default-avatar
زهراء مجدى

10

default-avatarزهراء مجدى

10

596

أراد كاندنسكي أن يجعل رسوماته أكثر شبهًا بالموسيقى، وأكثر تجريدًا. وتمنّى أيضًا أن يستمع جمهوره إلى صوت لوحاته. * جيمي وارد. عالم الأعصاب بجامعة لندن.

صُنِّف كاندنسكي باعتباره أول فنان تجريدي عرفه العالم. وآمن كاندنسكي بوجود رابط وثيق بين الموسيقى والألوان، حتى إنّه ربط كل نوتة موسيقية بطيفٍ معيّنٍ من الألوان. ولقد رأى كاندنسكي هذا الرابط بين الموسيقى والصورة جليًا، وأراد للعالم أن يراه بنفس الوضوح. هذه كانت مهمته الرئيسة.

وُلد فاسيلي كاندنسكي في موسكو عام 1866 لأسرة من الطبقة العليا للعاصمة الروسية. وكان أبواه من خلفيات إثنية مختلفة، حيث وُلد أبوه في منغوليا، بينما وُلدت أمه في موسكو العاصمة. قضى كاندينسكي معظم فترات طفولته في أوديسا، وهي مدينة متنوعة الأعراق، فقد سكنها مزيج من السكان الأوروبيين الغربيين، وسكان من بلاد البحر المتوسط مع سكان ينحدرون من مجموعات إثنية مختلفة. لم تكن تلك البيئة الثقافية الثرية هي أكثر ما ميز طفولة كاندينسكي، لكن حساسيته المفرطة تجاه المحفزات الصوتية والألوان كانت كذلك.

قد لا تبدو المرحلة الدراسية لكاندينسكي معبرة عن الطفولة التي عاشها، فقد اهتم والده برعاية الموهبة التي لاحظها في طفله، وسعى جاهدًا لتدعيم الحس الفني لدى كاندينسكي، فأحضر له مدرسًا خاصًا لتعليم الرسم، كما اهتمّ أن يتعلَّم طفله البيانو والتشيلو. وعلى الرغم من تلك التربية، التحق كاندينسكي بجامعة موسكو لدراسة القانون والإثنوجرافيا والاقتصاد.

حدث غيَّر مسار الفن


بينما يتجول كاندينسكي في أحد المعارض الخاصة ببعض الفنانين الفرنسيين عام 1895 في موسكو، أعجب بمجموعة من اللوحات الخاصة بالفنان الفرنسي الشهير كلود مونيه. تلك اللوحات التي سماها مونيه «أكوام التبن» كانت بداية من سلسلة رسومات بدأها مونيه عام 1991، ورسم فيها أشكالًا بديعة من أكوام القمح والشعير والشوفان في فصول السنة المختلفة.

أدهشت لوحات مونيه العالم بالطبيعة الجميلة مع عناصر مبدعة من الألوان التي غلبت عليها الألوان الساطعة والزخارف، وامتزج فيها اللون الأخضر لأعشاب الصيف مع الأزرق الثلجي واللون البرتقالي لأشعة الشمس الأولى لحظة الشروق. افتتن كاندينسكي بتلك اللوحة.
لم يتوقّف كاندينسكي عن التفكير في تلك اللوحة، فكتب عنها لاحقًا: «علمت من الكتالوج أنها لوحة لكومة من القش. لم أكن لأدركها، عدم قدرتي على إدراكها كان أمرًا مؤلمًا لي. اعتبرت أن الرسام ليس له الحق في الرسم بشكل غير واضح، كنت مخدوعًا عندما اعتبرت أن اللوحة ليس لها موضوع. لقد لاحظت بدهشة أن اللوحة لم تجذبني إليها فقط، لكنها طبعت نفسها على ذاكرتي أيضًا».
بعد هذه اللحظة، فاضت روح كاندينسكي بمعنى الفن، وأدرك كيف يمكن أن تتجلّى كل المعاني في العالم خلال لوحة واحدة. ولقد قرّر كاندينسكي نقل كل ما يعتريه من المشاعر والانفعالات العميقة إلى العالم من خلال لغة بصرية من الرسومات والألوان تتجاوز كل الحدود المادية والثقافية. لقد تغيرت حياة كاندينسكي للأبد.

سماع الألوان!

تجربة فريدة ومدهشة خاضها كاندينسكي عندما كان يحضر الأوبرا في مسرح البلشوي. كان عرضًا لريتشارد فاجنر اسمه لوهينجرين وهو أحد أشهر العروض التي قدمها فاجنر. شعر كاندينسكي بترافق مدهش بين حاستي السمع والرؤية لديه. كانت هذه المرة الأولى التي يعتريه فيها ذلك الإحساس. هذه اللحظة دفعت كاندينسكي لترك دراسته في القانون ليدرس الرسم في أكاديمية ميونيخ المرموقة للفنون الجميلة. عبَّر كاندينسكي عن هذه اللحظة لاحقًا وقال: «رأيت كل الألوان في روحي قبل أن تراها عيني».

لم تكن حالة كاندينسكي معروفة في ذلك الوقت، وربما لم يتم فهمها على الشكل الأمثل. كاندينسكي أراد أن ينقل ما شعر به في تلك اللحظة. أن يؤدي سماعك لأحد الأصوات إلى تراقص الألوان أمام عينيك، أو أن تعصف أنفك مجموعة من الروائح عندما تسمع صوتًا معينًا.

كان تنظير كاندينسكي لتلك التأثيرات أحد أهم إسهاماته الفنية على الإطلاق، فلم يكتفِ كاندينسكي بلوحاته فقط في إظهار تلك المشاعر والانفعالات. ففي حديثه عن الجوانب الروحانية في الفن، قال كاندينسكي إنّ الفن قادر على إثارة مزيج متفاعل من المشاعر الإنسانية، وكذلك الاستجابات المختلفة نفسيًا وجسديًا وعاطفيًا. واعتبرت أطروحته تلك هي الأساس النظري الأول للفن التجريدي.

هل يسمع الأشخاص العاديون صوت الألوان؟

توثيق كاندينسكي لهذه الحالة دفع بعض العلماء المختصين في علوم الأعصاب إلى تسليط المزيد من الضوء على هذه الظاهرة، وطرح المزيد من الأسئلة عن أسبابها ونسبة الأشخاص الذين يشعرون بها، وهل هي متماثلة عند كل من يشعرون بها أم أنها متنوعة بشكل ما.

اهتمّ الدكتور جيمي وارد بهذه القضية، لقد أثارته فكرة تداخل الحواس بهذا الشكل، أن يتذوق أحدهم الموسيقى، أو يرى الأصوات ويسمع الصور. قام الدكتور وارد بمجموعة من التجارب العلمية، وسأل خلالها مجموعة ممن يمتلكون نفس الشعور أو الحالة التي وصفها كاندينسكي، أن يرسموا ويشرحوا التجارب البصرية التي يشعرون بها عند سماعهم الموسيقى التي عزفتها أوركسترا لندن الجديدة. كما طلب من مجموعة من نفس العدد لكنهم ليسوا ممن يمتلكون تلك الظاهرة أو يشعرون بها أن يفعلوا نفس الأمر.

حول نفس الموضوع، تمّ صناعة مجموعة من أفلام الصور المتحركة، من قبل صانع الأفلام «سام مور» في جامعة ولفرهامبتون، وتم عرضها على مجموعات من زوار متحف لندن للعلوم. عرضت 100 صورة على مجموعة من 200 شخص تم سؤالهم لاختيار الصور التي تعبر بشكل أفضل عن الموسيقى. اختار الأشخاص الذين عرضت عليهم الصور تلك الصور التي رسمها أشخاص لديهم تلك الحالة التي شرحها كاندينسكي. تظهر تلك النتائج أنه حتى لو لم يمتلك الشخص ميزة امتلاك هذه الحالة الفريدة إلا أن معظم الناس قادرون على الشعور بهذه الحالة واختيار الصور الصحيحة.

سميت هذه الظاهرة التي اختبرها كاندينسيكي «الحسّ المرافق»  أو« سينثيسيا» وهي كلمة ذات أصول إغريقية. هي حالة نادرة من حيث عدد الأشخاص الذين يختبرونها لكنّها حقيقيّة تمامًا، ويشعر أصحاب الحس المرافق ببعض الروائح عندما يسمعون صوتًا معيّنًا، أو يرون أشكالًا معينة عند تذوُّق أطعمة معينة. وتبلغ نسبة من يتمتّعون بظاهرة الحس المرافق شخصًا أو شخصين لكل مائة شخص.

وبعد التجارب التي قام بها، يلخص الدكتور وارد ما توصل إليه بشأن ظاهرة الحس المرافق بالإشارة إلى أنه على الرغم من تلقّينا للمعلومات عن العالم من خلال حواس مختلفة – مثل العين والأنف – فإنه وبمجرد استقبالنا لتلك المعلومات يقوم دماغنا بالربط بينها بشكل عميق ومثير للإعجاب والحيرة في نفس الوقت. هذا الترابط غير العشوائي يجعل بعض الحواس مثل الصوت والرؤية يتداخلان معًا بشكل أفضل مما يحدث عند اندماج حواس أخرى لدينا.

لماذا رسمَ كاندينسكي الموسيقى؟

اعتبر الباحثون أن الموسيقى كانت العامل الأبرز والمكون الأهم في تطور لوحات كاندينسكي التجريدية. تأثر كاندينسكي بشكلٍ كبير بالملحِّن الموسيقي الشهير أرونولد شونبرج، فكما أهمل شونبرج في ألحانه الالتزامات الخاصة بالنغمة والتناسق، تخلَّى كاندينسكي عن الشكل الكائن أو الموضوع القابل للإدراك لصالح الأشكال والخطوط والألوان التي تميل للتناقض الداخلي في لوحاته.

لقد أظهر في لوحاته اللون والخط والشكل والملمس لخلق تجارب بصرية مصنوعة الإيقاع تؤدِّي لاستجاباتٍ عاطفية متنوعة. لذا لم يكن غريبًا على كاندينسكي أن يسمي العديد من لوحاته بأسماء موسيقية مثل  Composition و Improvisation.

آمن كاندينسكي أنَّ اللون قادر على صناعة التواصل الداخلي للمشاهدين مع أرواحهم. اعتقد كذلك برمزية بعض الألوان والاستجابات التي يمكن أن تحدثها في نفس المشاهد. اعتقد كاندينسكي بأن اللون الأصفر مثلًا يضفي نوعًا من الإزعاج، في حين يثير الأزرق أشكالًا من التطلعات والتجليات الروحية. استخدم كاندينسكي تلك الاستجابات التي تثيرها الألوان بالنفس في صناعة لغة يفهمها أغلب الناس من لوحاته، كنوع من التواصل بينه وبين العالم. حتى وإن لم تفهم لوحة كاندينسكي فإنك سوف تخرج بشعور معين أراده كاندينسكي أن يثار بداخلك. هذه نقطة القوة في أعماله الخالدة.

أشهر أعماله.. في المزج بين الموسيقى والألوان

قدم كاندينسكي من خلال أعماله وفنّه منظورًا غير موضوعي للفن التجريدي كأساس مرئي مثالي للتعبير عن الأفكار والضرورات الداخلية للفنان، ولنقل المشاعر والانفعالات والأفكار التي تعتري الإنسان. بالنسبة إليه كان هذا النوع من الفن ضرورة، لغايات مختلفة تصب جميعها في مصلحة المجتمع البشري وجعله أفضل، فقام بمشاركة منظوره هذا مع العالم.

على مدار حياته العملية التي بدأها في عمرٍ متأخِّر نسبيًّا عندما كان في الثلاثين من عمره، قدم كاندينسكي مجموعة متنوعة وكبيرة من اللوحات الرائعة، فيما يلي خمس من تلك اللوحات الأكثر شهرة:

على الأبيض 2.. إنتاج 1923

اعتبرت هذه اللوحة من المعالم الأكثر أهمية للفن الحديث في القرن الماضي. تبرز اللوحة أشكالًا هندسية مختلفة في نظام ألوان متنوِّع بين الألوان الداكنة والساطعة. وقيل إن هذه اللوحة تمثِّل فرص الحياة، مع لونٍ أسود لتمثيل الموت. وقد يعبِّر الأبيض بدوره أيضًا عن السلام بينما يعبر الأسود عن العدم. تعتبر لوحة «على الأبيض 2» من أكثر لوحات كاندينسكي شهرة.

الجبل الأزرق.. إنتاج 1908-1909

في لوحة الجبل الأزرق، يقدم كاندينسكي جبلًا أزرق، مؤطرًا بأشجار حمراء وصفراء على الجانبين. في مقدمة اللوحة، يعبر الفرسان المشهد فوق ظهور الخيل. قيل إن في هذه المرحلة كان كتاب سفر الوحي للقديس يوحنا مصدرًا أدبيًا للوحاته، ومن هنا يمكن اعتبار أن الرجال الأربعة فوق ظهور الخيل يمثلون نهاية العالم. وكما يمكن أن يمثل الانطلاق في صورة الفرسان هربًا من نهاية العالم فإنه يمكن أن يمثل أيضًا إمكانية الخلاص.

دوائر متعددة..1926

ليس من الغريب رؤية لوحات لكاندينسكي يقدم فيها أعمالًا تتضمن أشكالًا هندسية. ووفقًا له تعتبر الدائرة مثلًا إمكانية للجمع بين أكبر وأشد المتعارضات. فهذه اللوحة تقدم الدوائر متحدة المركز وأخرى غريبة الأطوار ومتداخلة في توازن متسق. جاءت هذه اللوحة مع دوائرها المتداخلة وألوانها الكونية لتعبر عن اهتمام كاندينسكي بالمعاني الرمزية للدائرة في فلسفته.

الفارس.. 1911

تشبه لوحة الفارس من زاوية ما لوحة الجبل الأزرق. قد يبدو هنا الحصان والفارس أكثر وضوحًا، يحتلان مساحة أكبر وتسليط الأضواء أكثر عليهما. تختلف هذه اللوحة أيضًا عن الجبل الأزرق في تمثيل كاندينسكي للحصان والفارس في هيئة خطوط وألوان دون التفاصيل الصغيرة. تعتبر هذه اللوحة من الأعمال الأقل تجريدًا لكاندينسكي في تلك الفترة، لكنها لا تخلو، على الرغم من ذلك، من القوة والطاقة على مستوى الألوان والانفعالات التي تنتجها.

أصفر- أحمر- أزرق.. 1925

تمثل لوحة «أصفر-أحمر-أزرق» سيمفونية مهمة لكاندينسكي تأثر خلالها بالمدرسة الفنية الألمانية التي كان ينتمي إليها في ذلك الوقت وهي« Bauhaus- بوهوس»، كما لا تخلو اللوحة أيضًا من تأثر بمدرسة فنية أخرى روسية وهي « Suprematism- سوبرماتيزم»، وكانت تلك المدرسة تقدم تمثيلات رمزية خاصة للأشكال الهندسية الأساسية مع مجموعة محددة من الألوان.
طالع مجموعات أخرى من لوحات كاندينسكي الأشهر من هنا وهنا وهنا.

حلم لم يكتمل

شكَّلت الإسهامات النظرية والعملية التي قدمها كاندينسكي حجر الأساس في رسم معالم الفلسفة التي ستقوم عليها الكثير من الحركات العصرية المهتمة بالفنون فيما بعد. فكان تحليله للخصائص الحسيّة للألوان مؤثرًا بشكلٍ كبير على الكثير من الرسامين مثل «مارك روثكو» وغيره الكثيرون. لقد تأثر بعمله أيضًا الفنانون الذين ظهروا في الثمانينيات وعملوا على الظهور الجديد للتجريبية في الرسم، مثل فيليب جوستون وجوليان سنيبل. وكان كاندينسكي أول من مهد الطريق لكثير من أشكال الفن المعاصر الذي تم تقديمه في القرن العشرين.

بعد أن غادر كاندينسكي ميونيخ، التي عاش بها منذ 1911، انتقل أخيرًا إلى فرنسا بعد أن أغلق النازيون مجموعة «بوهوس» التي ينتمي إليها. كان طموح كاندينسكي الأبرز هو خلق نظرية كاملة للرسم تقوم على المساواة من حيث الأهمية بين النقاء العقلي للموسيقى والمنطق. ربما لم ينجح في تحقيق هذا الهدف في حياته بالفعل، لكن ما قام به كاندينسكي، قبل وفاته في عام 1944، من تأسيس مدرسة للفن التجريدي في فرنسا سماها «تاشيزم». بينما عرضت لوحاته عام 1939 في نيويورك بمتحف الفن الحديث، وقد ألهمت العديد من الفنانين الكبار في المدينة. لقد كانت مسيرته المليئة بالكفاح عملًا لا يمكن إنكار عظمته وتأثيره الكبير في مسيرة الفن في العصر الحديث.