لطالما كان الجفاف ظاهرة طبيعية تعرفها مختلف المجتمعات بين الفينة والأخرى، وكان القدماء يجدون لها حلًّا بسيطًا وسريعًا، وهو الهجرة إلى أماكن طبيعية أكثر رطوبة واخضرارًا، لكن اليوم لم يعد هذا الحل ممكنًا، ولا محيد عن مواجهة الجفاف وآثاره، الذي يزداد سوءًا مع تزايد الضغط الديموغرافي وتسارع التغيرات المناخية.

في هذا الصدد يستكشف التقرير الأممي، الصادر حديثًا والخاص بموضوع الجفاف، والبحث عن «سبل مواجهة مخاطر الجفاف حول العالم والسياسات الضرورية للحد من آثاره على حياة المجتمعات ككل»، في عالم يتجه نحو ارتفاع درجات الحرارة بمقدار درجتين مئويتين من جراء التغير المناخي، مما يستدعي خططًا طارئة لتقليل الخسائر قبل فوات الأوان.

آثار الجفاف تتجاوز الفلاحين وسكان القرى

يتجسد الجفاف في انخفاض هطول الأمطار لمدة طويلة، أو بشكل متكرر أكثر من المعتاد، مما ينتج منه آثار تراكمية تؤثر مع الوقت في حياة الناس والنظم البيئية.

وعادة ما تقلل الحكومات من تأثيرات الجفاف، بالرغم من أن أضرارها فادحة للغاية وتتسع على نطاق واسع؛ إذ تبدو ظاهرة طبيعية مرتبطة أساسًا بسكان القرى والفلاحين والمزارعين، ولا علاقة لها بالحواضر، حيث يتركز الاهتمام الحكومي، وبالتالي لا يجري الإبلاغ عن الجفاف وتتبع آثاره بشكل منهجي، علاوة على تجهيز خطط فعالة لمواجهتها.

لكن في الواقع، تتجاوز الآثار المباشرة وغير المباشرة للجفاف المجتمعات الزراعية المحلية وتمتد عبر المجتمعات والاقتصادات والنظم البيئية، وهو ما يؤثر في ملايين الأشخاص ويساهم في انعدام الأمن الغذائي والفقر وعدم المساواة.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي الجفاف إلى نقص المحاصيل الزراعية، الذي بدوره قد يؤدي إلى الغلاء، وهكذا تحدث التأثيرات المتتالية للجفاف، والتي يكون بعضها غير مرئي.

أكثر من ذلك، يعتقد الخبراء أن الجفاف ربما كان وراء انقراض مجتمعات ودفن ثقافات قديمة على مر التاريخ؛ إذ يتسبب الجفاف في نقص المياه والغذاء، مما قد يؤدي إلى الهجرة الجماعية أو الصراع للحصول على الموارد، وأزمة النيل خير مثال.

ويشير التقرير الدولي إلى أن آثار الجفاف، منذ 1998، تظهر على قرابة 1.5 مليار شخص، بخسارة اقتصادية لا تقل عن 124 مليار دولار في جميع أنحاء العالم. في الولايات المتحدة الأمريكية بلغت الخسائر حوالي 6.4 مليارات دولار سنويًّا، ونحو 9 مليارات دولار في الاتحاد الأوروبي، في حين تقدر الخسائر في الهند بنسبة 2-5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

مع ذلك، تبقى هذه التقديرات العالمية لتكاليف الجفاف مجرد حسابات جزئية فقط؛ إذ تشير دراسات الحالة الموضحة في التقرير إلى أن خسائر الجفاف الحقيقية مضاعفة عدة مرات، إن جرى احتساب الآثار المتتالية الناتجة من الجفاف بشكل غير مباشر، مثل الحرائق والاضطرابات والغلاء.

هذا ويؤثر الجفاف في الناس بشكل غير متناسب، حيث الفقراء والمهمشين في جميع أنحاء العالم لهم النصيب الأكبر من الخسارة، والذين قد يخسرون الأرواح وسبل عيشهم، أو يغرقون أكثر في مستنقع الفقر.

شمال أفريقيا والشرق الأوسط.. المنطقة الأكثر شحًّا في المياه عالميًّا

يُعدُّ الجفاف ظاهرة طبيعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ إذ إنها منطقة جافة بطبيعتها بسبب موقعها الجغرافي وظروفها المناخية، فحوالي ثلاثة أرباع المنطقة تتكون من صحاري غير ملائمة للحياة البشرية، بمتوسط ​​هطول أمطار أقل من 50 مم في السنة. أما الربع الباقي فيسوده مناخ شبه جاف، باستثناء بعض المناطق الرطبة توجد بشكل محدود على السواحل وبعض المواقع الجبلية.

وجدير بالذكر أن الجفاف تسبب في تدهور حضارات وسلالات حاكمة في تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما ولَّد هجرات جماعية ومجاعات ماحقة في المنطقة قديمًا.

ومع ذلك، تدفع التغيرات المناخية الجفاف في شمال أفريقيا والشرق الأوسط إلى أبعد الحدود، حيث ستنتشر الحرارة الشديدة عبر المزيد من الأراضي وتستمر لفترات زمنية أطول، وتتناقص موارد المياه والغذاء الشحيحة؛ مما يجعل بعض المناطق غير صالحة للعيش، ومن ثَمَّ يتولد الصراع والهجرات الجماعية.

وقد شهدت المنطقة على مدى العقود الأربعة الماضية نوبات من الجفاف، باتت أكثر انتشارًا واستمرارًا وتكرارًا، وما تخلفه من آثار اجتماعية واقتصادية وبيئية مدمرة، ومن المحتمل أن يكون هذا التحول نتيجة لتغير المناخ.

وكانت دراسة حديثة صدرت في 2019 عن معهد الموارد العالمية (WRI)، قد خَلُصت إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي المنطقة الأكثر إجهادًا مائيًّا على وجه الأرض، حيث وجد المعهد أن 12 دولة من أصل 17 دولة تعاني من الإجهاد المائي الشديد تقع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فمع أن المنطقة تحتضن حوالي 6.3% من سكان العالم، فإنها تحوز فقط 1.4% من المياه العذبة المتجددة في العالم.

ويؤثر الجفاف في هذه البقعة بشدة في إمدادات المياه والزراعة، بما في ذلك الثروة الحيوانية والغابات ومصايد الأسماك، مع عواقب وخيمة على الإمدادات الغذائية وسبل العيش، خاصة بالنسبة للطبقات الفقيرة وساكنة القرى.

وفي هذا السياق، وجد البنك الدولي أن لدى هذه المنطقة أكبر الخسائر الاقتصادية المتوقعة من ندرة المياه المرتبطة بالمناخ، مُقدرًا بخسارة سنوية بنسبة 6-14% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2050.

ومع الضغوط المزدوجة لتغير المناخ والنمو الديموغرافي، أصبح الأمن المائي والغذائي للمجتمعات الفقيرة في هذه المنطقة معرضًا للخطر بشكل متزايد، مما يستدعي وضع سياسات وطنية فعالة لمواجهة الجفاف.

الإدارة الاستباقية والتقنيات المبتكرة.. حلًّا لمواجهة الجفاف

يؤكد تقرير «GAR» الخاص عن الجفاف لسنة 2021 أنه يمكن الحد من تهديد الجفاف إلى حد كبير في المنطقة العربية وسائر العالم، من خلال «نهج خطط مستقبلية واستباقية ومبتكرة لإدارة مخاطر الجفاف، بالاعتماد على الدروس المستفادة من دراسات الحالة حول العالم».

وهو يدعو إلى التركيز بشكل أساسي على عنصر الوقاية في معالجة مشكلة الجفاف، أي التحول من نهج ردة الفعل والتفاعل مع الأزمة إلى منع حدوثها من الأساس، عبر معالجة الدوافع الجذرية للجفاف، والضعف الاجتماعي والاقتصادي، وتجنب المخاطر والتقليل منها.

وتعد زيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، إلى جانب هشاشة السكان والنظم البيئية المعرضة للجفاف، من العوامل المهمة لخطر الجفاف. وبالتالي تعد معالجة هذه الجوانب أساسية للحد من مخاطر الجفاف. وفي الوقت نفسه، يشدد التقرير على أهمية معالجة الأنشطة البشرية التي تكثف وتنشر آثار الجفاف.

البيئة

منذ شهر
البشر والكوكب في خطر! هذا ما يحدث في بحيرات المياه العذبة

كما يحث التقرير الدولي على المقاربة التشاركية بين المؤسسات والمجتمعات المحلية والخبراء والقطاع الخاص من أجل الوصول إلى حلول وقائية مقبولة تخدم المصلحة العامة، وهذا يقتضي الابتعاد عن البيروقراطية نحو الحوكمة التكيفية والتعاون وتقاسم الخبرات والمعلومات، والتواصل مع المجتمعات المحلية.

ويبقى فهم دينامية الجفاف من خلال دراسته والابتكار مفتاحي الحل لمواجهة الجفاف؛ إذ إن جمع البيانات المحلية حول هذه الظاهرة يساعد الحكومات والبلديات على وضع خطط استباقية للحد من مخاطر الجفاف. بينما تعزز الابتكارات قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الجفاف، وتشمل هذه الابتكارات تقنيات إعادة تدوير مياه الصرف الصحي، وتحلية البحار، ونظم التنقيط الفلاحية، والبذور المقاومة للجفاف، والاستثمار في البنية التحتية الخضراء.

وإذا كانت جائحة كورونا أول تهديد عالمي عاشته مجتمعاتنا في الألفية الجديدة، فإن الجفاف هو التهديد العالمي المحتمل المقبل كما تقول الأمم المتحدة، خاصة بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الجافة، ومن هنا تنبع الحاجة إلى إدارة فعالة للجفاف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد