تجذب الكثير من المنظمات الخيرية حول العالم المتبرعين إليها، عن طريق الإعلانات التي تطلب منهم فيها زيارة خزانة ملابسهم وإخراج ما لا يحتاجونه والتبرع به؛ من أجل الكثير من الفقراء الذين لا يجدون ما يكسو أجسادهم، ويثير هذا الخطاب عواطف الكثيرين من أصحاب النوايا الحسنة، فيتبرعون بما لديهم من ملابس تفيض عن حاجتهم.

لكن على الجانب الآخر لا تسير الأمور مثلما يُتوقع؛ فالكثير من الملابس المُتبرع بها لا يكون مصيرها إلى الفقراء بلا مقابل، لكنها تشكل تجارة ضخمة في الدول الفقيرة، وصلت إلى حد التأثير على اقتصاد صناعة الملابس بها ومن ثم الدعوة لحظرها، وهو ما سنبحث وراءه في السطور التالية.

أطنان الملابس وملايين الدولارات.. الأرقام تفوق التوقعات

قبل أن ننطلق في عرض الأرقام والتفاصيل الاقتصادية البحتة، لا بد لنا من الرجوع للجذور حتى نفهم حقيقة الظاهرة، فمع تزايد سرعة إيقاع الحياة وعصريتها يزداد عدد الأزياء الجديدة التي تظهر في الأسواق سنويًا، وهو ما أدى بالكثيرين للوقوع في إدمان شراء الملابس وارتبط ذلك نفسيًا بالشعور بالرضا، وفي سبيل الوصول لمعلومات مفصلة عما يحدث في أرض الواقع أجرت مؤسسة «برناردو» الخيرية البريطانية مسحًا شمل 1500 امرأة فوق سن 16 عامًا، وجدوا فيه أن الغالبية منهن يرتدين ملابسهن سبع مرات في المتوسط، بينما اعتبرت 33% منهن الملابس قديمة بعد ارتدائها أقل من ثلاث مرات.

وفي أمريكا على سبيل المثال يشتري المواطنون خمسة أضعاف الملابس التي كانوا يشترونها في الثمانينات؛ ونظرًا لشيوع ثقافة الخجل من أن يرانا أحد في نفس الزي أكثر من مرة تضاعفت كمية الملابس التي تتلقاها المؤسسات الخيرية، لكن الأزمة تتمثل في أن الكثير من المتبرعين لا يعلمون أن أغلبية ما يتبرعون به يذهب للخارج من أجل الربح.

سوق جيكومبا لبيع الملابس المستعملة في كينيا- المصدر:الجارديان

ينعكس ذلك على ازدهار تجارة الملابس المستعملة في العالم والتي تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في المركز الأول على قائمة الدول المُصدرة فيها، إذا يتبرع الأمريكيون بحوالي 4.7 مليار رطل من الملابس سنويًا، وبعد أمريكا تأتي بريطانيا التي صدرت 351 ألف طن ملابس مستعملة عام 2013، أي ما تعادل قيمته 600 مليون دولار، وكانت أهم البلدان المستوردة غانا وباكستان وأوكرانيا، بينما في كندا بلغت قيمة الملابس المستعملة المصدرة قرابة 133 مليون دولار أمريكي، وبشكل وصل حجم تجارة الملابس المستعملة في العالم إلى حوالي أربعة مليارات دولار.

وتستورد كينيا وحدها ما يقرب من 100 ألف طن سنويًا من الملابس والأحذية المستعملة، بلغ قيمة المستورد منها من كندا عام 2017 ما يقرب من 21 مليون دولار، ووفقًا لمنظمة «أوكسفام» الخيرية البريطانية فإن أكثر من 70% من الملابس المتبرع بها في العالم ينتهي المطاف بها في دول أفريقيا الفقيرة.

تمر هذه التجارة بعدة حلقات تبدأ عند الجمعيات الخيرية الغربية التي تفرز الملابس المتبرع بها؛ من أجل إخراج الملابس التي ستذهب للتجار وفي العادة تكون نسبتها في المتوسط 80%، وتأتي بعد ذلك مهمة التجار في تصنيف هذه الملابس حسب النوع والحالة وتجميعها في عبوات بلاستيكية يُطلق عليها بالات، تٌشحن في حاويات كبيرة تُشترى بالطن، يشتريها كبار تجار الجملة تمهيدًا لبيعها إلى تجار الجملة المتوسطين، الذين يأخذ منهم بائعو التجزئة بضاعتهم لطرحها في أسواق الملابس المستعملة.

عقلك يسرقك دون أن تشعر.. لماذا نشتري ما لا نحتاجه ونستمتع بالتسوق دون هدف؟

هل تخضع الجمعيات الخيرية الغربية لشفافية كافية؟

يومًا بعد يوم يزداد حجم اقتصاد الملابس المستعملة، ويرتفع معه حجم العائد المادي للجمعيات الخيرية غير الهادفة للربح التي تجمع الملابس المتبرع بها، لكن من الناحية الأخرى أين تذهب كل هذه الأموال؟ ذلك هو السؤال الأهم، الذي وجه بالفعل إلى القائمين على مؤسسة «D.A.R.E. Massachusetts» الخيرية الأمريكية، لكنهم رفضوا الإفصاح عن النسبة المئوية التي يأخذونها، بينما أفصحت الشركة القائمة على إدارة صناديق الملابس المتبرع بها إلى الصليب الأحمر الأمريكي في خليج ماساتشوستس عن أنها تعطي الصليب الأحمر خمسة سنتات مقابل كل رطل تحصل عليه.

إحدى صناديق جمع الملابس المستعملة  في كندا- المصدر موقع CBC News

وبما أن معظم الملابس المستعملة تذهب إلى أفريقيا حرصنا على التحقق من الشفافية في منظمة «Planet Aid» الخيرية الأمريكية، التي تؤكد على أنها توظف العائد من بيعها للملابس في دعم البرامج الخيرية هناك، فكانت المفاجأة أن «المعهد الأمريكي للعمل الخيري» انتقد المنظمة بسبب إنفاقها جزءًا صغيرًا من العائدات على البرامج التي تدعي تنفيذها، وهو ما برره المسؤولون فيها أنه يرجع لإنفاقهم الكثير على إدارة عمليات الجمع والفرز والبيع.

لكن الأوراق الرسمية لا تجامل أحدًا فقد أثبت الإقرار الضريبي لمنظمة «Planet Aid» غير الهادفة للربح عام 2011، أن 28% فقط من إجمالي إنفاقها البالغ 36.5 مليون دولار أمريكي ذهب إلى برامج المساعدات الدولية، بينما ذهب الجزء الأكبر لجمع ومعالجة الملابس المستعملة، وفي نفس العام وصل حجم مبيعات هذه الملابس إلى 31.4 مليون دولار.

وتنتشر مشكلة انخفاض مستوى الشفافية في العديد من المؤسسات الخيرية الأخرى، ومنها «الجمعية الكندية لمرضى السكري»، التي تجمع الملابس وتبيعها إلى الشركات العاملة في تصديرها إلى الخارج، لكن السعر الذي تبيع به والأرباح التي تجنيها أرقام غير متاحة للجمهور.

وقد قدر «مجلس إعادة تدوير المنسوجات الأمريكي» وهو هيئة غير هادفة للربح أن 85% من المنسوجات تُصدر إلى خارج أمريكا بدلًا من أن يُعاد استخدامها، وهو ما دفعه إلى مطالبة المنظمات التي تنشر صناديق تجميع الملابس، أن تذكر بوضوح الأماكن التي ستذهب إليها الملابس المتبرع بها.

صناعة النسيج في أفريقيا الخاسر الأكبر

«النوايا الحسنة وحدها لا تكفي»، من الممكن أن تنطبق هذه المقولة على تأثير تجارة الملابس المستعملة على صناعة النسيج في الدول الأفريقية النامية، وحتى نفهم الصورة الكاملة سنعود إلى فترة ما بعد انتهاء الاستعمار عندما كانت خطة تلك الدول للنهوض الاقتصادي تقوم على إنتاج سلعهم الأساسية من ملابس وغيرها من السلع، مثلما حدث في الصين وكوريا الجنوبية، لكن في حقيقة الأمر انخفض حجم صناعة الملابس وفي المقابل زادت واردات الملابس المستعملة، لماذا؟

ذلك أن الزعماء الأفارقة اضطروا لتحرير اقتصاداتهم تحت ضغوط سياسية من البنوك والحكومات الغربية، الذين كانوا قد أقرضوهم الأموال التي تراكمت فوائدها حتى بلغت مبالغ ضخمة، فكان الإصلاح الاقتصادي من وجهة النظر الليبرالية يقتضي بإزالة الحواجز أمام التجارة الواردة من الخارج، والتي كانت تحمي المصانع المحلية، وبمجرد إزالة هذه الحواجز حدث انهيار شامل في قطاع صناعة الملابس في أفريقيا، وفقد الكثير من عمال مصانع الملابس وظائفهم، وفي الوقت نفسه أدت أزمات الديون وتراجع أسعار المنتجات الزراعية مثل القطن، إلى انخفاض الدخل في قارة أفريقيا.

ومن آثار الانهيار الاقتصادي البائسة أن مزارعي القطن وعاملي مصانع الملابس في بلد مثل زامبيا أصبحوا اليوم فقراء، لدرجة أنهم لا يستطيعون شراء سوى الملابس المستعملة المستوردة، بينما كانوا قبل 40 سنة قادرين على شراء الملابس الجديدة المُصنعة محليًا.

يؤكد راجيف أرورا المدير التنفيذي لـ«اتحاد صناعة القطن والنسيج الأفريقي» أن 85% من مصانع النسيج في كينيا أغلقت منذ أوائل التسعينات، ووفقًا للإحصاءات المحلية هناك فقد كان يعمل في صناعة النسيج عام 1980 حوالي 500 ألف شخص، واليوم انخفض هذا الرقم بنسبة أكثر من 96% ليصل إلى قرابة 20 ألف شخص وما زال الانخفاض مستمرًا.

العاملون في سوق جيكومبا بكينيا- المصدر: موقع Kiva

ويُمثل سوق جيكومبا في العاصمة الكينية نيروبي النقطة الأساسية لبيع الملابس المستعملة، فمنه تُوزع إلى أنحاء البلاد، وتنتشر بين ممرات السوق الموحلة والضيقة الأكشاك الخشبية المتهالكة، التي تحوي أكوامًا عملاقة من الملابس المستعملة الواردة من دول غربية عديدة، أهمها أمريكا وبريطانيا وكندا، وفي العادة يضطر المشترون للبحث في قاع الكومة؛ إذ يفضل التجار عدم عرض الملابس المميزة في الأعلى.

الدعوات إلى الحظر تتزايد

أعلنت دول مجموعة شرق أفريقيا الست «EAC» في يناير (كانون الثاني) عام 2018، عن نيتها حظر استيراد الملابس المستعملة من دول عديدة أشهرها المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وذلك بحلول عام 2019؛ وكان السبب الرئيسي أن تلك الملابس رخيصة جدًا بشكل يجعل من المستحيل على مصانع المنسوجات المحلية أن تنافس في السوق، وتمثل رد أمريكا في أنها ستراجع علاقاتها التجارية مع رواندا وأوغندا وتنزانيا؛ بحجة أن الحظر يضع اقتصاد صناعة الملابس المستعملة الأمريكي في مأزق كبير.

ولم يتأخر التراجع الأفريقي كثيرًا ففي فبراير (شباط) 2018، وافق قادة الدول التي دعت للحظر على الاستجابة لضغوط واشنطن، وأعلنوا أنهم لن يحظروا استيراد الملابس المستعملة بشكل مباشر، وإنما سيفرضون المزيد من الضرائب عليها، إلى جانب استثمار المزيد من الأموال في صناعة النسيج المحلية.

حدث ذلك بالفعل في رواندا التي فرضت ضرائب بلغت قيمتها خمسة دولارات للكيلو جرام الواحد من الملابس المستعملة المستوردة في عام 2018، بعدما كانت قبل عامين لا تتجاوز 0.20 دولار لكل كيلو جرام، وأكد وزير المالية الرواندي كلافر جاديت أن هذه الضرائب ستزداد كوسيلة لدعم المنتجات والصناعات المحلية الصنع.

فرز الملابس المستعملة في بريطانيا قبل تصديرها- المصدر: موقع BBC

وتقع صعوبة الحظر المفاجئ على الجهتين سواء الدولة المستوردة أو المُصدرة، ففي أمريكا ستكون هناك 40 ألف وظيفة في خطر إذا ما دخل قرار الحظر حيز التنفيذ، بالإضافة إلى أن قانون «أغوا» التجاري الذي وقعته عدة بلدان أفريقية ينص على أنه يجب على هذه البلدان إزالة الحواجز أمام التجارة الأمريكية.

من جهة أخرى سيدمر الحظر الكثير من مصادر دخل الأفارقة الذي يعتمدون على تجارة الملابس لكسب قوتهم، ويوضح ذلك أحد التجار في سوق جيكومبا الكيني بنيروبي بقوله إنه يوظف لديه 15 شخصًا من العمال الذين يعرضون الملابس، يخشى أن يُتركوا دون مصدر دخل في حال تطبيق الحظر؛ لأن ذلك سيجعلهم يتحولون إلى الجريمة مما يساهم في جعل نيروبي مدينة غير آمنة.

توافق على هذا الرأي بيتي ماينا الرئيسة السابقة لـ«جمعية صانعي الأزياء» في كينيا، التي ترى أنه من الخطر حظر تجارة الملابس المستعملة دون وجود خطة لتوفير فرص وظيفية بديلة للعاملين بها، وتؤكد أنه من الممكن تنمية صناعة النسيج المحلية دون التأثير على دخل أشخاص هم في أمس الحاجة إليه.

ويبدو أن حل رفع الضرائب أتى بثماره في رواندا فمنذ تطبيق الضريبة الجديدة عام 2018، أصبحت حركة البيع في أسواق الملابس المستعملة بطيئة، لأن أسعارها أصبحت باهظة، بعدما تضاعفت قيمتها مرتين أو ثلاث مرات على الأقل.

مترجم: ملابس «البراندات» تكلفك أكثر مما تدفعه.. تعرف على رحلة صناعتها

المصادر

تحميل المزيد