17,596

تحسبًا لاختفاء كل ما تشيده البشرية فجأة، تعنى الحكومات في بعض الدول بجمع المقتنيات الثمينة لحفظها في مكان آمن؛ مَبْنَيَيْن في عمق الجليد قرب القطب الشمالي، لحمايتها بحيث يمكن استردادها وقت الحاجة، أو لتبقى – إذا ما تم القضاء على العالم يومًا في حرب نووية – شاهدًا يُجمل كل ما أنجزه البشر خلال وجودهم عبر السنين والحضارات، ويمكنهم من بناء العالم مرة أخرى، فما الذي تحتويه هذه المباني؟

قبو سفالبارد العالمي للبذور

في أعماق الثلوج التي تبعد حوالي 620 ميلًا (1000 كيلومتر) عن القطب الشمالي وتحديدًا في أرخبيل سفالبارد قرب النرويج عام 2008 تم افتتاح قبو كانت حكومات النرويج والسويد وفنلندا والدنمارك وأيسلندا قد وضعت حجر الأساس له عام 2006، ليحمل نسخة من البذور الزراعية التي تحتفظ بها بنوك الجينات في كل أنحاء العالم، ويقول عنه مدير القبو براين لينوف «يضم هذا المبنى 13.000 عام من التاريخ الزراعي»، إذ يوجد في المبنى 930,000 من البذور المختلفة في صندوق ضخم، كما تقول المديرة التنفيذية لصندوق المحاصيل ماري هاجا ففي أنحاء العالم المختلفة هناك (أيام قيامة) نفقد فيها موادَّ وراثية يومًا بعد يوم، وخلال الشتاء الماضي أمكن لبنك الجينات استعادة التوازن من جديد».

أبعد نقطة عن الخطر

أُنشئ هذا القبو ليحفظ البذور من كارثة مروعة قد تحدث للبشرية، وكان اختيار المكان تحديدًا في قلب الثلوج التي توفر درجة حرارة مثالية لحفظ البذور، وفي أبعد مكان يمكن أن تصل إليه رحلات الطيران، كما أنها تعتبر منطقة منزوعة السلاح، وبهذا تكون احتمالات الخطر على محتويات القبو من الحروب أو غيرها أقل من الخطر المحدق ببنوك الجينات في أنحاء العالم المختلفة، فضلًا عن أن تصميم المبنى وموقعه داخل أحد الجبال المكونة من الحجر الرملي يوفر له أقصى حماية ممكنة.

يخترق مستطيل مسلح المنظر الطبيعي للثلوج، وهذا جزء من المبنى فقط الذي يمتد في عمق الجبل الثلجي لحفظ المقتنيات في أبعد نقطة عن الخطر الذي قد تتعرض له الكرة الأرضية، يؤدي المدخل إلى غرفة صغيرة مليئة بضوضاء أنظمة الكهرباء والتبريد اللازمة لحفظ درجة الحرارة المناسبة للقبو، ويُفضي باب فيها إلى نفق من 430 قدمًا يخترق الجبل الجليدي لنصل في النهاية إلى غرفة تُحفظ فيها البذور في أحزمة من الفضة وأنابيب اختبار وصناديق صغيرة.


يضم المبنى في النهاية مكونات رخيصة السعر لكنها ثمينة بالنظر إلى قيمتها وقدرتها على حفظ مستقبل الأمن الغذائي للبشرية.

ويمكن تفهم ذلك بمقارنة ما حدث في المنتجات الزراعية التي يعتمد عليها البشر قبل خمسين عامًا بما أصبحت عليه الآن، فقد انخفض التنوع البيولوجي لدرجة أن البشر يعتمدون حاليًا في 95% من غذائهم على 30 محصولًا فقط، بسبب اختفاء الكثير من المحاصيل بفعل تغير المناخ إلى جانب أسباب أخرى.

لكن القبو لم يبق مغلقًا لمائتي عام كما خُطط له، فبسبب الحرب الدائرة في سوريا أجلى المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق  الجافة (إيكاردا) موظفيه الدوليين عام 2012، ونقل مقره إلى لبنان والمغرب، متخليًا عن البنك الجيني له في سوريا، وقد استخدم البذور الموجودة في قبو سفالبارد إلى جانب بذور أخرى لإعادة زراعتها في مقره الجديد.

ولم تكن الحرب وحدها في العراق وأفغانستان أيضًا هي المخاطر الوحيدة، فالتغير المناخي أضر بمحتويات بعض البنوك الوراثية في أنحاء مختلفة من العالم.

قبو جديد لحفظ الكتب والوثائق


قبل نحو أسبوعين تم افتتاح القبو الثاني في سفالبارد لحفظ الكتب والوثائق، بعد نحو عشر سنوات إذن يُقام مبنى ثانٍ إلى جانب قبو سفالبارد العالمي للبذور، مكتبة تضم أثمن ما لدى البشر من معلومات ووثائق وتراث، وتتولى شركة (Piql) التكنولوجية النرويجية حماية بيانات هذا القبو التي تشمل معلومات من الحكومات والمؤسسات العلمية وحتى الأفراد الذين يريدون حماية معلوماتهم الخاصة.

صرح مؤسس شركة Piql بأن التقنية التي اعتمدتها لحفظ البيانات عبر وسيلة تناظرية (Analog) يتم حفظها من خلال أفلام حساسة (photosensitive film) تُمكّن من حفظها طويلًا على بكرات داخل القبو، إذ لم تعتمد الشركة على حفظ البيانات بطريقة رقمية حتى لا تتعرض للقرصنة، كما أن هذه الطريقة التناظرية لا تتيح إعادة تحرير النص إذا ما تم نسخه على الأفلام، وبهذه الطريقة تكون البيانات في أمان «كما لو كانت منقوشة على الأحجار» .

كما أن هذه الطريقة هي الأنسب بالنظر إلى معدل الازدياد في المعلومات والبيانات كل عام.

ويوفر موقع القبو بالقرب من القطب الشمالي درجة حرارة مثالية لحفظ الأفلام كما يوضح المتحدث باسم شركة Piql ويرفع العمر المقدَر للأفلام إلى ألف عام.

وستكون الملفات قابلة للقراءة مباشرة عبر هذه الأفلام التي تمثل المخطوطات الحديثة، حتى الآن تم إرسال الوثائق القومية البرازيلية والمكسيكية لتُحفظ في القبو، إذ حُفظ الدستور البرازيلي ورسوم وخرائط تاريخية ووثائق تتعلق بفترة الإنكا.

وستنضم وثائق أخرى من أنحاء العالم، لكن التساؤل الذي قد يثيره وجود هذا القبو الجديد، إذا كان القبو الخاص بالبذور قد اتسع ليضم كل البذور على اختلاف مواطنها، فهل سيتسع القبو الجديد ليضم تاريخ كل الأمم وتراث كل الحضارات على السواء.