منذ عقد من الزمان تقريبًا، سخر الناقد الاجتماعي «بول بيرمان» من رفض الغرب المتكرر لفهم طبيعة الحركات السياسية الجماهيرية، تلك الحركات التي تجنح من وقت لآخر لفكرة الذبح. وكتب «بيرمان» قائلاً: «من الأخطاء التي نرتكبها أننا نتوقع أن يتصرف العالم دائمًا بطرق معقولة». أي: دون «غموض، أو أن يناقضوا أنفسهم، أو ظلام، أو جنون».

ولكن الإرهاب ليس هو الجنون. هذا هو الدرس الصحيح الذي ما يزال الغرب مصرًا على رفض تعلمه. وبالرغم من أن غالبية دول العالم اتفقت مع إدانة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للهجمات التي استهدفت صحيفة «تشارلي إيبدو» باعتبارها «الهجمات التي لا معنى لها والتي استهدفت المدنيين الأبرياء»، فإنه من الجيد أيضًا أن نتذكر أن الهجمات بالنسبة للإرهابيين تعني شيئًا ما، وأن المدنيين ليسوا أبرياء في نظرهم.

في الوقت الذي قامت فيه وكالات الأنباء بتغطياتها الإخبارية لهجمات باريس، فقد تلافت أي ذكر أو نشر للرسوم الكارتونية الساخرة التي كانت دافعًا لتلك الهجمات. خطوة تبدو عقلانية بعض الشيء، غير أنها ومن وجهة نظر الإرهابي تقدم دليلاً عقلانيًّا على العمل الذي قام به. فالقتل يكون سلاحًا مفيدًا إذا مكّن القاتل من الحصول على أكثر مما يريد.

وفي هذا الإطار، فإن سياسة القتل التي ينتهجها الإرهاب تتشابه في مضمونها مع سياسة فرض الضرائب. فالضرائب تعني بشكل عام محاولة التقليل من نشاط ما أو فعلة ما. فإذا كنت ترغب في جعل الناس يقلعون عن التدخين، فأنت تقوم بفرض الضرائب على التبغ لرفع تكلفة التدخين. وبالمثل فإذا كنت تريد من الناس ألا يسخروا من النبي محمد، فأنت تقتلهم في مقابل ذلك. منطق يغلفّه القبح والشر، ولكنه ما زال منطقيًّا.

بالنسبة للإرهابيين، فإن التاريخ مليءٌ بالدروس المفيدة؛ فالانسحاب الأمريكي من لبنان الذي أعقب تفجيرات البحرية الأمريكية عام 1983 يعد مثالاً بارزًا ما يزال محل نقاش في دوائر الإرهاب. من جانب آخر، فقد خلَّفت هجمات الحادي عشر من سبتمبر الحرب على أفغانستان ومهاجمة تنظيم القاعدة وطالبان. وفي ذات الوقت، فإن الحروب التقليدية التي تستهدف الإرهاب لا يمكنها الذهاب بعيدًا أو المضي قدمًا في حلقاتها.

تعتمد الولايات المتحدة في الوقت الحاضر على التكنولوجيا الإلكترونية في حربها علي الإرهاب إلي حد كبير. وتستند هذه التكنولوجيا على مراقبة تدفق الأموال للتنظيمات الجهادية، بالإضافة إلى الهجمات التي تشنها طائرات بدون طيار. إن قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة والتي تعتمد على القوة الجوية وإطلاق الصواريخ في مهاجمة تنظيم الدولة الإسلامية لن تكون قادرة على الحد من مكاسب تلك التنظيمات الإقليمية. وهو ما يعني الحاجة إلى وجود قوات برية من المفترض أن تمثلها قوات الأمن العراقية. وفي حال تحركت تلك القوات العراقية نحو الموصل فإنها لن تجد سوى عدو جرى تسليحه بشكل فعّال وتمويله بشكل سخّي.

إن الإدراك الغربي لقانون الحرب ينبني على حصانة غير المقاتلين. ومن وجهة النظر هذه، فإن استهداف المدنيين عمدًا هو جريمة حرب باعتبار أن هؤلاء المدنيين أبرياء. غير أن ذلك الاعتقاد لا يتماهى مع ما يعتقده الإرهابي. فالإرهابيون، كما يقول الفيلسوف جيف ماكمهان، من غير المرجح أن يعتقدوا أنهم يقتلون الأبرياء. وبحسب ما أشار إليه ماكمهان من كتابات أسامة بن لادن، فإنه يجوز قتل الأمريكيين، ليس لأن الله قال ذلك، بل بسبب ما يقومون به.

إننا حين ندين الإرهاب باعتباره ضربًا من الجنون، فإننا نتغاضى في ذات الوقت عن الطريقة التي يفكر بها العدو الذي لا يرتكب نفس الخطأ. فالعدو يعمل على استغلال ضعفنا وخوفنا. وكما يرى طلال أسد، المتخصص في علم الاجتماع، فإن الانتحاريين والإرهابيين لا يعنيهم في المقام الأول إحداث الصدمة لدينا بقدر ما يعنيهم إثارة مخاوف الناس من أعمال العنف العشوائية التي قد تندلع فيما بعد.

إن الإرهابي يعي جيدًا ما يخيفنا. وترتكز مهمتنا على المدى القصير في إثبات أنه على خطأ. أما على المدى البعيد، فإن وسائل الردع الحقيقية الوحيدة تعتمد على خلق تاريخ جديد، يتم بمقتضاه تعقب الإرهابي دائمًا إلى عرينه ولا نعطيه أبدًا ما يريد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد