كانت «الطائرات بدون طيار»، حتى سنوات قليلة مضت، مرتبطة في أذهان عامة الناس بتلك التكنولوجيا الغريبة التي تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية لقصف واستهداف مواقع وشخصيات معادية بالنسبة لها. في ذلك الوقت كان عدد من الناس يرون أن هذه التكنولوجيا نابعة من مخاوف الأمريكيين من القتال المباشر كونهم «جبناء في حقيقتهم»، على حد قول البعض.

لكن خلال الأعوام القليلة التالية، تطورت هذه الطائرات بدون طيار بشكل كبير، ولم تعد حكرًا على الولايات المتحدة، بل طورتها العديد من الدول التي تعدها الولايات المتحدة نفسها أعداء لها. وتدريجيًّا، تغيرت طبيعة الحروب في جميع أنحاء العالم، لتصبح هذه الطائرات لاعبًا رئيسيًّا تسبب في تغيير موازين القوى في كثير من المناطق.

دولي

منذ 7 شهور
«الجارديان»: كيف شقت تركيا طريقها لتصبحَ ثاني أكبر مستخدم لـ«الدرونز» عالميًّا؟

وبالطبع، كان الشرق الأوسط إحدى هذه المناطق الساخنة التي لعبت فيها هذه الطائرات دورًا مهمًّا ورئيسيًّا، بل منحت بعض الدول الإقليمية فرصة للتمدد وبسط الهيمنة والمشاركة في معارك خارج الحدود دون الحاجة لتقديم عدد من القتلى. ويبدو أن توقعات الخبراء كانت صحيحة بخصوص ظهور سباق تسلح جديد في منطقة الشرق الأوسط نتيجة ظهور هذه الطائرات وانتشارها.

كان للطائرات بدون طيار تأثير بالغ في تغيير شكل الحرب الحديثة بالفعل؛ لكننا سنركز في السطور التالية على الكيفية التي غيرت بها هذه الطائرات معادلات القوى في منطقة الشرق الأوسط.

طائرات «بيرقدار» المُسيَّرة.. التمدد التركي الفتَّاك

تحولت تركيا مؤخرًا إلى لاعب رئيسي في منطقة الشرق الأوسط ليس فقط سياسيًّا، ولكن عسكريًّا أيضًا. هذا الأمر يلاحظ في تدخلاتها في سوريا ثم ليبيا، امتدادًا حتى إلى أذربيجان. إحدى كلمات السر الأساسية هنا هي طائرات «بيرقدار» المُسيرة، التي قلب موازين القوى كثيرًا لصالح الأتراك. إذ أصبحت تركيا واحدة من الدول الرائدة عالميًّا في تكنولوجيا الطائرات المسيرة المسلحة.

وجاء تقرير لصحيفة «دي فيلت» الألمانية بعنوان «طائرات تي بي 2 التركية تحقق ثورة في الحروب»، ليؤكد هذا. فقد رأت الصحيفة أن استراتيجية تركيا باستخدام هذا النوع من طائرات «بيرقدار» بكثافة وفاعلية نجحت في تغيير موازين القوى العسكرية في الشرق الأوسط لصالح أنقرة بشكل ملحوظ. خصوصًا وأن التقرير وصف الطائرات التركية بـ«الفتاكة» ورخيصة الثمن. فبينما تبلغ تكلفة طائرة أمريكية واحدة من طراز «إم كيو 9 ريبر» 16 مليون دولار، تبلغ تكلفة بيرقدار التركية 6 ملايين دولار فقط.

هذه الطائرة التركية تستطيع – مثل نظيرتها الأمريكية «إم كيو 9 ريبر» – التحليق لأكثر من 24 ساعة في الجو، ورصد الأهداف وقصفها. وهي طائرات لا تخطئ الهدف، وتملك صواريخ من طراز «إم أي إم-إل» الصغيرة، التي يمكن التحكم فيها، والقادرة على اختراق الدروع.

وأثبتت هذه الطائرات فشل الدفاعات الجوية الروسية في ثلاثة أماكن. ففي سوريا، تحولت هذه الطائرات لقوة جوية كبيرة، وتمكنت من استهداف قوات النظام السوري المدعوم روسيًّا في معركة إدلب مطلع العام الحالي. وفي ليبيا، نجحت هذه الطائرات في قلب موازين القوى على الأرض لصالح قوات حكومة الوفاق الليبي المدعومة تركيًّا على حساب قوات اللواء الليبي المنشق، خليفة حفتر، وكبدت منظومات الدفاع الجوي الروسي خسائر واسعة.

وأخيرًا، أثبتت المنظومات الدفاعية روسية الصنع، فشلها في ساحة مواجهة جديدة أمام الطائرات المسيرة التركية، عندما عادت المسيرات التركية لتدمير المنظومات الدفاعية الروسية التابعة لأرمينيا، خلال المعارك المندلعة بين الجيشين الأذري والأرميني في إقليم كاراباخ المتنازع عليه، والدائرة حاليًا.

وبسببب مزاياها السابقة، أصبح بإمكان الدول الأقل ثراء تحدي القوى العسكرية الكبرى. لذلك أقبلت دول على شراء الطائرات التركية، مثل أوكرانيا التي أبرمت اتفاقية لشراء 12 طائرة بيرقدار، جرى تسليم ستة منها. هذا جعل تركيا تتحول إلى قوة عظمى في الطائرات المسيرة، بل قامت في الوقت نفسه بتسريع استخدام هذه الطائرات في العالم عمومًا، في وقت تمتلك فيه قلة قليلة من الدول طائرات مسيرة مسلحة، من بينها فرنسا والولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.

رسائل طهران الفعَّالة إلى المنطقة عبر «الطائرات بدون طيار»

أصبحت إيران أحد اللاعبين الرئيسيين في مجال «الطائرات بدون طيار» في منطقة الشرق الأوسط. ليس عبر استخدام طهران لها مباشرة فحسب، بل عبر تصديرها لأذرعها العسكرية في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن. وكانت إيران قد بدأت في تطوير طائرات بدون طيار في الثمانينيات، بشكل جزئي نتيجة لحظر الأسلحة، ولأن سلاحها الجوي كان قديمًا بشكل مؤسف.

لذلك بدأ المهندسون الإيرانيون في تصميم وبناء طائراتهم المحلية بدون طيار. لينتهى بها المطاف إلى فئتين: أنظمة متقدمة يشغلها عن بعد طيارون على الأرض، وطائرات بدون طيار أبسط من النوع الذي يرسل إلى الحوثيين.

كان أبرز استخدام إيراني لـ«طائرات بدون طيار» هي عملية استهداف معامل نفط شركة «أرامكو» السعودية العام الماضي، وهي العملية التي أعلن الحوثيون في اليمن المسؤولية عنها، رغم أن تقارير أمريكية أشارت إلى أن الطائرات انطلقت من جنوب غرب إيران. يستخدم الحوثيون هذه الطائرات بكثافة في معركتهم مع التحالف العربي بقيادة السعودية. فضربوا أهدافًا داخل السعودية، بما في ذلك خطوط أنابيب النفط والمطارات.

منطقة الشرق

منذ 5 شهور
«بيرقدار».. طائرة تركية قلبت موازين الحرب في سوريا وليبيا

تشكل هذه الطائرات بدون طيار الصغيرة التي يستخدمها الحوثيون بعض المشكلات الكبيرة للجيوش التقليدية، لأنه – وفقًا للخبراء – يصعب إيقافها لأنها لا تظهر بوضوح على شاشات الرادار. نحن نتحدث عن تصميم تكنولوجي بسيط لطائرة تحمل متفجرات في مقدمتها ومروحة في المؤخرة. وباستخدام برنامج تحديد مواقع (GPS)، يمكن لهذه الطائرات التنقل عبر الثغرات في الدفاعات الجوية.

في سوريا، استخدمت إيران عبر ميليشياتها، الطائرات بدون طيار في استهداف قوات تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، والمنافسين من الميليشيات المسلحة الكثيرة التي وجدت في سوريا خلال فترة الحرب الأهلية.

واستخدم الجيش الإيراني أيضًا طائرات بدون طيار ضد المعارضين الأكراد، وكذلك في عمليات مشتركة في الخليج العربي، وخليج عمان. وأرسلت طهران طائرات مسيرة مسلحة إلى المجال الجوي الإسرائيلي في فبراير (شباط) 2018، كما نشرت سربًا من «الطائرات بدون طيار القاتلة» في محاولة لضرب إسرائيل في أغسطس (آب) 2019.

ورغم إسقاط الطائرة التي دخلت المجال الجوي الإسرائيلي عام 2018، وإحباط غارة الطائرات بدون طيار الإيرانية عام 2019 بهجوم إسرائيلي على أهداف داخل سوريا؛ فإن هذا الأمر مثل تغيرًا في معادلة المعارك بين إيران وإسرائيل.

طائرات «حماس» بدون طيار.. مواجهة مختلفة مع إسرائيل

تغيرت في السنوات الأخيرة سبل المواجهة بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وإسرائيل. لم تعد المواجهة قاصرة على قصف مستوطنات غلاف غزة برشقات صاروخية محلية الصنع، بل دخلت الطائرات المسيرة على خط العمليات العسكرية بين الطرفين، وأجرت طائرات حماس مهمات استطلاعية عدة ناجحة إلى حد ما.

واعترفت تل أبيب صراحة بانطلاق هذه الطائرات بالفعل، بل أعلن الجيش الإسرائيلي أنَّه يجري فحوصات على طائرة مسيرة أسقطها في منطقة مستوطنات الغلاف سابقًا. ورغم أن عددًا كبيرًا من الطائرات المسيرة قد أسقطتها إسرائيل بالفعل، فإن امتلاك حماس لهذه التكنولوجيا التي كانت قاصرة على تل أبيب فقط؛ يعد تغيرًا كبيرًا في مسار المعركة بين الطرفين.

وظهرت الطائرات المسيرة في غزة لأول مرة في فبراير 2016، وصنعتها حماس بمساعدة التونسي الراحل، محمد الزواري، الذي دخل القطاع من الأنفاق الحدودية بين غزة ومصر، وأظهرت فيديوهات نشرتها كتائب القسام الجناح العسكري لحماس، مقاطع للزواري وهو يعمل في تصنيع الطائرات المسيرة داخل قطاع غزة وإطلاقها.

وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن بداية هذا العام، النقاب عن تفاصيل سقوط طائرة إسرائيلية بدون طيار في قطاع غزة، قبل أن تصلحها حركة حماس، وتستخدمها لاحقًا في استهداف دبابة إسرائيلية العام الماضي.

وجود طائرات مسيرة في غزة يثير قلقًا كبيرًا لدى إسرائيل، التي تسعى فعليًّا إلى تطوير سلاح لمواجهتها، وتظهر تخوفات واضحة من جراء هذه الطائرات. وتعد الطائرات المسيرة سلاح المواجهة الاستراتيجي الجديد بين غزة وإسرائيل، خصوصًا بعد استئناف بناء الجدار العازل على طول الحدود مع القطاع، والذي يعمل على حجب رؤية حماس لتحركات الجيش الإسرائيلي.

سماء العراق  مفتوحة بلا رادع أمام «الطائرات بدون طيار»!

أما في العراق، فقد تحولت سماؤها لساحة مفتوحة لكل الأطراف عبر استخدام مختلف أنواع الطائرات المسيرة. وشهد العراق هذا العام خرقًا أمنيًّا كبيرًا عندما سقطت طائرة من دون طيار، بالقرب من منزل الرئيس العراقي، برهم صالح، بالمنطقة الخضراء في العاصمة العراقية بغداد. وهو ما سلط الضوء على السماء المفتوحة بلا رادع.

واعتاد العراقيون رؤية الطائرات المسيرة، وزاد عددها بوضوح، خصوصًا أن أكثر من جهة باتت تستوردها وتصنعها وتستخدمها دون رقابة. أبرز هذه الجهات هي الفصائل الشيعية المسلحة الموالية لإيران، والتي أمدتها طهران في معركتها ضد تنظيم «داعش»، بالطائرات المسيرة، التي عملت في تطويرها، حتى باتت قادرة على حمل صواريخ ومواد متفجرة.

وذكر عراقيون أن الفصائل المسلحة الموالية لإيران تلقت العديد من التدريبات ليس فقط على استخدام الطائرات من دون طيار، بل حتى على كيفية تطويرها داخل العراق. الآن، تستخدم هذه الجماعات الطائرات دون طيار بغرض رصد السفارة الأمريكية وتصوير محيطها والقواعد الأمريكية بالعراق، مما يمثل تهديدًا كبيرًا لها في معركة إيران لإخراج القوات الأمريكية من العراق.

في المقابل، تستخدم قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، الطائرات من دون طيار، لضرب هذه الفصائل. بل دخلت إسرائيل على الخط، عندما شهدت مخازن سلاح تابعة لفصائل شيعية العام الماضي، العديد من الهجمات بطائرات من دون طيار، قيل إنها إسرائيلية.

لا يقتصر استخدام هذه الطائرات على الفصائل المسلحة فقط، فمنذ عام 2014، استخدم تنظيم داعش في العراق الطائرات المسيرة، في ضرب مواقع القوات العراقية وعمليات الاستطلاع لتسهيل دخول مقاتليه على الحدود العراقية السورية وخروجهم. وحتى الآن ما يزال «داعش» يستخدم الطائرات المسيرة، بالأخص في محافظة الأنبار، لتهريب المخدرات على الحدود، أو الاستطلاع عن أماكن وجود القوات الأمنية.

المصادر

تحميل المزيد