤيدو جو بايدن من الشخصيات العام مثل الممثل روبرت داوني (ذا روك)، والمغني جون ليجند، ولاعب كرة السلة ليبرون جيمس، ومذيع السخرية السياسية الشهير جون ستيوارت، علاوة على صاحب جائزتي أوسكار توم هانكس، والممثل جورج كلوني المشهور بنشاطه السياسي واهتمامه بقضايا حقوق الإنسان.

Embed from Getty Images

قائمة مؤيدي بايدن، تضم أيضًا الممثل روبرت دي نيرو، الذي يعد أحد أهم عمالقة هوليوود في العصر الحديث والممثلة الأمريكية السوداء فيولا ديفيس التي سبق وأن اختارتها مجلة تايم، واحدة من المئة الأكثر تأثيرًا في العالم، هذا بالإضافة إلى قائمة طويلة من النجوم الذين ليسوا فقط من أصحاب الشعبية الأمريكية، بل لهم شهرة في العالم كله.

فإذا كنت عزيزي القارئ من متابعي الفن والسياسة والرياضة والإعلام في العالم، فربما أنا على علم بمعظم  مؤيدي جو بايدن من المشاهير؛ على عكس القائمة التي تؤيد دونالد ترامب، وهذا يدفعنا نحو طرح سؤال مهم..

لماذا لا يؤيد صفوة المشاهير الأمريكيين ترامب؟

في يوليو (تموز) عام 2018 نشرت مجلة «بي إس واي بوست» المعنية بأبحاث علم النفس والمجتمع دراسة جديدة تجيب عن سؤال مهم وهو: «لماذا يميل المشاهير إلى الاتجاه الليبرالي؟». تبدأ الدراسة بطرح نظرية الاختلاف بين وجهات النظر التي يبرزها الليبراليون والمحافظون تجاه السياسات الحكومية، ثم يعود مؤلف الدراسة ويطرح سؤالًا آخر: «هل الاختلاف السياسي بين الليبراليين والمحافظين نابع من اختلاف في الجوانب المعرفية والعاطفية والشخصية؟».

وخلال الدراسة أُجريت تجربة على المشاركين الذين كانوا ينتمون إلى التيارين (الليبرالي والمحافظ) في الولايات المتحدة وألمانيا وإسرائيل، وقدم الباحثون للمشاركين مجموعة من الأخبار والحوادث الوهمية مثل تعامل الشرطة بعنف مع مظاهرة لمجموعة من الليبراليين ومظاهرة أخرى لمجموعة من الليبراليين في بلد المشترك في التجربة ومثال آخر في بلد أخرى، وكانت النتيجة أن المحافظين يميلون إلى التعاطف مع المتظاهرين الذين ينتمون إلى التيار المحافظ، خصوصًا في بلدهم.

وفي الناحية الأخرى أبدى المشاركون الليبراليون تعاطفًا كبيرًا نحو المتظاهرين الليبراليين في بلدهم وفي خارج بلادهم، لتأتي نتيجة التجربة بأن دائرة التعاطف عند الشخص الليبرالي أكبر منها عند الشخص المحافظ، وبينما يهتم الليبرالي أكثر بالآخرين، يهتم المحافظ بكل ما يخصه فقط بشكل أكبر.

ويمكن ملاحظة ذلك أيضًا عبر تناول كل من الديمقراطيين (الليبراليين) الجمهوريين (المحافظين) لأزمة المهاجرين؛ إذ إن الديمقراطين أكثر تعاطفًا وتسامحًا مع المهاجرين على عكس الجمهوريين؛ وخير مثال على ذلك الجدار الضخم الذي يريد أن يبنيه دونالد ترامب لمنح المهاجرين غير الشرعيين الذين يتسللون إلى الولايات المتحدة عبر الحدود مع المكسيك، بالإضافة إلى منع مسلمي بعض الدول من الدخول إلى أراضي الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images

إحدى المظاهرات الليبرالية المناهضة لسياسات ترامب نحو المهاجرين

وعند النظر إلى ساحة الإعلام الأمريكي، سوف نجد مثلًا وكالة «سي إن إن» الإخبارية التي تميل إلى الحزب الديمقراطي دائمًا ما تعطي مساحة كبيرة للأخبار والأحداث العالمية، وتنفذ سياسات تسويقية تمنحها الانتشار في العالم كله ليس في الولايات المتحدة فقط؛ على عكس وكالة «فوكس نيوز» – المشهورة بتأييد الحزب الجمهوري، ودونالد ترامب تحديدًا – التي تركز جهودها على الشأن الأمريكي الداخلي فقط.

وبالحديث عن الفنانين ومشاهير المجتمع الأمريكي، سوف نجد أن طبيعة عملهم تجعلهم يستهدفون ليس فقط جمهور الولايات المتحدة، بل الجمهور في مختلف دول العالم؛ ولذلك سوف تجد دائرة تعاطفهم تميل إلى السياسة الليبرالية التي يمثلها الحزب الديمقراطي، على عكس الحزب الجمهوري المحافظ الذي صار يميل في الفترة الأخيرة نحو يمين أقصى الاتجاه المحافظ.

وهذا يفسر أيضًا تعاطف الكثير من مشاهير المجتمع الأمريكي مع القضايا والمسائل العالمية على سبيل المثال: الممثل ليوناردو دي كابريو خصص جزءًا كبيرًا من خطاب فوزه بجائزة الأوسكار للحديث عن أزمة التغير المناخي. كذلك لا يكف لاعب كرة السلة الشهير ليبرون جايمز وأحد أهم الرياضيين في العالم عن دعم وتأييد حركات دعم المرأة والأقليات وأصحاب البشرة السمراء في العالم.

الممثل جورج كلوني أيضًا له تاريخ طويل من النشاط السياسي والاجتماعي من خلال الحملة التي قادها منذ سنوات لدعم ضحايا زلزال هايتي عام 2010، ودعمه وتضامنه مع حملات حقوق الإنسان؛ حتى أنه قُبض عليه أمام السفارة السودانية في واشنطن عام 2012 بسبب تظاهرة ضد تعدي الحكومة السودانية، والرابط المشترك بين دي كابريو وجايمز وكلوني؛ أنهم جميعًا لا يرون دونالد ترامب مؤهلًا لرئاسة الولايات المتحدة.

وليست فقط القضايا العالمية التي تشكل الوعي السياسي لنجوم المجتمع الأمريكي؛ فنجد مثلًا الممثلة الشهيرة ميريل ستريب أكثر ممثلة رشحت لجائزة الأوسكار في تاريخ السينما الأمريكية، لا تفوت فرصة وإلا تهاجم دونالد ترامب، ودائمًا ما تقول أن رأيها السياسي تجاه ترامب تشكل عندما سخر ترامب من إعاقة واحد من المراسلين الصحفيين في انتخابات عام 2016.

Embed from Getty Images

ميرل ستريب تتقمص شخصية ترامب في مسرحية تسخر من الرئيس الأمريكي

على جانب آخر، ليس كل مؤيدي التيار المحافظ من المشاهير، داعمين لترامب. فالممثلة جينفر لورنس التي حصدت الأوسكار عن دورها في سلسلة الأفلام الأمريكية الشهيرة «The Hunger Games»، والتي تميل لتيار المحافظين، سبق وأن صرحت بأنها وجهت السباب لدونالد ترامب علنًا عندما التقت به صدفة قبيل انتخابات 2016.

وأعلنت قبل أيام قليلة، أنه «بالرغم من أنها كانت تميل طوال حياتها إلى التيار المحافظ الذي يمثله الحزب الجمهوري المنتمي له دونالد ترامب، ومنحت صوتها في انتخابات 2008 للمرشح الجمهوري جون ماكين، إلا أنها لا تدعم دونالد ترامب لأنه يهدد الصورة النمطية الجيدة التي كونتها عن الحزب الجمهوري طيلة حياتها».

لكن.. هل يؤثر تأييد المشاهير في نتيجة الانتخابات الأمريكية؟

عندما أعلنت هيلاري كلينتون السباق الرئاسي لانتخابات أمريكا الرئاسية عام 2008؛ توقع الجميع أن أوبرا وينفري، المذيعة وسيدة الأعمال الشهيرة، وأحد أشهر الشخصيات في المجتمع الأمريكي، والتي تمتلك مسيرة طويلة من دعم وتمكين السيدات ليس فقط في أمريكا بل في العالم كله؛ سوف تكون من أول المؤيدين والداعمين لهيلاري. لكن أوبرا فاجأت الجميع بإعلان دعمها والتفرغ التام للترويج لحملة السيناتور الأمريكي باراك أوباما الرئاسية في الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشح الحزب الديمقراطي.

وأثبتت الأبحاث التي قام بها مجموعة من الباحثين في جامعة ميرلاند الأمريكية  أن دعم أوبرا لباراك أوباما منحه 5% من مجمل الأصوات التي حصدها في الانتخابات التمهيدية، أي حوالي مليون شخص، وساهم في الفارق الصغير الذي حسم أوباما به سباق الانتخابات التمهيدية ضد هيلاري كلينتون.

Embed from Getty Images
أوبرا تعانق باراك أوباما 

في عام 2016 نظم مجموعة من الفنانين في الولايات المتحدة حملة بعنوان «Save the Day. Vote»، ونشرت الحملة فيديو دعائيًا يضم نخبة من الفنانين كان من ضمنهم أبطال سلسلة «Avengers» روبرت داوني جونيور ومارك روفالو، فضلًا عن الممثلة الشهيرة سكارليت جوهانسون والكوميديان نيل باتريك هاريس، وعلى الرغم من أن الفيديو كان يبدو في البداية دعوة عامة للمشاركة في الانتخابات؛ إلا أنه أيضًا تضمن رسائل صريحة بعدم التصويت لدونالد ترامب.

وفي الوقت نفسه، حشدت هيلاري كلينتون عددًا ضخمًا من الفنانين والفنانات للترويج لحملتها الانتخابية ضد دونالد ترامب، من خلال الظهور في مؤتمراتها الانتخابية، أو من خلال التغريد بدعم هيلاري على موقع «تويتر»؛ وضمت قائمة داعمي هيلاري كلينتون من المشاهير عددًا ضخمًا من الشخصيات العامة مثل ليبرون جيمس والمغنية الشهيرة كاتي بيري، بالإضافة أيضًا إلى أوبرا وينفري. ولكن النتيجة كانت أن هيلاري كلينتون خسرت الانتخابات الرئاسية وأصبح دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة؛ فكيف اختلفت انتخابات 2016 عن انتخابات 2008؟

للإجابة عن هذا السؤال أولًا؛ يجب أن نعود إلى ما أثبتته الدراسات والأبحاث حول الأمر؛ ففي يونيو (حزيران) من العام الماضي نشرت الصحيفة الأمريكية «ذا هيل» نتائج استطلاع رأي، نفذته الصحيفة كي تبحث عن قدرة تأييد المشاهير في التأثير  في نتائج الانتخابات؛ وجاءت النتائج  صادمة!

قال 65% من المشاركين إن تأييد المشاهير لمرشح لا يؤثر في قرارهم الانتخابي سواء بالتأييد أو بالدعم، بينما قال 24% أن تأييد بعض المشاهير لمرشح بعينه قد يجعلهم يفقدون الاهتمام به ومن ثم التصويت لمنافسه، وقال 11% فقط أن تأييد شخصية مشهورة لمرشح يجعلهم يصوتون له.

ومن الولايات المتحدة إلى قارة أوروبا، تحديدًا إلى بريطانيا، أظهر نتيجة أحد استطلاعات الرأي أن 64% من المشاركين لا يعنيهم تأييد شخص مشهور لمرشح ما، وقال 25% أن تأييد مشاهير لمرشح بعينه قد يشكل تأثيرًا سلبيًا على قرارهم، بينما رأى 5% فقط أن ذلك قد يمنحهم الثقة في المرشح الذي يؤيده شخصيات مشهورة.

لذلك فنحن يمكن أن نخرج بإجابة واضحة؛ لم يكن هناك فرق بين انتخابات 2008 وانتخابات 2016، بل يتضح من النتائج التي تقدمها الدراسات البحثية، أن الغالبية العظمى من الشعب لا يحسمون قرارهم بالتصويت لمرشح بعينه بسبب التأييد الذي يتمتع به من قبل الشخصيات المشهورة، لأن الناخبين في المجتمعات الديمقراطية يختارون مرشحيهم بناءً على عوامل كثيرة متباينة، وليس كل المشاهير يتمتعون بدرجة الثقة والحب نفسها عند كافة الناخبين.

أما في حالة أوبرا وينفري وباراك أوباما في انتخابات 2008؛ فقد ذكرنا من قبل أن أوبرا لم تكتف فقط بإعلان تأييدها لباراك أوباما، بل كرست كل جهودها للترويج لحملته الانتخابية؛ ويجب الإشارة إلى أن أوبرا وينفري واحدة من أهم صناع الإعلام في الولايات المتحدة في العقدين الآخرين، وأمر الدعاية والترويج هو شيء تفعله كل صباح منذ حوالي 20 عامًا.

ولكونها أيضًا من أصحاب البشرة السوداء؛ فهي تمتع بشهرة عالية وتأييد من معظم طبقات المجتمع الأمريكي ذي الأصول الأفريقية، وهو ما أعطى دافعًا مهمًا لباراك أوباما، الذي أصبح فيما بعد أول رئيس أمريكي في تاريخ الولايات المتحدة من أصول أفريقية.

دولي

منذ شهر
«البيت الأبيض لي».. ماذا سيحصل لو رفض ترامب تسليم السلطة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد