عاش التنين في أذهان البشرية منذ الأزل، اختلف شكله ووصفه من شعب لآخر، لكن في النهاية، حمل الرعب نفسه بين تلك الشعوب.

على الرغم من هذا الاختلاف، إلا أن التنين كان عنصرًا من عناصر الميثولوجيا المشتركة بين الشعوب؛ من أول مصر القديمة وأسطورة أبوفيس، مرورًا بالصين وأسطورة «التنانين الملوك»، وحتى العصور الوسطى وظهور التنين بالشكل المنتشر به الآن.

كيف نجحت هذه الأسطورة في الانتشار بهذا الشكل؟ كيف ظهرت هذه الأسطورة من الأساس؟ وما هي أنواع التنانين التي عرفها العالم؟ والسؤال الأهم – والذي ما زال مطروحًا اليوم رغم غرابته – هل التنين حقيقي؟

التنين.. رمز الشر في مصر ورمز الخير في الصين

يجهل العديدون حقيقة أن مصر القديمة كان لها التنين الخاص بها، وهذا يجعلنا نرجع لأصل كلمة تنين، فالكلمة «Dragon» مأخوذة من الكلمة اليونانية «Drakōn» والتي كانت تستخدم لوصف أي ثعبان أو أفعى ضخمة، لذلك، فالتنين في الأصل ما هو إلا مجرد أفعى عملاقة. ويمكن القول بأن أبوفيس من أوائل التنانين التي عرفتها البشرية، إلا أنه في الثقافة الشعبية الحالية ليس مرتبطًا بأساطير التنانين، وذلك بسبب شكله غير المشابه لشكل التنين الأوروبي والمنتشر حاليًا بين الناس.

أبوفيس في الأساطير المصرية كان رمزًا للفوضى والدمار، هو العدو الأبدي لرع، إله الشمس، والذي دائمًا ما يهاجم مركب الشمس ليمنع رع من الإبحار بالشمس نحو الأفق. في معظم الأحيان ينتصر رع ويكمل رحلته اليومية، لكن وفي بعض المرات ينجح أبوفيس فتحدث الزلازل أو العواصف، بل وفي حالة ابتلع أبوفيس الشمس يحدث الكسوف، لكن حراس مركب الشمس سرعان ما تقطع رأسه فلا يستمر الكسوف إلا لدقائق معدودة.

Embed from Getty Images

أما الصين، فقد أنتجت لنا التنين بشكل مميز ومعروف في الشرق الأقصى أجمع. وعلى عكس مصر القديمة، فالتنين الصيني كان رمزًا للإمبراطور، بسبب إيمان الشعب بأن التنين كان الجالب لكثير من الأمور الجيدة، مثل الأمطار التي كانت تجلب المحاصيل.

ومن أشهر الأساطير الصينية بخصوص التنانين هي أسطورة «الملوك التنانين»، التي تحكي عن ملوك يعيشون في قصور سحرية من الكريستال موجودة في أعماق البحار؛ كان هناك خمسة ملوك تنانين، واحد في الشمال وآخر في الجنوب وآخر في الشرق وآخر في الغرب، وزعيم الملوك التنانين قصره موجود في منتصف الملوك الأربعة.

ومن الصين سافر التنين إلى اليابان، ليتلقاه الشعب بطريقة مشابهة وتفكير مماثل، فظل التنين، في الشرق الأقصى أجمع، الكيان الذي يجلب الخير ويمثل الشموخ والعظمة. إلا أنه ومع القرون الوسطى، كان للشعوب الأوروبية رأي آخر بخصوص هذا الكائن.

التنين في أوروبا.. أنفاس نارية وهلاك مؤكد

من مشاهدتك للأفلام والمسلسلات التي تناولت هذه الفترة بالتأكيد تكونت لديك فكرة عن التصور الأوروبي أو الغربي للتنين. أعمال مثل «هاري بوتر» أو «لعبة العروش» خير مثال على الهيئة التي تصورها الأوروبيون للكائن العملاق. الجلد السميك المغطى بالحراشف، الأجنحة العملاقة – وهي المرة الأولى تقريبًا التي يظهر فيها التنين بأجنحة -، الأعين الجاحظة، والأهم من كل ذلك، النيران.

ساهمت الديانات والحضارات القديمة في خلق تصور لدى شعوب القرون الوسطى عن التنين، فالحضارة اليونانية القديمة كان بها العديد من الأفاعي الضخمة، ويمكن أن نضرب بـ«تايفون» و«هايدرا».

لنبدأ بتايفون، الوحش الذي خلقته ريا أم زيوس، وذلك لأنها رفضت كيف تخلص زيوس من والده، وكان تايفون من أعتى الوحوش التي هاجمت سكان الأوليمب، إلا أن زيوس وبمساعدة إخوته نجح في التصدي لهذا الوحش العتيد.

أما هايدرا، فهو تنين متعدد الرؤوس، لم يكن يستطيع أحد أن يهزمه، لأنه بمجرد أن تقطع له رأسًا تنمو له اثنان، إلى أن ظهر هرقل العظيم، الذي حينما قطع الرؤوس قام بلئم الجروح فلم تنبت الرؤوس الجديدة.

Embed from Getty Images
لوحة القديس جورج يهزم التنين

كذلك أتى التأثير من الشمال في شكل تنين «ميدجارد» من حضارة الفايكنج، التنين الذي يعتقد أنه ابن من أبناء لوكي ذي الحجم الكبير – لدرجة أنه من الممكن أن يلتف حول العالم – سيحارب ثورًا في نهاية الزمان في نزال لن ينتهي إلا بالموت. وقد استخدم الفايكنج شعار التنين على دروعهم وفي مقدمات قواربهم لزرع الخوف في قلوب الأعداء.

لعب الدين أيضًا دورًا في انتشار أسطورة التنين في أوروبا، فنجد من القصص الشهيرة قصة القديس جورج والتنين. في سيلين، ليبيا، كان هناك تنين يتغذى على غنم أهل القرية، ظل أهل المدينة يحاربون هذا التنين إلى أن افترس راعيًا شابًا. قرر أهل القرية ألا يحاربوا التنين، ويتركوا له خروفين كل صباح فلا يهاجم أهل القرية، لكن مع الوقت لم يعد في القرية خراف، واضطرت الأهالي أن تقدم التضحية البشرية. تختار قرعة الحظ من يأكله التنين، وفي مرة من المرات يقع الاختيار على ابنة حاكم القرية، وعلى الرغم من توسله أن تعاد القرعة مرة أخرى إلى أن الآذان صُمّت وقيدت الفتاة في صخرة بجوار البحيرة لتلقى مصيرها المحتوم.

لكن لحسن حظ الفتاة، كان القديس جورج مسافرًا ومر بهذه البحيرة، حاولت الفتاة إبعاده حتى لا يلتهمه التنين لكنه أبى إلا أن ينقذها، وبينما كانا يتحاوران، ظهر التنين من البحيرة فقام القديس برسم الصليب وانطلق بجواده مسرعًا نحو التنين، ليصيبه إصابة بالغة. أمر جورج الفتاة أن تلقي له بحزامها، فربط التنين بحزام الفتاة وعاد مع الفتاة إلى القرية، وتعهد أن يقتل التنين إذا دخل أهل القرية في المسيحية وهو ما قد كان.

ولا يمكن أن نغفل قصة اللوياثان، الوحش التوراتي، الذي وفقًا لبعض الدراسات هو نفسه يام الذي ذبحه بعل في الأساطير الكنعانية.

لوياثان تنين بحري عملاق، ذكر في العهد القديم في سفر المزامير، ووصف بأنه وحش متعدد الرؤوس يقتله يهوه ليطعم اليهود. كذلك ورد ذكره في سفر إشعياء باعتباره رمزًا لأعداء مملكة الرب، والذي سيقضي عليهم، أما في سفر أيوب فهو وحش بحري وعلامة من علامات قدرة الإله في الخلق.

في التفسير الذي يعتبر الوحوش المذكورة في أسفار دانيال والرؤيا مجرد رموز ولا تؤخذ سوى مجازًا، فإن اللوياثان ما هو إلا رمز لمواجهة البشر للرب، ويرى تفسير آخر أن اللوياثان هو تمثيل لفوضى ما قبل الخلق. لكن مع الوقت أصبحت الكلمة تعني عادة الوحش البحري، وتعني الكلمة في العبرية الحديثة «الحوت».

التنين الحقيقي.. أين هو؟

حتى اليوم لا يوجد أي دليل على وجود التنين المذكور في الميثولوجيا، ربما الثعابين الضخمة، التماسيح الكبيرة، تنين الكومود الموجود في إندونيسيا، لكن ذلك الوحش العملاق الذي ينفث النيران ليحمي الكنز أو يخطتف الأميرة؟ لا يوجد.

لكن هناك نظريات تحاول الوصول لأصل ظهور هذه الأسطورة، وكيف انتشرت بين الشعوب. فهناك نظرية ترجح أن التنين ظهر بناءً على كائنات موجودة بالفعل في عالمنا، لكن العقل البشري يمتاز بقدرته على التخيل وأحيانًا المبالغة، مثل قصص التنانين أفريقية الأصل، والتي بعد عديد من الدراسات اتضح أن الكائنات المقصودة عادة ما تكون التماسيح النيلية.

Embed from Getty Images
تنين الكومودو الموجود بالجزر الإندونيسية

من النظريات المثيرة للاهتمام تلك التي تشرح كيف أثرت الحفريات الخاصة بالكائنات المنقرضة في التفكير البشري ومنحتها مجالًا للابتكار. فمثلًا يمكن لحفريات ديناصور أن تحفز الدماغ البشري في ذلك الوقت لتجعله يخلق كائنات – مختلفة عما استطعنا نحن الوصول إليه – بالنسبة للكائنات الموجودة حوله تضاهيها في الحجم والقوة، والرعب أيضًا.

كذلك فلا شك أن الأديان والميثولوجيا القديمة خاصة التي ظهرت في العالم القديم، والتي اعتمدت في كثير من قصصها على الوحوش العملاقة التي في أغلب الأحيان تسعى لتدمير بني البشر، ساهمت في انتشار فكرة وجود هذا الكائن المخيف الذي نشر الرعب ونفث النيران واختطف الأميرات وحرس الكنوز.

وعلى العموم، إذا كنت تبحث عن إجابة سؤال «هل التنانين موجودة؟» فالإجابة حتى هذه اللحظة، «لا».

علوم

منذ 11 شهر
مترجم: لم يعد كائنًا أسطوريًّا.. دليلك لصناعة تنين في المنزل!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد