يُفترض بأجهزة الأمن أن تلقي القبض على تجار المخدرات أو متعاطيها وتودعهم السجن من أجل تأديبهم وتهذيبهم، ولردعهم عن هذا السلوك المنحرف، لكن ماذا لو قرر أحدهم تعاطي الحشيش داخل السجن نفسه، وتحت أعين سلطات السجن أو رغمًا عنها؟ كيف سيحقق مراده بإدخال تلك السلعة الممنوعة إلى الزنزانة؟ هذا التحقيق يأخذك في رحلة تتعرف بها على تجارة  الحشيش وآليات تهريبها إلى داخل السجون في مصر.

المؤخرة مقر الحشيش والمحظورات داخل السجن

«لمدة أسبوعين أو شهر بيخلوا المساجين (تتبّرز) قدامهم عشان لو في حاجة مخبينها» * عمر

على خلفية قضية تجمهر دخل عمر (اسم مستعار) السجن المصري، ومع أن قضيته سياسية إلا أن طبيعة فترة تواجده في السجن ومخالطته للجنائيين أظهرت له عالم آخر في طريق التهريب أساسه «المؤخرة»، التي كانت وسيلة لتهريب الحشيش والمحظورات ليس في مصر فقط بل في أوروبا نفسها.

مع انتقال السجين في مصر من قسم الشرطة إلى السجن الرسمي، يمكث في مكان يُسمى «الإيراد» لمدة تصل إلى 11 يومًا فترةً انتقالية قبل مكوثه في السجن بشكل رسمي، وهي فترة عدم استقرار يختلط فيها السجناء السياسيين مع الجنائيين، من الوافدين الجدد للسجن، في مكان زنازين عادًة ما تكون ضيقة وظروفها صعبة، قد تنعدم فيها دورات المياه، بحسب عمر الذي يحكي لـ«ساسة بوست»: «أثناء التواجد في الإيراد، يُجبر السجناء الجنائيين كل يوم صباحًا على قضاء حاجتهم أمام أعين أفراد الشرطة ليس بالضرورة في دورات المياه، وإنما في الطرقات داخل السجن».

ويروي عمر الذي فضّل عدم الإفصاح عن اسمه الحقيقي، أن هذا النوع من التفتيش لا يقتصر على  فترة المكوث في الإيراد، وإنما قد يمتد لأسبوعين أو شهر يُجبر خلالها السجناء الجنائيين، خصوصًا على قضاء الحاجة أمام أعين أفراد الشرطة، ومع التفتيشات الدورية التي تطلقها إدراة السجن على السجناء، وقد لا يجد السجين حاجة للتبرز، ولكن هذا المسار إجباري، بحسب عمر الذي يوضح أن السجين الذي لا يريد قضاء حاجته وقت استدعائه، يجبر على ممارسة تمرينات رياضية لتسهيل الإخراج حتى يقضي حاجته في النهاية.

يبدو السلوك مُريبا حقًا ومثير للحيرة، ولكن الدافع ورائه هو شيوع استخدام المؤخرة لتهريب الحشيش، فخوفًا من أن يضبط تاجر الحشيش داخل السجن بكمية من الحشيش أثناء تفتيشه، يبتلع التاجر لفافة الحشيش بعد تغليفها لينجو من التفتيش ويستخرجها مع عملية الإخراج، ليتاجر في الحشيش ليس بثمنه فقط، وإنما يُضاف عليه ثمن المخاطرة الباهظ الذي قد يدفعه التاجر لتهريبه وإيصاله من مؤخرته لفم المتعاطي داخل السجن.

وقد دفع ذلك الثمن بالفعل، سجين جنائي قابله عمر وحكى له أنه ضُبط بمواد محظورة خرجت من مؤخرته أثناء محاولة تهريبها داخل السجن، ليتورط في قضية مخدرات جديدة، ويُحرم من إمكانية الخروج من السجن قبل انقضاء مدة حكمه، تلك الميزة التي يوفرها القانون المصري بالسماح بالإفراج الشرطي عن السجناء بعد قضاء نصف المدة أو ثلثيها لـ«حسن السير والسلوك» داخل السجن أثناء حبسه، والتي نادرًا ما تطبق على السجناء السياسيين في مصر.

ولفت عمر أن المؤخرة ليست فقط مقرًا لتهريب الحشيش والمواد المخدرة، وإنما يستخدمها البعض وسيلةً لتهريب أجهزة إلكترونية وهواتف محمولة، وقد تضطر بعض إدرات السجون لعمل أشعة على جسد المسجون لكشف مثل هذه المواد المهربة، بدلًا عن إجبار السجناء على قضاء حاجاتهم أمام أفراد الشرطة.

«رفع» الممنوعات داخل «الحبسخانة»

استخدام المؤخرة في تهريب الحشيش داخل السجن، أكده أيضًا تامر (اسم مستعار) الذي دخل إلى السجن هو الآخر ليؤكد طريقة بلع الحشيش واستخراجه من  المؤخرة، ويشهد على طريقة أُخرى في تخبئة الحشيش في المؤخرة، هذه الطريقة ليست من استخراج الحشيش من المؤخرة بعد بلعه في الفم، وإنما بـ«رفعه» مباشرةً في المؤخرة.

ويروي تامر لـ«ساسة بوست» أنه شاهد سجناء يتعاطوا المخدرات داخل السجن بعد إدخالها لهم «إما عن طريق زيارة أهلهم لهم في السجن وتخبئة الحشيش والمخدرات في الأكل، أو إنهم بيقدروا يجيبوها بنفسهم لما ينزلوا جلسة محكمة، وهناك «بيرفعوها» بمعنى إنهم بيحطوها في مؤخرتهم، ويفضلوا كدا لحد ما يرجعوا السجن ومش بياكلوا أي حاجة؛ بيفضلوا يشربوا سوائل لحد ما يدخلوا الحمام ويقدروا ينزلوها»

ويوضح تامر الذي فضّل عدم الإفصاح عن اسمه الحقيقي، أن المسار الثاني يحدث عادة في  «الحبسخانة» تلك الغرفة الموجودة في كل نيابة أو محكمة، ويجتمع فيها المتهمون من مختلف الأقسام والسجون، في انتظار عرضهم على النيابة أو المحكمة، وخلال مكوثهم في تلك الغرفة يمكن اسقبال زائرين من الأهل والأصدقاء، بإجراءات تفتيش أقل من تلك الموجودة في زيارة السجون؛ مما يُسهل تداول المخدرات والحشيش وبيعها وشرائها بين المتهمين أنفسهم أو المتهمين وزائريهم، ليتعاطاها المتهم بعد ذلك أو يُتاجر بها داخل السجن بحسب تامر الذي كان شاهد عيان على إحدى هذه الوقائع.

ويروي تامر شهادته «عند وجودي في الحبسخانة في انتظار إحدى جلسات العرض على النيابة, استلم أحد المتهمين شنطة طعام وشراب من أهله، قبل أن يفتت الجبنة، ويقطع علبة العصير ليخرج منها المخدرات، ثم خلع (بنطاله) فجأة أمام المتهمين، ليُخبئ المخدرات في مؤخرته».

في مصر الحشيش يتراجع لصالح «الإستروكس».. ماذا تعرف عن المخدر الجديد؟

تهريب الحشيش بالتنسيق مع الداخلية

تامر الذي شهد على تهريب الحشيش في المؤخرة داخل السجن، له تجربة أيضًا مع الحشيش خارج السجن مؤكدًا أن تنسيق تجار الحشيش والمخدرات مع أفراد من وزارة الداخلية يُمرر الحشيش دون الحاجة إلى تخبئته في ذلك المكان العميق في جسد الإنسان؛ فوزارة الداخلية التي كانت حريصة على ضبط الحشيش والمخدرات داخل السجن هي نفسها التي يسمح  أفراد منها بتمرير الحشيش خارجه بتنسيق ورشاوي مع التجار.

يحكي تامر: «أنا بروح للديلر (تاجر حشيش صغير) أقضي منه عادي وماظنش إن تهريب الحشيش عن طريق المؤخرة موجودة برة السجن؛ الديلر بيكون شغال مع تاجر والتاجر مظبط مع الداخلية، وممكن يكون الديلر أصلًا شغال لصالح حد في الداخلية، وهما عارفين كل اللي بيبيع مخدرات وبيجيبوا اللي هما عاوزينه وقت ما يحبوا» لافتًا إلى أن تهريب الحشيش عن طريق المؤخرة لو موجود خارج السجن «هيكون غالبًا عن طريق تجار ومهربين كبار مش ديلر تافه من اللي نعرفهم».

وخلال العمل على هذا التقرير حاولنا التواصل مع تاجر حشيش، ولكن تعثّر الوصول لتاجر يقبل الحديث الصحافي، ومع استمرارنا في البحث عن طبيعة تهريب الحشيش والمخدرات خارج السجن وعلاقته بالتنسيق مع الشرطة، تمكّنا من الوصول لأكثر من فيديو مصور، يؤكد ما قاله تامر بشأن تنسيق تجار المخدرات مع أفراد من وزارة  الداخلية في تمرير الحشيش، الأول على لسان تاجر حشيش يعترف ببيع الحشيش: «بسبب الظلم والقسم (قسم الشرطة) بياكل معانا»

والفيديو الثاني لشقيق تاجر مخدرات اعترف بوضوح أن أخيه تاجر في الحشيش والمخدرات ولكن بعلم أمناء شرطة ورجال مباحث من قسم السلام، وتنسيق معهم، ذكرهم بالاسم، وقال إن هؤلاء الأمناء قد اشتروا سيارات من هذه التنسيقات، وعند اكتفائهم من حصد الأموال يُبلغون عن التجار الذين نسقوا معهم سلفًا ليسلموهم إلى الشرطة.

ويحكي شقيق التاجر بالتفصيل: «لما أمناء شرطة تشغل عيل صغير في المخدرات، مش هقولك أخويا شيخ وبيصلي، حد الله، أنا أخويا باع (مخدرات) بس باع بعلم من أمناء شرطة (ذكر اسمائهم).. الأمناء دي كلها مولعهاها مخدرات؛ بمسكوا واحد عرباوي، بياخدوا المخدرات منه يدوها لأي عيل من أي حتة ويقف يبيعها، وقبل الحملة بينبهوا التجار للهرب.. وبعد ميشبع من العيل ويجيب عربية واتنين وتلاتة يسلمه».

وكرر شقيق التاجر اعترافه مرة أخرى التنسيق مع الداخلية، موجهًا رسالة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: «كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته…ارحموا الناس؛ ولا بنتكلم في سياسة البلد، عايشين زينا زي غيرنا عاملين سوست في بؤنا؛ الشعب اللي نجحك وقعدك على الكرسي اللي مكونتش تحلم بيه ده تبيعه، أنا بقولك حرام، لو هتحبسني احبسني يا عم، يا عم تعبنا ياعم».

أوروبا أيضًا تعاني

السجين الذي يتناول سيجارة الحشيش داخل السجن المصري قد يكون متأكدًا بنسبة كبيرة أنها مرّت من مؤخرة التاجر قبل أن تصل إلى فمه، أما من ترك مصر كلها وتعاطي الحشيش في أوروبا، فقد لا يتوقع ذلك المسار لسجارة الحشيش، ولكن عليه ألّا يطمئن لهذه الدرجة، فسيجارة الحشيش قد تكون مرت هي الأخرى من مؤخرة التاجر قبل أن تصل إلى فمه.

فتلوث الحشيش بالبراز هو أمر يمكن أن يحدث ليس فقط في دول العالم الثالث، وإنما في دول غربية أكثر غنى وتقدم حاظرة للحشيش، بحسب ما أكدته دراسة أوروبية حديثة خرجت للنور في أبريل (نيسان)  2019 وكشفت تلوثًا للحشيش ببراز الإنسان، لافتةً إلى مخاطر ذلك التلوث.

وأجريت الدراسة في العاصمة الإسبانية مدريد، من خلال فريق بحثي من الصيادلة من جامعة «كومبلوتنسي» في مدريد وجاءت تحت عنوان: «القنب في مدريد: الغش والتلوث» واعتمد الباحثون في دراستهم على تحليل 90 عينة حشيش تُباع في شوارع مدريد جمعوها خلال أكثر من عام،  وكشفت الدراسة أن 88.3% من الحشيش غير صالح للاستهلاك وتمثل خطرًا على الصحة العامة وفقًا لمعايير الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.

وأظهرت الدراسة أن 10% من العينة ملوثة بفطريات خطيرة تُسمى «رشاشيات» تسبب التهابات في الرئة، أما ثلاثة أرباع العينة فكانت تحتوي على بكتريا قولونية تنتقل من براز الإنسان، وتسبب الإسهال والقيء، وهو ما يُظهر تلوث غالبية الحشيش بالبراز، وهو ما فسّره خوسيه بيريز أحد الصيادلة المشاركين في الدراسة، بأن تجار الحشيش ابتلعوا لفافات الحشيش بعد تغليفها لتهريبها بعد ذلك من خلال عملية الإخراج.

ومع أن الدراسة جرت في إسبانيا، إلا أن باحثيها أكدوا ان نتائجها مشابهة لدراسة أُخرى جرت على الحشيش المباع في مقاهي هولندا وكشفت أن 80% منه ملوث بتلك البكتريا القولونية، فيما قال إيان هاميلتون، المُحاضر في مجال الصحة العقلية والإدمان في جامعة يورك: «إن تلوث الحشيش بالبراز يمكن أن يكون موجودًا أيضًا في بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وربط بين ذلك التهريب عمومًا والتلوث بالبراز، عندما قال لـ«ديلي ميل»: «إن خطر التعرض لهذا النوع من البكتيريا القولونية موجود دائمًا في سوق غير قانوني، حيث لا يتعين على بعض التجار والموردين الالتزام بأي معايير للجودة».

صرخات مكتومة.. ماذا تعرف عن اغتصاب الأطفال في السجون المصرية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد