شن البعض من أعضاء الكونجرس مؤخرًا حملة انتقادات بحق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مطالبين ليس فقط بتقليص المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، بل بإلغائها بهدف معاقبة النظام في مصر. وعقب اللقاء الذي جمعني بالسيسي مؤخرًا في القاهرة والتحدث إلى قطاع عريض من المصريين هناك، أدركت لماذا يحظى الرجل بتأييد الغالبية من المصريين. وأعتقد أن قطع المساعدات الخارجية عن مصر في الوقت الراهن سيضر بالعلاقات المصرية الأمريكية من جهة، وسيكتنفه تداعيات خطيرة على الأوضاع في الشرق الأوسط من جهة أخرى.

وبالعودة قليلًا إلى الوراء، يكشف لنا التاريخ عن طبيعة تلك التداعيات. ففي عام 1955 وفي أعقاب ثورة يوليو 1952, كانت الولايات المتحدة قد وافقت على إمداد مصر بالتمويل اللازم لبناء السد العالي في أسوان بهدف خلق مصدر للطاقة الحيوية التي تعد محورًا هامًا ترتكز عليه الصناعة المصرية. بيد أنه وبعد أشهر قليلة, بات وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس آنذاك على اقتناع بأن الرئيس المصري جمال عبد الناصر ليس جديرًا بالثقة، وهو ما نتج عنه سحب العرض الأمريكي بالتمويل. وأفضى ذلك التحول في الموقف الأمريكي إلى تحول البوصلة السياسية المصرية من الغرب إلى الشرق ليجد الاتحاد السوفيتي الفرصة سانحة لملء ذلك الفراغ حتى عام 1973 الذي شهد إعادة الكرة من جديد إلى المعسكر الأمريكي على يد الرئيس أنور السادات. وعلى مدار الأربعين عامًا الماضية، كانت العلاقات الأمريكية المصرية على قدر كبير من الأهمية، ناهيك عما شهده الشرق الأوسط خلال تلك الفترة من سلام بين مصر وإسرائيل.

إن الولايات المتحدة بحاجة إلى مصر أكثر من أي وقت مضى. فبالإضافة إلى ما تمثله اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل من أهمية بالغة للمصالح الأمريكية سواء على الصعيد الداخلي أو في الشرق الأوسط. لا تزال الولايات المتحدة كما في السابق بحاجة إلى التعاون المصري في الحرب على الإرهاب. وليس ببعيد عنا الهجمات الإرهابية التي وقعت في شمال سيناء الشهر الماضي وأسفرت عن مقتل ثلاثين من عناصر الجيش المصري فضلًا عن إصابة عدد من المدنيين.

إن الشراكة بين الولايات المتحدة ومصر غدت حيوية لكلا الدولتين. ولم يعد مقبولاً أن تظل هذه الشراكة رهينة المناورات السياسية والتهديدات بوقف المعونة. علاوة على ذلك, يجب على الولايات المتحدة أن تدرك أنها لم تعد الداعم الخارجي الوحيد لمصر، فدول الخليج اليوم تساهم بتقديم مساعدات لمصر تفوق نظيرتها الأمريكية بعشرة أضعاف.

حينما تم انتخاب محمد مرسي رئيسًا لمصر في العام 2012، أعرب الكثيرون وأنا منهم عن أملهم في أن يصبح رئيسًا ديمقراطيًا للمصريين كافة. إلا أنه ولسوء الحظ تحولت رئاسته للبلاد إلى توكيل لجماعة الإخوان المسلمين. ليس ذلك فحسب، بل وباتت البلاد في عهده على شفا الحرب الأهلية. ولم يمض عام حتى خرج الملايين إلى الشوارع في الثلاثين من يونيو مطالبين بالتغيير وباستقرار أفضل لمصر.

ووفقًا لما أخبرني به رئيس المحكمة الدستورية في مصر، فإن الرئيس السيسي لم يكن ينتوى الترشح لمنصب الرئاسة الذي يتولاه حاليًا ولكنه دُعي إليه. وإذا كانت الانتخابات الرئاسية التي فاز بها يشوبها التزوير، كما يدعي بعض الساسة والصحفيون،  لماذا يستمر المصريون في تأييدهم له بعد الانتخابات؟.

فالمؤكد أنه لم يكن براجماتيًا،  ففي أعقاب انتخاب السيسي،  أعلنت الحكومة في مصر عن حزمة من الإجراءات التي تهدف إلى خفض الدعم على الغاز الطبيعي واستهلاك الطاقة و الخبز وبعض السلع الأخرى. وبالرغم من أهمية تلك الخطوات باعتبارها خطوة نحو الاستقرار الاقتصادي في مصر، إلا أنها كانت تعتبر من المستحيلات على الصعيد السياسي على  مدار نصف قرن خلال فترة رئاسة حسني مبارك والسادات. وهو ما يشي بأن السيسي كان قادرًا على إقناع المصريين بأنه يقوم بعمل ضروري.

وفي خطوة أخرى أعقبت الانتخابات، أعلن السيسي عن تدشين مشروع قناة السويس الجديدة وهي الممر المائي الموازي للقناة التي تم حفرها في عام 1869،  داعيًا المصريين إلى الاستثمار في المشروع. وفي خلال ثمانية أيام،  تمكن البنك المركزي في مصر من جمع ثمانية مليارات ونصف دولار عن طريق بيع شهادات الاستثمار. ولقد قمت بزيارة أحد هذه البنوك خلال الأيام الثمانية وكانت الطوابير تمتد لمسافات طويلة مما اُضطر البنوك إلى العمل حتى أوقات متأخرة لاستيعاب الأعداد غير المتوقعة من التعاملات.

إن المحاولات المصرية لتحقيق الديمقراطية بعد ثورة يناير 2011 واجهت عقبات عديدة. ولا يزال هناك العديد من القضايا التي تتطلب معالجة ومن بينها إقرار قوانين عادلة تنظم عمل المنظمات غير الحكومية، وكذا إدماج جماعة الإخوان المسلمين في العملية السياسية المصرية. إن هذه القضايا تحتم على الولايات المتحدة الاستمرار في مشاركة الجانب المصري في حوار مباشر. أيضاً، على الولايات المتحدة ألا تتردد في بسط قوتها الناعمة وتوفير الوصول إلى الأسواق الأمريكية والبدء في عقد الاتفاقات التجارية وتوفير المساعدات لبناء المؤسسات التعليمية والمؤسسات الديمقراطية. لقد أثبت الربيع العربي أن سقوط الأنظمة الشبيهة بنظام مبارك لا تعني الصعود المباشر للديمقراطية،  ولكن الأمر يحتاج إلى رعاية وتشجيع.

إن مصر تواجه مشاكل ضخمة، فبالإضافة إلى ما تعانيه البلاد من قضايا داخلية تشمل اقتصادًا مهترئًا ومعدلات بطالة مرتفعة،  فإن ثمة عقبات أمنية تواجه مصر أيضاً سواء من ناحية الشرق مع تنظيم الدولة الإسلامية، أو في الغرب مع ليبيا والجنوب مع اليمن. بيد أنه ورغم هذه القضايا، تمكن السيسي من توحيد غالبية المصريين خلفه وهو يقوم بخطوات جادة لإصلاح الاقتصاد المتعثر،  ومنحهم الأمل من خلال البدء في مشاريع قومية كبرى. ومن بين تلك المشاريع مدينة العلوم والتكنولوجيا التي كنت قد شاركت في الترويج لها لسنوات. وكانت الإيكونمست قد ذكرت في مجال تعليقها على المائة يوم الأولى من حكم السيسي بقولها:” لقد شهدت الأوضاع الاقتصادية والسياسية تقدمًا مع تولي السيسي الذي منح المصريين الأمل بعد أن كانت الاضطرابات السياسية قد أنهكتهم لسنين”. إن على الولايات المتحدة أن تغذى هذا الأمل، وقطع المساعدات لن يحقق ذلك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد