تبدو تداعيات الأزمة في أوكرنيا تتلاحق بشكل متسارع، فالاستفتاء الذي أُجريَ في نهاية الشهر الماضي وتم التصويت فيه بأغلبية كبيرة لصالح انفصال القرم عن أوكرانيا، وما يتبع ذلك من إجراءات لضمها إلى روسيا ليست نهاية المطاف، فالمواطنون الموالون لروسيا يواصلون احتجاجاتهم في المناطق الشرقية والجنوبية من البلاد مطالبين بحق تقرير المصير أسوة بما حدث في القرم ويطالبون روسيا بالتدخل العسكرى لحماية مصالحهم.

(1) ما حقيقة وحجم التظاهرات في ولايات الجنوب والشرق؟

التطورات تتركز بشكل كبير في ثلاث ولايات هي خاركوف ودونيتيسك ولوجانيسك، ففي دونيتسك أعلن محتجون يحتلون مبني الإدارة المحلية منذ يومين تأسيس جمهورية دونتيسك الشعبية بعد رفع العلم الروسي على المبنى.

وأيد ذلك نواب مجلس الإقليم في جلسة استثنائية عقدوها، وطالبوا فيها أيضًا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإرسال كتيبة مؤقتة لحفظ السلام، في حال نفذت السلطات – التي وصفوها بغير الشرعية – في كييف تحركًا عدوانيًّا ضدها.

من جانبها أفادت وكالة أنباء «إنترفاكس» الروسية بأن المتظاهرين قرروا تنظيم استفتاء حول سيادة الإقليم قبل 11 مايو المقبل، أسوة بما حصل في شبه جزيرة القرم في 16 مارس الماضي تمهيدًا لانفصالها عن أوكرانيا، فيما ذكرت مواقع أوكرانية أن شخصيات بارزة فى الولاية تجهز طلبًا بالانضمام إلى الاتحاد الروسي.

وقدرت بي بي سي أعداد المتظاهرين بـ50 ألف متظاهر، الذين رددوا هتافات على شاكلة “نريد استفتاء، واخرج يا حلف الأطلسي.”

(2) هذا بشأن دونتيسك، ماذا بشأن خاركوف ولوجانيسك؟

أسوة بدونتيسك شرعت خاركوف في اتخاذ خطوات مماثلة، عبر الاستيلاء على مبنى الحكومة وإعلان جمهورية خاركوف الشعبية عبر مكبرات الصوت.

وتم تشكيل مجلس نواب بديل من قبل 136 متطوعًا عقدوا اجتماعهم الأول في مبنى الحكومة، وقالوا إنهم فى طريقهم لتحديد موعد لإجراء استفتاء على الانفصال، وتبدو لوجانيسك في طريقها لاتخاذ خطوة مماثلة.


وأشارت وسائل إعلام في خاركوف إلى أن المشاركين اتخذوا قرارًا بالتوجه إلى الرئيس الأوكراني المخلوع فيكتور يانوكوفيتش، وإلى روسيا بطلب ضمان التنفيذ السلمي للاستفتاء في المقاطعة.

(3) ما هي القيمة الفعلية لهذه التحركات؟ وهل يمكن أن نَعُدّ هذه الولايات انفصلت فعليًّا؟

تُصنّف الولايات الشرقية من أوكرانيا عمومًا بكونها روسية الهوى؛ حيث تسكنها أغلبية ذات أصول روسية ربما لا ترضى بشكل كبير عن توجهات الحكومة الجديدة في أوكرانيا والموالية لأوروبا، وهم مدفوعون بنجاح التجربة القرمية – من وجهة نظرهم- في الانفصال والانضمام إلى روسيا.

على أرض الواقع لا تحمل هذه التحركات قيمة قانونية كبيرة، ولكن تبدو الحكومة الأوكرانية قد فقدت السيطرة على مدن الشرق، والمحتجون الموالون لروسيا يعولون بشكل كبير على الدعم الروسي لمطالبهم ربما عبر التدخل العسكري أسوة بما حدث في القرم.

(4) هل تتجه روسيا فعليًّا للتوغل في أوكرانيا ودعم المحتجين الموالين لها لإجراء استفتاءات؟

على مستوى الإمكانية لا تحتاج روسيا إلى الكثير فالقوات الروسية تطوق الشرق والجنوب الأوكرانيين من عدة مواقع مختلفة يمكنك أن تتعرف عليها بالتفصيل من
هنا.

واقعيًّا لا تبدو روسيا حتى الآن راغبة في تحقيق مزيد من التوغل في أوكرانيا أو ضم مزيد من أقاليمها، ربما تكتفي روسيا بتحقيق بعض المكاسب السياسية الأقل شأنًا .

واكتفت روسيا في البيان الذي صدر عن الخارجية الروسية على ضرورة الإصلاح الدستوري في أوكرانيا لتحقيق الاستقرار الدائم للبلاد، وأكدت استعدادها للتعاون مع شركائها الدوليين من أجل الوصول للاستقرار السياسي في أوكرانيا.

كما عرضت روسيا المساعدة  في بدء الحوار الوطني الحقيقي لجميع القوى السياسية والإقليمية في أوكرانيا وأبدت استعدادها  للمشاركة في الجهود المناسبة جنبًا إلى جنب مع شركائها الأجانب، وخاصة أولئك الذين شاركوا في التوسط في اتفاق تم التوصل إليه في 21  فبراير برعاية أوروبية يقضي بإجراء انتخابات رئاسية فى مايو، قبل أن ينقلب عليه المحتجون ويطيحوا بيانكوفيتش.


كما فسرت روسيا مفهومها للإصلاح الدستوري بأن تتحول أوكرانيا نحو الفيدرالية، ووضع دستور يضع سلطات أكبر لحكام الولايات وبرلماناتها ضمن إطار حكومة مركزية فيدرالية وليست حكومة قومية، بما يتيح لروسيا قدرًا من مرونة الحركة داخل الولايات التي تقطنها أغلبيات مؤيدة لروسيا كالولايات الثلاث سالفة الذكر.

(5) روسيا استولت على القرم من أجل أسطولها في البحر الأسود، فما الذي يجعلها تهتم بدونيتسك وخاركوف؟

 

header

خريطة أوكرانيا

يمثل السيطرة على دونيتسك سواء عبر الانفصال أو حتى عبر الفيدرالية ضربة موجعة للاقتصاد الأوكراني الذي يعاني بشدة، ومزيدًا من السيطرة الروسية عليه بعد أن أقدمت روسيا خلال الأسبوعين الماضيين على رفع أسعار الغاز الأوكراني بأكثر من 30% بما يمثل عبئًَا كبيرًا على الاقتصاد الأوكراني خاصة وأن أوكرانيا تعتمد في 58% من استهلاكها للغاز على روسيا.

أما مدينة خاركوف فهي ثاني أكبر مدن أوكرانيا من حيث المساحة وعدد السكان – حوالى 1.5 مليون شخص – وهي العاصمة السابقة لأوكرانيا وحاضرتها الثقافية، وتتميز بوجود  أنفاق المترو والتي يعود فن معماريتها إلى أنفاق موسكو، فهي أبرز ملامح هذه المدينة، ومدينة خاركوف هي أكبر مدينة طلابية؛ حيث يوجد فيها أكثر من 40 معهد تعليمي عالٍ.

يذكر أن هذه الولايات تشكل معظم المساحة الحدودية بين روسيا وأوكرانيا أي أنها تشكل العمق الأمني المباشر لروسيا في أوروبا، ويَهُمَ روسيا بشكل كبير ألا يصل نفوذ الناتو وقواعده العسكرية إلى حدودها الغربية.

(6) ماذا عن الولايات المتحدة؟ وما هي فرص التدخل الأمريكي المباشر في أوكرانيا؟

 

موقع أوكرانيا كما وصفها الأمريكيون.. واشنطن بوست

موقع أوكرانيا كما وصفها الأمريكيون.. واشنطن بوست



حسنًا، من المهم أن نتعرف على نتائج هذا المسح الذي نشرته جريدة واشنطن بوست وأجراه 3 خبراء سياسيين من جامعات مختلفة على مختلف أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية على عينة بلغ عددها 2066 مواطنًا أمريكيًّا حول السبل التى يمكن أن تتخذها الإدارة الأمريكية في التعامل مع الأزمة الأوكرانية.

طُلب من المشاركين تحديد موقع أوكرانيا على الخريطة، كجزء من مشروع أكبر لمعرفة المواقف المطلوبة من السياسة الخارجية؛ حيث أراد الباحثون دراسة تأثير المعلومات على حجم تقدير المواقف السياسية فوجدوا أن واحدًا فقط من بين ستة أمريكيين يستطيع تحديد موقع أوكرانيا على الخريطة، وأن هذا النقص في المعرفة يؤثر على خياراتهم السياسية، إذ أنه كلما ابتعدت إجاباتهم جغرافيًّا عن موقع أوكرانيا الحقيقي، ازداد تفضيلهم لتدخل أمريكي عسكري فيها.

ووجد الباحثون أنه على رغم من أن الأمريكيين لم يقرروا بعد ما يجب القيام به في أوكرانيا، فتميل نسبة كبيرة منهم إلى معارضة التدخل العسكري في أوكرانيا، مقابل 13 في المئة يؤيّدون استخدام القوة.

نتائج الدراسة تقول بوضوح أن من يدركون تعقيدات المسألة الأوكرانية يعلمون بوضوح أن الخيارات الأمريكية فيها محدودة للغاية، وأن أي تدخل عسكري سيكون باهظ التكاليف وقليل العوائد خاصة في مواجهة روسيا.

(7) كيف يمكن أن تسير الأمور إذًا؟

حرب التصريحات بين الولايات المتحدة وروسيا تواصل اشتعالها، فمن جانبها
تتهم الولايات المتحدة روسيا بالبحث عن ذريعة من أجل التدخل في أوكرانيا،
في وقت أعلن ديريك شوليه، المكلف بشئون الأمن الدولي في البنتاغون، أن تحركات روسيا في أوروبا وأوراسيا بعد ضمها شبه جزيرة القرم الأوكرانية، قد تؤدي إلى إعادة النظر في الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، لكنه استدرك أن واشنطن «لا تسعى إلى مواجهة» مع موسكو.

وأكد البيت الأبيض وجود أدلة تثبت دفع سكان غير محليين نقودًا لمتظاهرين موالين لروسيا في مقابل زعم الخارجية الروسية انضمام 150 عنصرًا من شركة «غري ستون» الأمريكية الخاصة للأمن ارتدوا زي وحدة «سوكول» الأوكرانية، إلى عملية «مكافحة الإرهاب» التي أطلقتها كييف في شرق أوكرانيا.

ورد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن «الولايات المتحدة تنسب إلى آخرين ما اعتادت تنفيذه في الميدان وسط كييف قبل 5 أشهر»، في إشارة إلى دعمها حركة الاحتجاج المؤيدة لأوروبا التي احتلت هذه الساحة حتى سقوط الرئيس فيكتور يانكوفيتش الموالي لروسيا.

ولم يستبعد رئيس لجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الروسي، فيكتور أوزوروف، أن يأمر الرئيس فلاديمير بوتين بدخول قوات روسية إلى شرق أوكرانيا إذا دعت الحاجة.

تأثير الغاز الروسس على أوكرانيا وأوروبا.. “بيزنيس انسايدر.. تعريب ساسة بوست”


وتبدو الحكومة في أوكرانيا عاجزة عن الدفاع عن أراضيها فى ظل الموقف الأوروبي المتردد تجاه العجرفة الروسية، وربما يلجأ جميع الأطراف فى نهاية إلى الجلوس والتحاور من جديد؛ حيث تسعى روسيا لفرض شرعية جديدة على الأرض تكسبها قوة أثناء عملية التفاوض.

عرض التعليقات
تحميل المزيد