مثلما أطاحت الشعبوية إرادة النخب السياسية في 23 يونيو (حزيران)، حينما تم التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ها هي تفعلها من جديد وتجلب السيد ترامب إلى سدة حكم القوة العظمى الأولى عالميًّا، في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.

تشابه كبير في المشهدين. ترقب وقلق من تأثير الخروج البريطاني في العلاقات الاقتصادية بين الدولة العجوز، والاتحاد الأوروبي. وإعادة حسابات وانتباه شديد من قبل الاقتصادات العالمية لانتقال ترامب للبيت الأبيض. اقتصاديات المنطقة العربية وخصوصًا الخليجية منها هي الأكثر تأثرًا بالتوجهات الاقتصادية للرئيس الأمريكي الجديد؛ نظرًا لانخراطها واعتمادها على تحركات واتجاهات الاقتصاد العالمي.

بحلول الأيام الأخيرة من شهر يناير (كانون الثاني) المقبل، ربما سيطبق الساكن الجديد للبيت الأبيض على كافة مفاتيح السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، والخبر غير السار وفقًا لتوجهاته الاقتصادية التي أعلن عنها خلال حملته الانتخابية وخطاباته في الفترة القصيرة بعد إعلان فوزه، هو هيمنة الجمهوريين للمشرع الأمريكي «الكونجرس»، ومن ثم فالرجل يملك تغييرًا جذريًّا وعميقًا لأسس وتابوهات التعامل الأمريكي مع الاقتصاد العالمي.

 

«جانيت يلين» تفعلها قريبًا

يقول مارك زاندي كبير الاقتصاديين لدى وكالة موديز: «مع انتخاب رئيس أمريكي جديد يتبنى سياسات اقتصادية مختلفة، وسياسة مالية توسعية، مع تمويل للعجز، وخفض للضرائب، فإن آفاق ارتفاع الفائدة بوتيرة أسرع في أمريكا باتت قوية، هذا الأمر سيضغط على الاقتصادات التي تربط عملتها بالدولار»، ويعني حديثه أنَّ منطقة الخليج قد تواجه ضغوطًا في الأشهر المقبلة بسبب انتخاب ترامب لارتباط عملاتها بالدولار.

 

وتشير كافة الدلائل إلى أن السيدة «جانيت يلين» رئيس الاحتياطي الفيدرالي -يقابل البنك المركزي- في طريقها إلى رفع أسعار الفائدة الأمريكية في قادم الأيام بفعل الإجراءات التي ينوي الرئيس الأمريكي الجديد تطبيقها، والتي بدأت بشائرها في الظهور على الفور، فوفقًا لصحيفة نيويورك تايمز فإن رئيس مجلس النواب الأمريكي «بول رايان» يوافق على خطة خفض الضرائب التي وعد بها السيد ترامب قبيل انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، وهي فرض ضرائب لا تزيد على 15% من أرباح أية شركة أمريكية، مقارنة بالحد الأقصى الحالي الذي يبلغ 35%، كما وعد بمنح المستثمرين المزيد من الإعفاءات الضريبية، بالإضافة إلى فرض الحماية على الصناعة الوطنية، وإيقاف تدفق السلع الصينية والهندية الرديئة. هذه الإجراءات التي سيعمل على تنفيذها الرئيس الجديد؛ ستعمل على إنعاش الاستثمار المحلي الأمريكي، ومن ثم انعكاس هذا الانتعاش على قطاع الوظائف، وكذلك على ارتفاع معدلات التضخم، وهو ما يؤهل الأجواء لرفع أسعار الفائدة.

ورفع أسعار الفائدة الأمريكية له تأثير سلبي في أسواق النقد الخليجية. فالعملات الخليجية مربوطة بالدولار، ويؤدي رفع أسعار الفائدة في أمريكا إلى عزوف المستثمرين والمضاربين عن العملات المحلية والذهاب للدولار؛ للاستفادة من رفع أسعار الفائدة، وهو ما يشكل ضغطًا على هذه العملات.

ونتيجة للإقبال على العملة الأمريكية، ترتفع قيمتها، ومن ثم ترتفع قيمة العملات الخليجية أيضًا لارتباطها بالدولار، وهو ما يضر بصادرات هذه البلاد؛ لأنها تصبح أقل تنافسية من صادرات الدول الأخرى.

ومن المتوقع بعد رفع أسعار الفائدة الأمريكية، أن تقوم معظم البنوك المركزية العربية برفع أسعار الفائدة هي الأخرى، وهو ما يزيد من تكلفة الاقتراض لدى المؤسسات والشركات العاملة في بلدان هذه البنوك، ما يؤدي إلى تقليص حجم الاستثمارات، ومن ثم إلى ارتفاع معدلات البطالة في هذه البلاد.

النفط وقلب الموازين العالمية

إنتاج المزيد من الطاقة الأمريكية هو جزء أساسي من خطتي لجعل أمريكا غنية مرة أخرى –وخاصة للأمريكيين الأشد فقرًا- أمريكا تجلس على كنز من الطاقة غير المستغلة، 50 تريليون دولار من الطاقة الصخرية، واحتياطات النفط والغاز الطبيعي في الأراضي الاتحادية، بالإضافة إلى مئات السنين من احتياطات طاقة الفحم. أنا ذاهب إلى رفع القيود المفروضة على الطاقة الأمريكية، والسماح لهذه الثروة بأن تصب في مجتمعنا. *دونالد ترامب متحدثًا في تجمع انتخابي يضم العديد من ممثلي مؤسسات، ومنظمات، وجمعيات الطاقة الأمريكية في مدينة بيتسبيرغ بولاية بنسلفانيا، في 22 سبتمبر (أيلول) الماضي.

هكذا بشكل واضح وصريح، يعلنها الرجل بدعمه الكامل لقطاع الطاقة في الولايات المتحدة. توجه إستراتيجي مغاير تمامًا لما كانت ستنتهجه منافسته هيلاري كلينتون. الأسواق الأمريكية أبدت تفاعلها على الفور بعد الإعلان عن فوز ترامب، ففي اليوم الثاني للإعلان، في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) قفز سعر سهم شركة بيبودي للطاقة، وهي شركة فحم تحاول الخروج من نفق الإفلاس منذ فترة، قفز بنسبة 50%.

وتأكيدًا لعزم السيد ترامب في هذا الإطار الفترة المقبلة، فقد قام بتعيين هارولد هام مستشارًا للطاقة، وهو صاحب شركة من أكبر شركات النفط الصخري في الولايات المتحدة.

تستورد الولايات المتحدة حوالي 7.5 مليون برميل للنفط يوميًّا، وتأتي معظم هذه الواردات من الدول العربية. وتعني إستراتيجية الرجل الأشقر التي ستشكل صدمة لأسواق الدول المنتجة للبترول، أن الولايات المتحدة سوف تزيد من إنتاجها النفطي على حساب الحصة السوقية المستوردة، وبمرور وقت ليس بطويل، سوف تكتفي الولايات المتحدة من النفط، وتتوقف عن الاستيراد من الخارج.

من شمال ولاية داكوتا، أحد معاقل الطاقة الواعدة في الولايات المتحدة، تحدث ترامب في 26 مايو (أيار) 2016، قائلًا:

«تحت رئاستي سنحقق الاستقلال في مجال الطاقة الأمريكية بشكل كامل. تخيل عالمًا يحتوي على أعدائنا وعصابات النفط، لم يعودوا قادرين على استخدام الطاقة كسلاح».

ويبدو أن الساسة السعوديين  كانوا يدركون جيدًا أن وصول ترامب لرئاسة الولايات المتحدة يعني الكثير من المتاعب للمملكة، لذا لم يكن من المستغرب أن تتردد الكثير من الأخبار حول دعم السعودية لمرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، وهناك من أشار إلى أن المملكة قد ساهمت في تمويل حملة كلينتون بنسبة 20%، أي ما يزيد عن 42 مليون دولار.

 

ضاعت الملايين وخسرت هيلاري، وفاز ترامب، ودنت المخاوف من التجسد واقعًا فعليًّا على الأرض. على الدول المنتجة للنفط، وخاصة الخليجية منها أن تكيف أوضاعها على سنوات قادمة تكون فيها أسعار النفط متدنية للغاية، حيث انسحاب المستهلك الأول للنفط -الولايات المتحدة- من حصة الدول المستوردة للنفط كمرحلة أولى، لتأتي المرحلة الأخطر، وهي منافستها للدول المنتجة للنفط باعتبارها دولة مصدرة للنفط.

ومن ثم على الاقتصادات المعتمدة على النفط بشكلٍ رئيسي، كأغلبية الدول العربية النفطية، الجزائر، والدول الخليجية أن تنوع اقتصاداتها على الفور؛ لأنه يبدو أن عصر الوفرة والرخاء النفطي قد اقترب من الأفول، وإلا فسوف تجد هذه البلاد نفسها قريبًا في مأزقٍ حقيقيّ.

مقصلة الاتفاقيات التجارية

لم تكن السياسات التجارية للولايات المتحدة مع دول العالم بمنأى عن التغيرات الجذرية التي يسعى لها ترامب. لطالما كان ينعتها بالفاشلة التي لا تحقق المصالح الأمريكية. فالرجل يريد مراجعة كافة الاتفاقيات التجارية التي أبرمتها الولايات المتحدة سواء قديمًا أو حديثًا، وإلغاء أو تعديل ما يراه لا يصب في مصلحة الأمريكيين. وعلى رأس هذه الاتفاقيات اتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة «النافتا»، واتفاقية التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ.

وفي 14 ديسمبر (كانون الأول) عام 2004، وقَّعت مصر مع الولايات المتحدة وإسرائيل اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة «الكويز»، وتنص الاتفاقية على فتح الأسواق الأمريكية للمنتجات المصرية المصنعة في المناطق الصناعية المؤهلة دون تحديد حصص، أو فرض رسوم جمركية، بشرط أن تتضمن هذه المنتجات مدخلات إنتاج إسرائيلية بنسبة 10.5%. وبلغت قيمة صادرات المناطق الصناعية المؤهلة للولايات المتحدة في العام 2013 حوالي 824 مليون دولار.

ومن المحتمل أن تقع اتفاقية الكويز تحت مقصلة التعديلات أو الإلغاءات الترامبية، التي سوف تقوم بها وزارة التجارة الأمريكية في عهده. وهو ما يُفقد جزء ليس بقليل من إجمالي الصادرات المصرية للخارج ميزةً تنافسيةً، وهي الإعفاء الجمركي على الصادرات المصرية إلى الأسواق الأمريكية.

وإذا ما تم إلغاء أو تعديل هذه الاتفاقية، فمن المحتمل أن يساهم ذلك في تفاقم عجز الميزان التجاري المصري، بما له من آثار ضارة على الاقتصاد المصري.

وعن احتمالية تعديل أو إلغاء اتفاقية الكويز، وطبيعة العلاقات التجارية عمومًا بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية في ظل تولي ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، قال محمد قاسم رئيس المجلس التصديري للملابس الجاهزة، وأحد رجال اتفاقية الكويز، إنه من الصعب التحديد الآن، ولا بد من الانتظار حتى يتم توليه المنصب بشكل رسمي، وتصدر بيانات رسمية توضح ملامح سياسته الاقتصادية.

وما ينطبق على مصر بخصوص اتفاقية الكويز، ينطبق على الأردن أيضًا لأنها قامت بتوقيع اتفاقية مشابهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما أن هناك العديد من اتفاقيات التجارة الحرة بين الولايات المتحدة، وعدد من الدول العربية، والجميع مهدد بالمراجعة أو الإلغاء، فالرجل أتى باعتقاد راسخ أن الولايات المتحدة تقدم تنازلات لصالح الشعوب الأخرى على حساب الشعب الأمريكي، ومن ثم فعليه أن يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.

قديمًا كانت تأتينا مساعدات أمريكية!

يتلقى عدد من الدول العربية مساعدات مالية وعسكرية من الولايات المتحدة سنويًّا. وهو ما يدعم اقتصاديات هذه الدول ولو جزئيًّا، وإن كانت الولايات المتحدة تهدف من ورائها إلى تحقيق مصالح غير مباشرة لها.

وفي تقرير رسمي أصدرته الخارجية الأمريكية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، حول ميزانية المساعدات الخارجية الأمريكية للدول العربية خلال عام 2014، أظهر أن مصر تعتبر الأولى عربيًّا؛ حيث حصلت على مساعدات عسكرية أمريكية بلغت 1.3 مليار دولار، وأتت كل من الأردن والعراق في المرتبة الثانية بمساعدات وصلت إلى 300 مليون دولار لكل دولة منهما، وجاءت لبنان في المرتبة الثالثة بـ 75 مليون دولار، يليها في المركز الرابع كل من تونس واليمن بـ 20 مليون دولار لكل دولة منهما،  وجاءت البحرين في المركز الخامس بمساعدات تقدر بـ 10 ملايين دولار، ثم عمان سادسة بـثمانية ملايين دولار، والمغرب سابعًا بـ7 ملايين دولار.

يصل حجم المساعدات العسكرية الأمريكية للدول العربية التسعة إلى ما يجاوز ملياري دولار.

وفي ظل السياسة الجديدة للسيد ترامب، فهو يبدي اهتمامًا أقل بمسألة إنفاق الولايات المتحدة من أجل تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، أو مصطلحات مثل «تعزيز الأمن القومي للولايات المتحدة» من خلال المساعدات الأمريكية لتمتد إلى معظم بقاع العالم. فالرجل يتبع سياسة مغايرة تعتمد على تقوية الداخل الأمريكي في المقام الأول، واهتمام أقل بالشئون الداخلية للدول الأخرى.

بناء على ذلك فمن المتوقع أن تنخفض حجم المساعدات الأمريكية للدول العربية خلال فترة تولي ترامب زمام الأمور داخل البيت الأبيض.

 

والمزيد من السدود

ومن المنتظر أن ينتهج الرجل سياسة حمائية متطرفة لدخول البضائع إلى الولايات المتحدة، وسيعمل على منع البضائع الرديئة من الوصول للأسواق الأمريكية.

وفي العام 2014، بلغ حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والدول العربية نحو 160 مليار دولار، تتضمن صادرات من الولايات المتحدة إلى 22 دولة عربية بمقدار 71.4 مليار دولار، أي بنسبة 4.4% من حجم الصادرات الأمريكية لدول العالم. وتمثل واردات الولايات المتحدة من 22 دولة عربية حوالي 88.2 مليار دولار، تمثل نحو 3.7% من حجم الواردات الكلية للولايات المتحدة، ومعظم هذه الواردات من النفط والغاز.

فيما يخص الواردات النفطية الأمريكية من الدول العربية، فقد أوضحنا في ثنايا الحديث أنها في طريقها إلى التقلص حتى تصل إلى الصفر.

أما عن الواردات من السلع غير النفطية، فمن المحتمل أن ينخفض حجمها إلى الولايات المتحدة خلال تولي الرئيس الجديد مقاليد الحكم. فهناك العديد من الاقتصاديين يتنبؤون بدخول الاقتصاد العالمي فترة جديدة من الركود، وانخفاض حجم التبادل التجاري العالمي، ونشوب العديد من الحروب التجارية إذا ما قام السيد ترامب بتنفيذ الإجراءات الحمائية التي تعهد بها مرارًا وتكرارًا.

من أجل ذلك ينبغي على الدول العربية أن تبحث عن أسواق جديدة لتصريف صادراتها من خلالها، إذا ما تم إغلاق الحدود الأمريكية في وجه بعض من هذه الصادرات.

يتبين من العرض السابق إن العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية، والولايات المتحدة في عهد الرئيس الجديد دونالد ترامب لن تكون كسابقتها. خريفٌ منتظر في هذه العلاقات يصل حد التوتر. تغييرات جذرية على الأبواب ستضعف كثيرًا بعض هذه الاقتصادات، وربما تضعها في أزمات حقيقية. ولن ينجو منها إلا من اتصف بالمرونة والتنوع وسرعة الاستجابة للتغيرات.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد