في العام الماضي، وبينما كان ناشط سوري معارض يتابع مسلسل سوري صدم بصورة طفله علاء، الذي استشهد بقذیفة ھاون أطلقها النظام السوري على بلدة السبینة بالغوطة الغربیة، معلقة خلف ممثل سوري في مسلسل «منبر الموتى» أحد أجزاء سلسلة «الولادة من الخاصرة»، الذي أظهر الطفل على أنه إحدى ضحایا المعارضة السورية.

لكن النظام السوري لم يكتفِ بهذا المشهد، وعكف أكثر على محاصرة «الانتفاضة السورية»، وتشويهها وتزييف الحقائق عن طريق الأعمال الفنية، ليوظف النظام الأعمال الدرامية كافة، لخدمة أهدافه التي ترتكز على تبرير جرائمه بحق المدنيين، وإظهارها «مفبركة» بشكل ممنهج، وعلى أن ما يحدث داخل سوريا هو «مؤامرة كونية».

«كونتاك».. المسلسل الذي سخر من ضحايا الهجمات الكيماوية

بينما كان المدنيون السوريون في إدلب تحت وطأة قصف النظام السوري، خلال شهر رمضان المبارك، خرج مسلسل «كونتاك» السوري، في حلقته الثالثة والعشرين، يسخر بشكل صادم من ضحايا الهجمات الكيميائية، التي شنها النظام أكثر من مرة على مناطق المعارضة.

صوّر مشهد في هذه الحلقة المعنونة بـ«حالات خاصة»، عناصر الدفاع المدني المعروفين باسم «الخوذ البيضاء» يقومون بـ«فبركة» تعرض المدنيين في مناطقهم للهجمات الكيميائية. إذ ظهر في هذا المشهد الممثلة السورية الموالية للنظام أمل عرفة على أنها مواطنة سورية، تستجيب لطلب شخصيات يؤدون دور عناصر من «الخوذ البيضاء» من أجل تمثيل دور أم مع أطفالها تعرضوا للاختناق من الكيماوي داخل أقبية سكنية.

في المشهد يخاطب أحد أفراد «الخوذ البيضاء»، الممثلة السورية، قائلًا: «اعتبري هدول ولادك وعم تبكي عليهن ونحن جبناهن من تحت الأنقاض»، وتستجيب الممثلة في هذا المشهد لتهديد العناصر بالصراخ والبكاء والتظاهر بالموت في ما تلتقط الكاميرات صورًا لانتشال الجثث من تحت الأنقاض.

يصور هذا المسلسل نهجًا اعتاد عليه النظام وحلفاؤه، يقوم على الترويج لادعاءات توحي بأن «الخوذ البيضاء» تقدم «مسرحيات وهمية وكاذبة»، لإظهار أن النظام السوري يقصف مناطق المعارضة بأسلحة كيميائية. وتمعن وسائل إعلام النظام في الترويج للتقارير التي تدين «الخوذ البيضاء»، التي تأسست بعد تفجر الانتفاضة السورية عام 2011، والادعاء بأنها «فبركت» الهجمات الكيميائية في خان شيخون بإدلب في أبريل (نيسان) 2017، ودوما بالغوطة الشرقية أبريل 2018.

كما أن المسلسل قدم خلال حلقة تسخر من اللاجئين السوريين في أوروبا، عبر تقديمهم على أنهم مهاجرون لأسباب اقتصادية وليست إنسانية، وتصوير سوريا على أنها بلد ينعم بالأمن والأمان، بينما استجاب هؤلاء لخدعة «الحلم الأوروبي» ثم صدموا بواقع الحياة الصارمة في أوروبا، لكونها «تمييزية ومجحفة بحق الأجانب»، بحسب المسلسل. وكذلك صور اللاجئين على أنهم متخلفون وهمج ويضربون أطفالهم ونساءهم، ولا يحترمون القوانين الأوروبية، كما أن الزوجات يكرهن أزواجهن.

وتنتج هذا المسلسل شركة «إيمار الشام» الخاصة برجل الأعمال المقرب من النظام، سامر فوز، وهي تعد شركة شقيقة لتلفزيون «لنا» الذي يمتلكه فوز أيضًا، وتعمل على تكريس بروباجندا النظام السوري، وتقديم دعاية للنظام، مواكبة للحداثة ومبطنة بادعاء الحيادية.

مغنو «القدود الحلبية».. حناجر منحوتة تحفظ جمال مدينة دمرتها الحرب

«رجل الثورة».. فيلم عن «إرهاب» رجال «الخوذ البيضاء»

يقوم فيلم «رجل الثورة» الذي كتبه السوري حسن يوسف، وأخرجه المخرج ذو الولاء المطلق للنظام، نجدت أنزور، بالأساس على ادعاء «فبركة» جرائم النظام السوري بضرب مواقع المعارضة بالسلاح الكيميائي، وتشويه صورة «الخوذ البيضاء».

يتحقق ذاك عبر استناد هذا الفيلم الروائي الطويل على تجربة صحافي بريطاني قرر الوصول إلى سوريا بطريقة غير شرعية، عن طريق بلدة عرسال اللبنانية، وإظهار هذا الصحفي أنه قد أتى بـ«انطباع غير حقيقي» تناقلته وسائل الإعلام الغربية عن الحرب في سوريا، ثم يصطدم – حسب الفيلم- بأن ما هو على أرض الواقع مغاير تمامًا، خاصة حقيقة رجال «الخوذ البيضاء»، فهم من وجهة نظر الفيلم المطابقة لرؤية النظام، «إرهابيون».

ويحقق المخرج غايته من الفيلم عبر انخراط الصحافي في فصائل المعارضة بغية الوصول إلى قصص وتقارير صحافية، يريد من خلالها تحقيق شهرة والحصول على جوائز. وبالفعل يجد مبتغاه في أن يكون شاهدًا على مجزرة الكيماوي المفبركة بترتيب من فصائل المعارضة و«الخوذ البيضاء»، بعدما عكف الجميع على المشاركة في التمثيل والدعاية وقتل الأبناء، فقط من أجل اتهام النظام السوري، بحسب الفيلم.

الفيلم الذي أنتجته المؤسسة العامة للسينما برعاية شركة «سيريتل»؛ تزامن عرضه مع تعرض سكان الغوطة لهجمات بغاز الكلور السام. وسبق أن أخرج أنزور فيلمًا عن معركة سجن حلب المركزي حمل اسم «رد القضاء» عام 2016، وأبرز الفيلم المعتقلين السوريين نادمين على محاربة النظام، وأنه قد غرر بهم، وهم مستعدون للتكفير عن ذنبهم بالقتال إلى جانب قوات النظام.

وأخرج أنزور أيضًا مسلسل «وحدن» في نهاية عام 2017، في إحدى قرى محافظة السويداء، والذي تناول حياة عائلة عانت من الحرب عبر استثمار معاناة المدنيين السوريين؛ ليخدم رواية النظام عن «المؤامرة الكونية».

«عن الآباء والأبناء».. كل المعارضة السورية في «التطرف» سواء!

تدور كاميرا فيلم وثائقي سوري حتى تثبت على مشهد لأطفال يركبون قنبلة يدوية من مواد منزلية، ثم يحاولون تفجير القنبلة أكثر من مرة حتى تنفجر بالفعل، علاوة على حوار بين أحد الأطفال وأبيه؛ لإظهار أن هؤلاء على دراية بصناعة القنابل الكيماوية.

نجح المخرج في هذا المشهد وغيره في تصوير «العنف الجهادي» في هذا المجتمع، الذي يُحسب على المعارضة السورية في الشمال السوري، دون أن يشغله مصير الأطفال في حال خروج الأمور عن السيطرة، وهو الهدف الذي حققه أيضًا في كثرة تركيزه على مشاهد الشجار بين الأطفال؛ لتأكيد ثقافة العنف في تلك البيئة، عبر زَجّ مظاهر تدريب الأطفال في تدريبات عسكرية متعددة.

هذا المشهد من مشاهد فيلم «عن الآباء والأبناء» الذي أخرجه السوري طلال ديركي، وهو مخرج فيلم «العودة إلى حمص»، الذي شارك فيه الناشط الإعلامي أسامة الهبالي الذي أصيب ثم اعتقله النظام، ولم ينصع المخرج آنذاك لمطالب ذوي أسامة بعدم عرض الفيلم حتى لا يكون دليل إدانة على أسامة؛ إلا أن الفيلم عُرض وقتل أسامة تحت التعذيب، كما أوضحت شقيقته لـ«ساسة بوست» في تقرير سابق.

في فيلم «عن الآباء والأبناء» وهو إنتاج سوري ألماني لبناني مشترك مدته 99 دقيقة، تمكن ديركي من خداع عائلة بسيطة تقطن في منطقة صحراوية نائية في الشمال السوري، تقع تحت سيطرة «هيئة تحرير الشام» – جبهة النصرة سابقًا- بأنه مصور موال للفكر الجهادي، إذ قال: «قدمت نفسي مصورًا حربيًا وادّعيت حبي للجهاد والجهاديين حتى لا أكون عرضة للخطف والتصفية».

يعيل الأسرة سابقة الذكر رجل يكنى بـ«أبي أسامة» لديه ثمانية أبناء، ويعمل على تفكيك الألغام التي زرعتها قوات النظام السوري، واستضافت تلك العائلة وغيرها، ديركي، ليتمكن المخرج من إظهار كافة تفاصيل العيش في مناطق هذا التنظيم مثل الأكل باليدين، والقنص، وانفجار لغم برب الأسرة أدى إلى بتر بساقه.

وتتوافق رؤية هذا الفيلم مع ما تنتجه الإمارات من أعمال درامية سورية تهدف للقدح في الإسلام السياسي، فقد أنتجت الإمارات هذا العام مسلسل «الحلاج» السوري الذي ركز على الخلافات والصراعات بين التيار المتطرّف والمتشدّد من جهة؛ وتيار الإسلام المعتدل وفق الرؤية الإماراتية من جهةٍ ثانية.

وكذلك مسلسل «مقامات العشق» الذي روج لفكرة أن الإسلام المعتدل هو زهد وعبادة وتقرّب من الله فقط، وعدم تدخل في السياسة، ويجرى بشكل عام إنتاج الأعمال السورية بما يتوافق مع رؤية النظام السوري، بجهد من رجل الأعمال السوري المقيم في الإمارات سامر الفوز، كما أسلفنا.

«حلمنا المسروق».. الاستثمار في نقد الانتفاضة السورية

خلال 50 دقيقة، عرضت المخرجة السوريّة بيسان أبو حامد فيلمها التسجيلي «حلمنا المسروق» على قناة «الميادين» اللبنانية الموالية لـ«حزب الله اللبناني»؛ لتتخلى القناة بعرضها الفيلم عن فكرتها في عدم الاعتراف بالانتفاضة السورية مقابل إحداث شرخ سوري- سوري.

تحقق ذلك حين سلط الفيلم الضوء على مواقف شخصيات محسوبة على «الانتفاضة السورية»، أرادت أن توكد على سرقة تلك الانتفاضة من قبل الإسلاميين المتطرفين وغير المتطرفين ومن المسلحين، فالفيلم الذي صور باحترافية، وبإخراج فني قوي أظهر الثوار نادمين على المشاركة في الانتفاضة، حين ارتكزت المخرجة على تجارب ستة ناشطين معارضين تمكنوا من اللجوء إلى عدة مناطق في العالم، وإبرازهم على أنهم ساخطون من واقع الانتفاضة نتيجة ما وصفوه بـ«هيمنة التطرّف على المشهد».

وفيما كان هدف هؤلاء الحديث عن سلبيات الانتفاضة لنقدها لا أكثر؛ اجتزأت القناة تصريحاتهم بشكل يخدم أهدافها في تشويه صورة الانتفاضة، عبر تحميل مسئولية الجرائم للثورة، وإظهارها سببًا رئيسيًّا للتطرف وتحويل المعتقلين إلى متطرفين.

بل الأدهى أنه في أحد المشاهد التي تناولت عمليات الاعتقال من قبل قوات النظام، الذي قتل في سجونه مئات الآلاف من المدنيين، ظهر هذا الاعتقال كأنه «نزهة سياحية»، في مقابل ظهور وحشية كبيرة ضد المعتقلين في سجون المعارضة، بل تصوير فرصة النجاة من هذه السجون على أنها مستحيلة.

يقول الشاعر السوري نائل الحريري عن الفيلم: «لم تعرض كلمة واحدة عن أسباب تحول هذا الواقع وتغير مسار الانتفاضة. وزاد في الطنبور نغمًا تركيب صوت هؤلاء الناشطين (السلميين) على مقاطع فيديو لكتائب مسلحة مختلفة، إسلامية وغير إسلامية، في رسائل غير مبطنة تستهدف لا وعي المتلقي.

لم تستخلص بيسان من هذه الساعات الطويلة سوى الإيحاء بأن هؤلاء الشباب (واهمون)، وربما (نادمون)، مع التوكيد البصري على أن مستقبلهم المعيشي قد تناثر في مهب الريح وفق رأي عدستها».

ويضيف نائل في مقاله «الميادين وفيلمنا المسروق»: «في محاولة للاصطفاف في أقصى اليمين المتطرف، بعد أن كرس هذا العمل كل جهده لتأكيد العداء في ما بين السوريين بسبب رأيهم، وأكد أن مخرجة موالية لا يمكن أن تعترف بأي معارض ولو كان من أصدقائها».

الفيلم أهم من حياة الإنسان! مخرجون ضحوا بنشطاء من أجل «الصورة الحلوة»

المصادر

تحميل المزيد