المواد المخدرة المحرمة اليوم، من ماريجوانا، وأفيون، وكوكايين، سبق وأن كانت مقنَّنة لآلاف السنوات، إذ كانت تُستخدم لأسبابٍ طبية وروحية، ولم تكن الجرائم المتعلقة بها منتشرة إلى هذا الحد، فاستُخدمت المخدرات بصورة متزنة وفي حدود معينة، ولم تكن معدلات الإدمان كارثية كما هو الآن. الأمر الذي يجعلنا نعتقد أن السبب في تحريمها اليوم يعود لأسباب طبية أو علمية، لكن الحقيقة أن أغلب أسباب تحريمها: سياسية أو ربما «عنصرية»!

رحلة التحريم بدأتها أمريكا، عبر إنشاء قوانين تحرم تعاطيها والاتجار فيها، وشنْ حرب اجتازت الحدود، بقرار الحكومة تتبع استراتيجية تجفيف المنابع ووأدها.

تحريم تدخين الأفيون: من أجل الصينيين!

لكي نعرف لماذا أصبحت المخدرات مُحرّمة الآن في معظم دول العالم، يجب أن نرجع للوراء كثيرًا، حتى عام 1875، أو ما يُعرف بعام إصدار القانون الأول لحظر تدخين الأفيون، وتحديدًا في سان فرانسيسكو،  حيث أوكار تدخين الأفيون، وأماكن البيع والتعاطي؛ وكان القانون موجهًا ضد المهاجرين الصينيين، لاعتقاد السلطات حينها أن الصينيين يستغلون الأمريكيات في أوكار الأفيون.

صينيون في أوكار الأفيون

ومما يؤكد عنصرية هذا التحريم، أن استخدام مستحضرات الأفيون بأي صورة أخرى بما فيها الحُقن التي كان يستخدمها الرجل الأبيض، ظل مباحًا، أما التحريم فاقتصر على التدخين في الحانات، الذي كان شائعًا بين الصينيين.

بعد ذلك بـ15 عامًا، وبالتحديد في عام 1890، أصدر الكونجرس الأمريكي أول قراراته بخصوص الأفيون، وتمثل القرار في فرض ضريبة على كل من الأفيون والمورفين، ثم تبع ذلك سنّ الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة عدة قوانين بهدف السيطرة على استخدام المخدرات.

أول قوانين السيطرة هذه كانت عام 1906، وهو العام الخاص بإصدار قوانين الأغذية والمخدرات، إذ كان القانون ينص على منع تصنيع وبيع ونقل الأغذية والأدوية والمخدرات والأشربة المغشوشة، أو المسمومة، أو التي لا تحتوي على علامة تجارية، وكانت عقوبة المخالفة السجن.

 

يُحظر على ذوي البشرة السوداء شَم الكوكايين

قانون تجريم الكوكايين في أمريكا، كان أيضًا مبنيًا على أساس عنصري، فقد كان موجهًا ضد ذوي البشرة السمراء، كما كان الأفيون موجهًا ضد الصينيين، إذ شنّت الصحف حينذاك هجومًا يربط بين تعاطي ذوي البشرة السمراء للكوكايين وأعمال العنف وارتكاب الجرائم. فعلى سبيل المثال؛ كتبت نيويورك تايمز في عام 1914 «إن القتل والجنون زاد بين «سود» الطبقات الدنيا، بسبب شَم الكوكايين»، وقالت صحف أخرى إن «سود الجنوب» مدمني الكوكايين، يهاجمون النساء. لتُفرض في العام نفسه على المواد المخدرة ضريبة «الأفيون والكوكايين»، أو ما يُعرف بـ«ضريبة هاريسون».

قرار حظر عنصري آخر، ولكن هذه المرة كان من نصيب المكسيكيين، كان ذلك في بدايات عام 1920، إذ حرمت أمريكا عليهم استخدام الماريجوانا، لكي تحدّ من هجرتهم إليها.

نيكسون يحارب ذوي الأصول الأفريقية بالماريجوانا

في ستيينات القرن الماضي، كانت المخدرات تُعد في أمريكا رمزًا لتمرد الشباب، بالإضافة للعنف الاجتماعي، والمعارضة السياسية، وفي عام 1970 شن الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون، حربًا واسعة ضد المخدرات.

وفي تطور درامي سريع؛ أصدر عدة قرارات بزيادة عدد وكالات مراقبة المخدرات، وجعل كلمة السر هي الماريجوانا. فما الذي فعله نيكسون كي يحجّم أعداءه من ذوي الأصول الأفريقية والـ«الهيبيز» ويدخل إلى مجتمعاتهم ويحد نشاطهم؟

هيبيز السبعينيات.

أخبر نيكسون الكونجرس أن الإدمان أصبح خطرًا قوميًا، وجعل العامة تربط بين أصحاب البشرة السمراء والهيروين، وبين الهيبيز والماريجوانا، ثم حرّم نوعَيْ هذا المخدر بشدة، مما منح السلطات الإذن باقتحام بيوت ذوي البشرة السوداء والهيبيز، واجتماعاتهم، ثم أدخل نيكسون الماريجوانا في الجدول الأول للمخدرات، أي الفئة الأكثر تحريمًا. وبالرغم من توصية المفوضية الأوروبية بالإجماع في عام 1972، بعدم حظر الماريجوانا، والسماح بالاستخدام الشخصي، إلا أن نيكسون تجاهل هذا الاقتراح كأنه لم يكن.

وتجدر الإشارة إلى أنه في الفترة ما بين 1974 إلى 1977 ألغت سبع ولايات تجريم حيازة الماريجوانا، وفي يناير (كانون الثاني) عام 1977، بدأ الرئيس الأمريكي جيمي كارتر حملة تضمنت إلغاء حظر الماريجوانا، وفي أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، صوتت اللجنة القضائية لمجلس الشيوخ من أجل تقنين حيازة كمية تصل إلى أوقيّة ماريجوانا للاستخدام الشخصي.

الثمانينيات والتسعينيات.. هستيريا المخدرات والسجون

أدت الهستيريا السياسية في أواخر الثمانينيات إلى تمرير الكونجرس الأمريكي سياساتٍ وتشريعات شديدة الحزم ضد المخدرات، كان من شأنها زيادة أعداد المساجين بصورة كبيرة للغاية.

نانسي ريجان تتحدث في حملة لا للمخدرات.

التلويح بالمخدرات كحلوى لاصطياد الناخبين

في عام 1992، جرى تسييس المخدرات مرة أخرى، عندما أعلن  بيل كلينتون خلال حملته الانتخابية عن ضرورة علاج مستخدمي المخدرات، بدلًا من حبسهم، لكن خلال الشهور الأولى في فترة رئاسته عاد كلينتون وانتهج الاستراتيجيات القديمة للحرب على المخدرات.

 

بوش يحارب المخدرات بالصلاة

عندما وصل «جورج دبليو بوش» إلى الحكم كانت الحرب على المخدرات قد هدأت، وخصص بوش ميزانية ضخمة حوالي 600 مليون دولار لعلاج المدمنين في فترة زمنية قدرت مبدئيًا بثلاث سنوات، كما خصص 23 مليون دولار لإجراء اختبار مخدرات لطلبة المدارس، إذ كانت خطته تقليل الطلب والاحتياج للأدوية غير المشروعة. كما أسس برامج لعلاج المدمنين بمساعدة رجال دين يهود ومسيحيين، ومسلمين، ودائمًا ما كان يعلن أنه قد أقلع عن شرب الكحول في السابق بقوة الصلاة، التي لولاها لأصبح مدمنًا في بارات تكساس.

المخدرات مشكلة تتعلق بالصحة لا بالقانون!

أما باراك أوباما الذي اعترف أنه قد تعاطى الكوكايين والماريجوانا في شبابه؛ فكان له رأي آخر في حرب المخدرات الممتدة منذ عقود، إذ كان يرى أن الإدمان مرض وليس جريمة؛ فكرّس الموارد التي كانت تذهب في السابق في سبيل الحرب على المدمنين، إلى علاجهم، والوقاية من الإدمان.

وكان الغرض في نظره هو تقليل الطلب على المواد المخدرة، وأن تحقيق ذلك ممكن، إذا استطعنا إعادة النظر في الإدمان باعتباره مشكلة متعلقة بالصحة العامة، وليست مشكلة سياسية وقانونية. وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 2013 قننت ولاية واشنطن دي سي الماريجوانا للبالغين، كما يخطط رئيس وزراء كندا جاستن ترودو أن يحذو حذو أمريكا من أجل تقنين الماريجوانا في مطلع عام 2018.

أوباما يتحدث في قمة إدمان المخدرات.

 

وفي السياق نفسه وتأكيدًا لرفضه السياسات السابقة للحرب على المخدرات، أصدر أوباما في عام 2014 قرارًا بتخفيف عقوبة 21 مسجونًا في قضايا متعلقة بالمخدرات. وتماشيًا مع سياسة أوباما، اٰعتمدت برامج لعلاج المدمنين؛ كان من ضمنها توفير مضادات السموم وهي وسيلة للوقاية من الجرعات المميتة overdose، والتي تعد أعلى أسباب الوفيات الأمريكية للأعمار ما بين 24-64.

كذلك تم ابتكار طرق لإنقاذ من يتعرضون لجرعات مميتة، تضمن تأمينهم وضمان عدم ملاحقتهم قانونيًا، إذ استحدثت أمريكا طريقة أسمتها سموراي 911 (رقم هاتف الشرطة)، تتلقى مكالمات من يتعرض لتناول جرعة زائدة لمساعدته وإنقاذه، دون أن يتعرض للمساءلة القانونية، ولكن هذه الخدمة لا تنطبق على التجار أنفسهم.

 

ترامب يبدأ الكرّة من جديد

يجب أن نذهب إلى الشباب نخبرهم أن تعاطي المخدرات سيئ على كل الأصعدة. *دونالد ترامب.

عاد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، إلى شن حملات «قل لا للمخدرات» التي ابتكرتها السيدة الأولى السابقة نانسي ريجان، والتي تقول الإحصائيات عنها إنها لم تلاق الكثير من النجاح.

ففي حملة نانسي ريجان، ذهب الضباط إلى المدارس، ليحذّروا الطلبة المراهقين من استخدام المخدرات، لكن النجاح لم يحالفها لأنه وبحسب علماء النفس، كان يجب أن ينشأ حوار بين الطلبة والأساتذة حول المخدرات، كأن يقوم الطالب بدورين في المحادثة، تارة يسأل عن المخدرات، وتارة يجيب عن الأسئلة، وليس فقط «قل لا».

فيما أعلن ترامب سياسته الجديدة/ القديمة، والتي تقول إن المخدرات مشكلة وبائية، سيتم التعامل معها بلا رحمة، متهمًا تخفيف أوباما للعقوبات على المدمنين الذين يسممون المجتمع على حد قوله بالتسبب في انتشار الوباء.

 

كيف فرضت أمريكا سياستها الدوائية على العالم؟

بشكل عام لم تعطِ أمريكا اللاتينية السيطرة على استخدام المخدرات الأهمية ذاتها التي أعطتها الولايات المتحدة للمخدرات، وكان من الممكن أن تعلن الدول رفضها للمشاركة في حروب المخدرات، لكن تداعيات هذه الخطوة على العلاقات الثنائية بينها وبين الولايات المتحدة؛ واحتياج هذه الدول إلى الدعم الاقتصادي الأمريكي والقروض، ساهم في فرض سطوة أمريكا عليها واتباع نفس سياستها إزاء المخدرات.

مظاهرة لتقنين المخدرات.

لكن وبدون الوقوع في فخ التعميم، فإن كل دولة من دول أمريكا اللاتينية كانت لها سياسة مختلفة تجاه المخدرات، فكولومبيا كانت تختلف عن بيرو، وتختلف عن بوليفيا، وتختلف عن المكسيك.

حرب تحرير المخدرات

في أوج الحرب «الهستيرية» ضد المخدرات في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، ظهرت حركة تبحث عن سياسة جديدة للتعامل مع المخدرات؛ وتحديدًا في عام 1987. أرنولد تريباش صاحب كُتب «الحرب الكبرى على المخدرات.. اقتراحات راديكالية لكي ترجع أمريكا آمنة»، و«هل نقنّنه؟ مناظرة في سياسة المخدرات» مع كيفين زيس، كانا أصحاب مؤسسة «سياسة الدواء DPF»، التي ظهرت كحركة مناهضة للحرب على المخدرات.

المبادئ التي قامت عليها هذه المؤسسة هي أن سياسة المخدرات لابد أن تُبنى على أسس علمية وصحية، تراعي حقوق الإنسان، وكان هدفها هو تقليل مخاطر المخدرات على مستخدمها، ومخاطر حظرها في آن واحد، الفكرة التي قامت عليها هذه المؤسسة هي أن البشر لا ينبغي أن يحاسبوا عما يضعونه في أجسادهم.

اقرأ أيضًا: في البحث عن ماضي الراحلين (2): بابلو إيسكوبار.. تاجر المخدرات الذي أراد أن يحكم كولومبيا

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد