تطورت الصناعات العسكرية في الآونة الأخيرة بصورة مذهلة، برًا وبحرًا وجوًا. ومن بين تلك الصناعات التي تعكس هذا التطور التقني الهائل ما تعرف باسم الطائرات المسيرة. ولا يكاد يمر يوم حتى تسمع عن إحداها قصفت مكانًا أو استهدفت موقعًا أو صورت منطقة أو حتى تم إسقاطها. لقد باتت من بين أهم الأدوات واسعة الاستخدام أينما وليت وجهك. إنها الطائرة بدون طيار أو المُسَيَّرة أو الزنانة، التي تعد واحدة من أهم ما صنع الإنسان في العصر الحديث.

«نيويورك تايمز»: صحافة «الدرونز».. كيف غيرت هذه الطائرات مستقبل القصة الخبرية؟

بداية الطائرات المسيرة.. خطوات صغيرة مهَّدت لاختراقات كبيرة

ابتكر الأخوان جاك ولويس بريجو، بالتعاون مع العالم تشارلز ريشيت الحائز على «جائزة نوبل»، أول «كوادكوبتر» أو «ذات المراوح الأربع» في العالم في عام 1907، وعلى الرغم من أنها كانت اختراعًا مثيرًا بلا شك، إلا أنها كان يشوبها بعض القصور، كونها غير قابلة للتوجيه وتحتاج لأربعة رجال لتثبيتها وإطلاقها، ولم ترتفع عن الأرض في رحلتها الأولى سوى لقدمين فقط.

بعد 16 عامًا فقط من رحلة «كيتي هوك» الرائدة التي أطلقها الأخوان رايت، أصبحت طائرة «روستون بروكتور إيريال تارجت (Ruston Proctor Aerial Target)» أول طائرة مجنحة بدون طيار في التاريخ، ورغم أنها لم تستخدم في أي معارك إلا أنها فتحت الباب لمشاريع مماثلة، فقد بدأ الجيش الأمريكي بنجاح في تطوير النموذج وأنتج طائرة «كيترينج باج (KetteringBug)» المذهلة، في يناير (كانون الثاني) 1918، لكن الحرب انتهت قبل إمكانية تطويرها. 

الطائرات المسيرة

خلال فترة ما بين الحربين استمر تطوير واختبار الطائرات المسيرة، وفي عام 1935 أنتج البريطانيون عددًا من الطائرات التي يتم التحكم فيها عن بُعد لاستخدامها لأغراض التدريب. ويُعتقد أن مصطلح «بدون طيار» بدأ استخدامه في هذا الوقت، وهو مستوحى من اسم أحد هذه النماذج، وهو «كوين بي (DH.82B Queen Bee)». وتم تصنيع الطائرات المسيرة التي يتم التحكم فيها باللاسلكي أيضًا في الولايات المتحدة واستخدمت في أعمال التدريب.

وفي عام 1943، تم تصميم «فريتز إكس (Fritz X)» لاستخدامها من قبل الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، وكان يطلق عليها اسم «أف إكس 1400» (FX-1400)»، وهو أول سلاح يتم التحكم فيه عن بعد تم استخدامه فعليًا. 

تم نشر طائرات استطلاع مسيرة لأول مرة على نطاق واسع في حرب فيتنام، كما بدأت استخدام الطائرات المسيرة في مجموعة من الأدوار الجديدة، مثل العمل باعتبارها أفخاخًا في القتال، وإطلاق صواريخ ضد أهداف ثابتة وإسقاط منشورات باعتبار ذلك جزءًا من الحرب النفسية.

في أعقاب حرب فيتنام، بدأت بلدان أخرى خارج بريطانيا والولايات المتحدة في استكشاف التكنولوجيا الجوية الروبوتية، وأصبحت النماذج الجديدة أكثر تطورًا، مع تحسين القدرة على التحمل والحفاظ على ارتفاع أكبر، وفي السنوات الأخيرة، تم تطوير نماذج تستخدم تكنولوجيا مثل الطاقة الشمسية لمعالجة مشكلة التزود بالوقود في الرحلات الطويلة.

في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) وفي عام 2001، بدأت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في توظيف الطائرات المسلحة المسيرة فوق أفغانستان باعتباره جزءًا من الحرب ضد «طالبان»، ووقعت أول عملية قتل تقوم بها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في فبراير 2002، عندما استخدمت طائرة بدون طيار من طراز «بريديتور (Predator)» لاستهداف مشتبه يعتقد أنه أسامة بن لادن. ومع ذلك، اتضح أنه رجل بريء كان يجمع الخردة المعدنية، وقد أثارت مثل هذه الحالات المخاوف بشأن استخدام الطائرات المسيرة في الحروب، والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم.

ومنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، زادت الولايات المتحدة بشكل خاص من استخدامها للطائرات بدون طيار، وهي تستخدم في الغالب للمراقبة في المناطق والأراضي التي لا يمكن للقوات الذهاب إليها بأمان. 

تطبيقات غير عسكرية.. الطائرات المسيرة تستطيع القيام بما هو أكثر من القتل

 إدراكًا لإمكانات تطبيقات الطائرات المسيرة غير العسكرية، أصدرت إدارة الطيران الفيدرالية أول تصاريح للطائرات بدون طيار في عام 2007، ورفعت هذه التصاريح بعض القيود المفروضة على الطائرات المسيرة المستخدمة لأغراض الترفيه. 

وبذلك، فتحت إمكانات جديدة للشركات أو المهنيين الذين يريدون استخدام طائرات بدون طيار في مشاريع تجارية متنوعة. في البداية، لم يكن هناك طلبات بتصاريح تجارية لطائرات بدون طيار، لكن سرعان ما ازداد الطلب.

وكان من أوائل الشركات التي سارعت للحصول على التصاريح هي شركة النفط والغاز «بريتيش بتروليوم»، وقالت إدارة الطيران الفيدرالية إن الشركة البريطانية ستستخدم الطائرة للإشراف على أنشطة الصيانة على البنية التحتية والقيام ببعض المسوحات في ألاسكا. 

Embed from Getty Images

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2013، أطلقت شركة «أمازون» حلم مؤسس الشركة «جيف بيزوس» بإمكانية تسليم البضائع إلى زبائنها عن طريق طائرة مسيرة، وقال الرئيس التنفيذي للشركة جيف بيزوس في مقابلة مع شبكة «سي بي سي» الأمريكية في البرنامج الشهير «60 دقيقة» عندما سُئل عن حلمه: «أعلم أن هذا يشبه الخيال العلمي، لكن الأمر ليس كذلك»، وقدَّر بيزوس أن الشركة على بُعد خمس سنوات من تحقيق الحُلم.

وقد تحقق لشركة «أمازون» ما أرادت بالفعل وكشفت مؤخرًا عن أحدث نسخة من طائرة التسليم بدون طيار «برايم إير»، وهي طائرة هجينة قادرة على الإقلاع والهبوط العموديين بالإضافة إلى رحلة متواصلة إلى الأمام، وتقول الشركة إنها تريد إطلاق خدمة توصيل باستخدام الطائرة بدون طيار في الأشهر المقبلة، لكنها لم تذكر أين يمكن أن يحدث ذلك أو عدد العملاء الذين قد تغطيهم.

إن التطور الهائل في قدرات واستخدامات الطائرات المسيرة لم يتوقف حتى يومنا هذا، ويقوم باحثون في سويسرا بتطوير طائرات مسيرة قادرة على تغيير شكلها أثناء الطيران، وهو ما يسمح للطائرات الدخول إلى أماكن صغيرة عبر فتحات ضيقة يصعب على البشر الدخول إليها.

وأصدرت الشركة الفرنسية «باروت» أول طائرة بدون طيار يمكن التحكم فيها بالكامل عبر شبكة اتصال لا سلكية (Wi-Fi) باستخدام هاتف ذكي، وسجلت نجاحًا منذ البداية، وحصلت على جائزة «CES Innovations»  لعام 2010.

وتضطلع الطائرات بدون طيار الآن بالعديد من الوظائف، بدءًا من مراقبة التغير المناخي وتنفيذ عمليات البحث بعد الكوارث الطبيعية والتصوير الفوتوغرافي، وحتى تسليم البضائع، لكن استخدامها الأكثر شهرة وإثارة للجدل هو في مهام الاستطلاع والمراقبة والهجمات الموجهة. 

ولم يعد امتلاك الطائرات المسيرة حكرًا على أحد، على الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الدول المصنعة لحجب تلك التقنية العالية عن الدول الأخرى، لكن السيف خرج من غمْده بالفعل، ولم يعد السؤال المطروح هو من يمتلك تلك الطائرات المسيرة؟ ولكن ما هي إمكانات طائرتك في حلبة سباق للتصنيع العسكري لا تتوقف، بل تزدهر؟

ليست كل الأخبار جيدة.. دعوات لوقف إنتاج «الإنسان الآلي القاتل»

برغم هذا التطور الكبير في هذه الصناعة، تتجدد الدعوات وتتراكم يومًا بعد يوم لحظر تطوير تلك الأسلحة، فمع سقوط ضحايا بشكل شبه يومي، والكثير منهم أبرياء، تبرز الحاجة لعلاج تلك المسألة، وقد دعت مجموعة من العلماء لحظر تطوير الأسلحة التي يتم التحكم بها بواسطة الذكاء الصناعي، ويقولون إن الأسلحة ذاتية العمل قد تواجه خللًا بطريقة غير متوقعة، وبالتالي تصيب وتقتل الأبرياء، ومهما يكن من تطور في تلك الصناعة تظل نتائجها الملموسة على الأرض والمفجعة في كثير من الأحيان جرس إنذار للمعنيين بضرورة اتخاذ ما يلزم للحد من تلك الفظائع.  

Embed from Getty Images

وكانت منظمة «هيومان رايتس ووتش» لحقوق الإنسان واحدة من 89 منظمة غير حكومية من 50 بلدًا ساهمت في تنظيم حملات تدعو إلى وقف إنتاج «الإنسان الآلي القاتل» والضغط من أجل إبرام معاهدة دولية بهذا الخصوص.

كما أن مخاطرها تنبع أيضًا من إمكانية شراء الطائرات المسيرة أو أنظمة الطائرات بدون طيار بشكل غير مكلف نسبيًا بسهولة وتشغيلها مع القليل من الرقابة التنظيمية أو حتى التوجيه اللازم للطيران بأمان.

وبطبيعة الحال لا تقتصر الطائرات المسيرة على تلك التي تقصف وتصور وتراقب، لكن حتى الأطفال وهواة امتلاك تلك الطائرات أصبح لهم نصيب وافر من تلك البضاعة الرائجة، وهناك طائرات مسيرة لا يتجاوز سعرها 100 دولار والتي يمكن أن تشبع رغبة مالكيها في قضاء وقت ممتع. 

منها قذائف الليزر والدرونز.. 5 أسلحة قدمتها أفلام الخيال العلمي ثم صارت واقعًا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد