سنتعرف في هذا التقرير على أهم مسار التعديلات الدستورية في الجزائر، وأهم المواد الجديدة التي جاء بها الدستور الجديد، بالإضافة إلى أهم ردود الفعل تجاهه من الطبقة السياسة ولعل أهمها هو ما تعلق بترسيم اللغة الأمازيغية في البلاد.

من المنتظر أن يصادق البرلمان الجزائري هذه الأيام على التعديل الدستوري الجديد، وفي ظل سياسة التقشف والأزمة السياسية التي تمر بها البلاد والتغييرات على مستوى القيادات الأمنية والعسكرية والإدارية التي تعرفها مؤسسات الدولة، يعيش الجزائريون على شد وجذب بين أحزاب الموالاة والمعارضة بخصوص المشروع التمهيدي لتعديل الدستور.

أزمة الشرعية لدى نظام الحكم والدولة المدنية، هو النقاش السائد بين النخب الجزائرية خلال هذه الفترة، خاصة مع تقلص فرص الانتقال الديمقراطي وتوافق السلطة والمعارضة حول تشخيص الأزمة والخروج بحلول، ومع موافقة المجلس الدستوري للتعديل الذي جاء به المشروع التمهيدي للدستور، أعاد هذا الأخير ملفات ثقيلة إلى الواجهة، أهمها ترسيم اللغة الأمازيغية وضبابية طبيعة نظام الحكم في البلاد.

في وقت سابق وبمجرد انتخابه رئيسًا للبلاد، أعلن بوتفليقة عن عزمه على إحداث تعديل عميق بالدستور، ففي 2002 جاء التعديل الدستوري الأول له حيث رقيت تمازيغت (اللغة الأمازيغية) إلى لغة وطنية غير رسمية، وفي 2008 عدّل الدستور مرة أخرى من أجل فتح العهدات الرئاسية للاستمرار بكرسي الحكم، وهو ما كان له حتى الآن.

وفي خضم ثورات الربيع العربي وأحداث السكر والزيت في الجزائر، أطلقت السلطات في الجزائر مشاورات واسعة أعلن عنها رئيس البلاد بوتفليقة على مرحلتين (مشاورات بن صالح ومشاورات أويحيى)، وحزمة من الإصلاحات خاصة بالدستور ومجموعة من القوانين (الانتخابات، الجمعيات، الأحزاب، الإعلام، الولاية والبلدية)، انتهت بالإعلان عن تقديم تعديل جديد للدستور في 14 ديسمبر/كانون الأول 2015، بعد اجتماع ضم كبار مسؤولي الدولة في الرئاسة والحكومة والجيش والأمن.

يشير أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر سليم قلالة عبر مقاله “دستوريون؟ أم بحاجة إلى دستور؟” أن مشكلة الجزائر ليست في الدستور أو القانون، وإنما في غياب منظومة القيم التي تحكم الحاكم والمحكوم، ويعطي مثالا عن اللغة العربية التي كرست كلغة رسمية منذ أول دستور – أي عام الاستقلال – في وقت لم تكن لغة رسمية ولا مرة باجتماعات مجلس الوزراء وخطابات المسوؤلين الكبار ومراسلات الهيئات الرسمية.

ويضيف سليم قلالة أن الأزمة تتعلق بشرعية المؤسسات والهيئات المنتخبة بالأساس، حيث ينبغي أن ينبع الدستور من ممثلين حقيقيين للشعب غير مطعون أو حتى مشكوك في شرعيتهم، حتى يكون متطابقا مع نوعية الناس الذين يحملونه، مما سيرفع من شأن العمل السياسي ليصبح أخلاقيًّا يعرف التطابق غير المزيف بين النص المعلن والفعل الممارس في الميدان.

منذ الاستقلال، لكل رئيس دستوره الخاص!

169618895

عرفت الجزائر المستقلة أول دستور لها عام 1963 والذي كرّس النظام الرئاسي ونظام الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني) إبان عهد الرئيس الراحل أحمد بن بلة، كما أقر الزعيم الراحل هواري بومدين دستورًا كذلك قبل عامين من رحيله 1976 الدستور الثاني للجزائر والذي أقر النهج الاشتراكي كخيار اقتصادي وسياسي للدولة الجزائرية وكميثاق وطني.

الرئيس الراحل الشادلي بن جديد هو الآخر لم يخرج عن نهج سابقه، وقام بتعديل الدستور بعد أحداث أكتوبر الشهيرة، كما انعكست الظروف الدولية على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي على الجزائر مثل انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي بإقرار التعددية السياسية والإعلامية وحرية التجارة والصناعة في البلاد، حيث يعتبر دستور 1989 أول وثيقة دستورية بالجزائر منذ الاستقلال إلى الآن حسب عدد كبير من المراقبين والمتابعين للشأن السياسي. كما قام الرئيس الشادلي بتعديل الدستور ثلاث مرات تتعلق بصلاحيات رئيس البلاد وباستحداث منصب رئيس للحكومة ومجلس للمحاسبة والمالية.

الرئيس اليامين زروال المستقيل من منصبه سنة 1998، عدل الدستور الجزائري عام 1996 حيث ألزم رئيس الجمهورية بعهدة واحدة قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، وتم بموجبه استحداث مجلس الأمة (غرفة ثانية للبرلمان) وإضافة شروط إقصائية عند تأسيس الأحزاب (منع استعمال العرق، الدين، الجنس…).

عبد العزيز بوتفليقة الرئيس الحالي لم يشذ عن قاعدة الرؤساء السابقين في تعديل الدستور؛ فأول تعديل له كان في 2001 من خلال ترقية اللغة الأمازيغية إلى لغة وطنية، والتعديل الثاني له والخامس في تاريخ الدستور الجزائري كان عام 2008 والذي فرضته رغبة الرئيس بوتفليقة في تمديد العهدات الرئاسية له عبر تخلي المشرع الجزائري عن التداول على السلطة، كما تم استبدال منصب رئيس الحكومة بمنصب الوزير الأول (تقليص للصلاحيات).

وفي أبريل/ نيسان 2013 تم تنصيب لجنة من الخبراء والقانونيين لصياغة دستور جديد للبلاد، ومنذ ذلك الوقت والدستور يتراوح بين الإعلان والنسيان والشد والجذب لدى الطبقة السياسية، وذلك حتى ديسمبر/كانون الثاني 2015، حيث أعلن الرئيس بوتفليقة عن المشروع التمهيدي للدستور الجديد للجزائر، ودعوة البرلمان الجزائري للتصويت عليه لا عن طريق الاستفتاء الشعبي.

قراءة في التعديل الدستوري الجديد

Mr. Abdelaziz Bouteflika, Algerian minister of Foreign Affairs, 1974

نتطرق إلى جديد للدستور الجزائري من خلال أستاذ العلوم القانونية وحقوق الإنسان “عمر روابحي”، حيث يعتبر في البداية أن التعديل الدستوري الذي سيصوت عليه البرلمان الجزائري ليس بدستور جديد، كما يشير إلى أن الدستور الوحيد في الجزائر هو وثيقة 1989 وما قبلها هو عبارة عن ميثاق وطني أقره الحزب الحاكم جبهة التحرير الوطني، وما تلاه هي تعديلات أدخلت على وثيقة تكريس التعددية. وسنفصل في جديد الدستور كالآتي:

دسترة الأمازيغية كلغة رسمية

جاء التعديل الجديد بدسترة وترقية تمازيغت (اللغة الأصلية لسكان المنطقة) إلى لغة رسمية، بعد أن تمت ترقيتها إلى لغة وطنية في عام 2002، وجاء في نص المادة 3 مكرر “تمازيغت هي كذلك لغة وطنية ورسمية” في إشارة إلى أن اللغة الرسمية والأساسية هي اللغة العربية في البلاد.

الجالية ممنوعة من الترشح للرئاسيات!

أقر الدستور منع المواطنين الجزائريين المقيمين بالخارج لأكثر من عشر سنوات من الترشح للرئاسيات، وورد هذا الشرط بالمادة 72 التي تحدد شروط الترشح لرئاسة البلاد بالصيغة التالية ((يُثبت إقامة دائمة بالجزائر دون سواها لمدة عشر (10) سنوات على الأقل قبل إيداع الترشح)).

هناك تعديل جديد أيضا بخصوص شروط الترشح إلى رئاسة الجمهورية، أوردته المادة 73 البند الثاني ويتعلق بإثبات الجنسية الجزائرية الأصلية للأب والأم (يعني أب وأم المترشح). كما جاءت الإضافة إلى المادة 51 كالآتي: التمتع بالجنسية الجزائرية دون سواها شرط لتولي المسؤوليات العليا في الدولة والوظائف السياسية.

من يضمن عدم تعديل فتح العهدات من جديد؟

المادة 74 تعود بنا إلى تحديد العهدات (الولايات) الرئاسية، والتساؤل الذي يجب أن يطرح هو: ما الضمانة القانونية التي تمنع تعديل الدستور مرة أخرى لفتح العهدات؟ ويقترح “عمر روابحي” أن يتم تعديل المادة 5 من الدستور كالآتي: العلم الوطني والنشيد الوطني من مكاسب ثورة أول نوفمبر 1954 وهما غير قابلين للتغيير. المادة 74 غير قابلة للتعديل.

رئيس الجمهورية يحكم، والوزير الأول يحاسب

المادة 77: يعين الوزير الأول بعد استشارة الأغلبية البرلمانية، وينهي مهامه.

هذا لا يحل إشكالية النظام السياسي في الجزائر، التي تعتمد على مبدأ صلاحيات إمبراطورية للرئيس دون محاسبة برلمانية رغم أن البرنامج برنامجه، وصلاحيات مجهرية للوزير الأول مع محاسبته برلمانيا ليس على البرنامج الرئاسي وإنما على التقصير والخطأ في تنفيذه على أكمل وجه.

الحصول على المعلومات حق للمواطن

المادة 41 مكرر3: الحصول على المعلومات والوثائق والإحصائيات ونقلها مضمونان للمواطن، ولا يمكن أن تمس ممارسة هذا الحق بحياة الغير الخاصة وبحقوقهم وبالمصالح المشروعة للمقاولات وبمقتضيات الأمن الوطني.

هذه المادة مهمة للغاية لأنها توفر الحق في الحصول على المعلومة الذي سبقت دولٌ عربية أخرى الجزائر فيه، وفي انتظار صدور القانون الخاص بحرية المعلومات الذي يجب أن يحوي بنودًا تلزم الإدارات العمومية ومؤسسات الدولة بتوفير المعلومات التي يطلبها أي مواطن حتى يتكرس الحق بشكل أوسع.

اللاءات والمحظورات للأحزاب

لا تزال المادة 42 المتعلقة بالأحزاب السياسية أطول مادة في الدستور باحتوائها على قائمة طويلة من اللاءات والمحظورات، والتي كان من المفروض أن يكون تفصيلها في القانون وليس الدستور، ولكن مهندس الدستور يرغب في إعطاء هذه المحظورات قيمة دستورية ترغم الأحزاب والجمعيات السياسية على الخضوع للقانون والتضييق، أكثر من تيسير العمل السياسي والحزبي بشكل عام.

التعليم العمومي والتعليم الخاص

في المادة 53 تمت إضافة عبارة عمومي إلى كلمة التعليم الذي لا يزال مجانيًّا، فيها إشارة واضحة إلى أن عصر التعليم الخاص سيفتح على مصراعيه في الجزائر وهو طبعا لن يكون مجانيًّا.

الأطفال والشباب وذوو الاحتياجات الخاصة لأول مرة بالدستور!

أشارت المادة 58 من الدستور إلى فئة الأطفال والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، وكان من المعيب عدم الإشارة إليهم في الدساتير السابقة، وهذا تقدم جيد يحسب للتعديل الجديد.

كذلك من الحقوق التي كانت غائبة في الدستور السابق الحق في السكن والحق في بيئة سليمة والحق في محاكمة عادلة، وهذا أمر إيجابي يذكر.

عقوبات للغائبين عن البرلمان

وفي سابقة بالدساتير الجزائرية، اضطر القائمون على تعديل الدستور هذه المرة، إلى إعداد مادة خاصة بالغائبين عن جلسات البرلمان الجزائري، والمعروف أنه في مرات عديدة تم التصويت على مشاريع لم يصل فيها العدد إلى النصاب القانوني الذي يجيز المصادقة على مشاريع حكومية. (انظر المادة 100).

ردود فعل مألوفة من الموالاة والمعارضة تجاه خطوات السلطة

503444518وأعربت الموالاة عن ارتياحها لما جاء به المشروع التمهيدي لتعديل الدستور، وتلقت تشكيلات الأحزاب الأربعة جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي، تجمع أمل الجزائر، والحركة الشعبية الجزائرية بكثير من الارتياح مضمون المشروع الذي أقره رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، بعد عدة مشاورات مع جميع الفاعلين السياسيين وكذا ممثلي المجتمع المدني.

في حين اعتبرت المعارضة ممثلة في هيئة التشاور والمتابعة (أكبر تكتل سياسي معارض) مسودة الدستور، بأنها لا حدث ولا ترقى للنقاش، وحاولت التقليل من شأن التعديل الدستوري الذي تعتبره حلقة ثانوية من أزمة عميقة حسب المتحدثين لوسائل الإعلام، وشكلت بعض أحزاب المعارضة لجانًا استشارية لدراسة الدستور على غرار تنسيقية الانتقال الديمقراطي وجبهة القوى الاشتراكية.

كما لاحظ العديد من المتابعين التراشق الإعلامي بين حزبي السلطة “الأفلان” و”الأرندي” بخصوص تعديل الدستور، فالأمين العام للحزب الحاكم عمار سعيداني هاجم مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى أسلوب طرحه لمسودة التعديل أمام الصحافة، بالإضافة إلى عدم اختيار الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية مثلما طالب سعيداني بذلك منذ مدة، في حين هلل حليفه الأرندي بمسودة التعديل ووصفها بالمحطة التاريخية للأمة الجزائرية.

الأمازيغية تفجر ملف الهوية من جديد!

127041274فجّر قرار ترسيم اللغة الأمازيغية الذي جاء به التعديل الأخير للدستور نقاش الهوية من جديد بالرأي العام الجزائري، وشن الدكتور أحمد بن نعمان المعروف برفضه المطلق لترسيم اللغة الأمازيغية حملة إعلامية ضد هذا القرار، ويعتبر ابن نعمان أن فرنسا وراء هذا القرار الذي يكرس الصراع اللغوي في الجزائر، ومحاولة منها استبعاد اللغة العربية.

في حين يرى الكثير من الجزائريين أن السلطة ابتزت سكان القبائل بهذا الحق اللغوي الذي كان يعتبر ملفًا معقدًا استهلك الكثير من الزمن في الصراع الأيديولوجي والسياسي، تضرر من السياسة أكثر من كونه إرثًا ثقافيًا كان لا بد من الاعتناء به وترقيته والاستفادة منه.

وثمن الأرسيدي (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) إقرار الدستور بترسيم اللغة الأمازيغية، في حين تجاهل الأفافاس (جبهة القوى الاشتراكية) هذه المادة، ووصف الدستور “بالعنف الممارس ضد المواطنين الجزائريين”، على الرغم من أن كلا الحزبين محسوبان على منطقة القبائل بالجزائر، وناضلا لعقود من أجل ترسيم اللغة الأمازيغية التي تعتبر أحد مكونات الهوية لهذه المنطقة.

ويدور النقاش حاليًا حول ما هو الحرف الذي ستكتب به اللغة الأمازيغية، فقبائل الطوارق تكتبه بالتيفيناغ، وهناك تيار محسوب على قبائل الشمال والوسط الجزائري تنادي بكتابته بالحرف اللاتيني (الفرنسي) خاصة وأن مناضلي اللغة الأمازيغية أبرزهم خريجو الأكاديمية البربرية في باريس، كما أن المحسوبين على التيار الإسلامي العربي من الأمازيغ ينادون بكتابتها بالحرف العربي مثل بعض السكان القاطنين بوادي ميزاب (غرداية).

المصادر

1. عمر روابحي: أستاذ العلوم القانونية وحقوق الإنسان بجامعة البويرة، أستاذ مدرب ومكون في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي، له دورات في عواصم عديدة بالعالم والدول العربية.
عرض التعليقات
تحميل المزيد