كما لو أن ما يحدث حاليًا من تزايد معدلات مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، وظهور «البكتيريا الخارقة»، ونقص إنتاج المضادات الحيوية الجديدة من قبل شركات الأدوية، غير كاف بالنسبة لنا، ليُفاجئنا العلماء بأن هناك عقارًا شهيرًا مضاد للاكتئاب، يجري استخدامه بالفعل على نطاق واسع، يتسبب بشكل مباشر في زيادة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.

في السنوات الأخيرة، تزايدت مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، أقوى سلاح كان يملكه البشر ضدها منذ اكتشف ألكسندر فلمنج أول مضاد حيوي في التاريخ «البنسلين». ومن المعتقد عمومًا أن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية يقود نحو هذا الاتجاه، ولكن يبدو الآن أن هناك أدويةً غير المضادات الحيوية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا أيضًا في تقوية مقاومة البكتريا.

مضاد للاكتئاب يعمل لصالح البكتيريا

اكتشف الباحثون من جامعة كوينزلاند الأسترالية، أن دواءً يسمى فلوكستين (fluoxetine)، وهو مثبط انتقائي لعملية استرداد السيروتونين (SSRI) والمكون الرئيس في مضادات الاكتئاب مثل: بروزاك، وسارافم، يعمل بشكل «سري» لصالح البكتيريا.

وشرع الباحثون خلال هذه الدراسة لإثبات أنه ليس فقط المضادات الحيوية ما تؤدي إلى ظهور «البكتيريا الخارقة» (superbug)، و«البكتيريا الخارقة»: هو مصطلح يطلق على بعض أنواع البكتيريا الحالية، التي تطورت جينيًا؛ فنتجت عنها سلالات بترتيب جيني جديد، وأصبحت مقاومةً لأغلب المضادات الحيوية الموجودة حاليًا؛ نظرًا لعدم التقنين في استخدام المضادات الحيوية الأقوى، والتي كانت تعد خط الدفاع الأخير في مواجهة البكتيريا، وقال المهندس جيان هوا جوا من مركز إدارة المياه المتقدم بالجامعة: «تساءلنا عما إذا كانت المستحضرات الصيدلانية الأخرى غير المضادات الحيوية مثل مادة فلوكستين، يمكن أن تحفز المقاومة للمضادات الحيوية مباشرة».

وتضمنت الاختبارات التي أجراها العلماء في هذه الدراسة الاختبار تعريض بكتيريا إيشيريشيا كولاي (Escherichia coli أو E. coli) لتركيزات مختلفة من فلوكستين في بيئة لها نفس ظروف درجة حرارة الجسم، والتي كان يجري تغييرها يوميًا لمدة 30 يومًا،

بعد ذلك، جرى نقل البكتيريا المتحورة إلى أطباق تحتوي على مضاد حيوي. وجد الباحثون أن هذه البكتيريا لديها مقاومة متزايدة للمضادات الحيوية مثل: الكلورامفينيكول وأموكسيسيلين والتتراسيكلين بمعدل يصل إلى 50 مليون مرة مقارنة مع الظروف القياسية العادية، واكتشف العلماء أنه كلما كان تركيز فلوكستين أقوى، تحسنت سرعة طفرات البكتيريا بمرور الوقت.

ووجد الباحثون أن البكتيريا المتحورة المعزولة ذات المقاومة لأية واحدة من تلك المضادات الحيوية السابقة، كانت تظهر أيضًا مقاومة متعددة ضد مضادات أخرى مثل: الفلوروكينولون وأمينوجليكوزيد والبيتالاكتام (β-lactam) والتتراسيكلين والكلورامفينيكول، وقال الباحث المشارك في هذه الدراسة مين جين: إن فلوكستين كان بالتالي عاملًا غير مرئي في انتشار مقاومة المضادات الحيوية، «يجب أن نعتبر هذا تحذيرًا»، على حد تعبيره.

ووفقًا للباحثين، فإن ما يصل إلى 11% من مادة فلوكستين الموجود في الأدوية ينتقل عبر الجسم دون تغيير، ويدخل إلى النظام البيئي المحيط بنا عبر نظام الصرف الصحي بعد أن ينزل في بول المريض، وبالعودة إلى جيان هوا جوا، فقد ذكر أن «فلوكستين هو عقار متواجد حولنا بشكل دائم، وهو عقار موثق جيدًا في البيئة الأوسع من حولنا؛ إذ يمكن أن تؤدي المستويات البيئية القوية إلى مقاومة متعددة الأدوية».

من البروفين إلى الترامادول.. ماذا تعرف عن القاتل الذي يسكن حقيبتك؟!

اكتشاف قوي لكننا بحاجة للتأكد

يقول جيان: إن هذا الاكتشاف «يوفر دليلًا قويًا على أن فلوكستين يسبب مقاومة متعددة للمضادات الحيوية مباشرة عن طريق الطفرات الجينية. هذا لا يعني أن الجميع بحاجة إلى التوقف عن تناوله على الفور؛ فبالنسبة للعديد من الناس، فإن فلوكستين هو دواء رائع لإنقاذ الحياة».

ومع ذلك ، تشير الدراسة إلى وجود مجالات أخرى تحتاج إلى إعادة النظر فيها حول النتائج؛ فأولًا: أجريت هذه التجارب في المختبر. وبالتالي لا يزال يتعين التحقق في كيفية تأثير الدواء على بيئة البكتيريا داخل جسم الإنسان، وثانيًا، ما هي الأدوية الأخرى غير المضادات الحيوية التي يمكن أن يكون لها تأثير مماثل؟

في دراسة سابقة أجراها الفريق البحثي نفسه، اكتشفوا أن مادة التريكلوسان، وهو عنصر شائع في معجون الأسنان وصابون غسل اليد، يمكن أن يحفز بشكل مباشر المقاومة للمضادات الحيوية، وركزت الدراسة التي قادها الدكتور جيان هوا جوا من المركز المتقدم لإدارة المياه في جامعة كوينزلاند على التريكلوسان، وهو مركب يستخدم في أكثر من ألفين من منتجات العناية الشخصية.

وقال جوا: إنه في حين أنه من المعروف أن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية وإساءة استخدامها يمكن أن يخلق الجراثيم الخارقة، إلا أن الباحثين لم يكونوا على علم بأن المواد الكيميائية الأخرى يمكن أن تحفز مقاومة المضادات الحيوية حتى الآن.

ويضيف جوا: «المياه المستهلكة من المناطق السكنية، لديها مستويات مماثلة أو أعلى من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية والجينات المقاومة للمضادات الحيوية مقارنة بالمستشفيات، حيث تتوقع زيادة تركيزات المضادات الحيوية». هذا مع جعل هؤلاء الباحثين يتساءلون عما إذا كانت هناك مواد غير المضادات الحيوية، والمواد المضادة للميكروبات (NAAM)، مثل التريكلوسان يمكن أن تحفز بشكل مباشر مقاومة المضادات الحيوية.

يجري استخدام هذه المواد الكيميائية بكميات أكبر بكثير على المستوى اليومي، لذلك ينتهي بك الأمر مع مستويات متبقية (بقايا هذه المواد) بنسبة عالية في البيئة الأوسع، والتي يمكن أن تحفز مقاومة الأدوية المتعددة. ويقدم هذا الاكتشاف دليلًا قويًا على أن التريكلوسان الموجود في منتجات العناية الشخصية التي نستخدمها يوميًا يُسرع انتشار مقاومة المضادات الحيوية.

وقال البروفيسور تشيجو يوان، مدير المركز المتقدم لإدارة المياه: إن هذا الاكتشاف يجب أن يكون دعوة للاستيقاظ لإعادة تقييم التأثير المحتمل لمثل هذه المواد الكيميائية. وأضاف: «في حين أن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) حظرت استخدام التريكلوسان في الصابون المضاد للبكتيريا، فإن النقص السابق في الأدلة التي لا لبس فيها حال دون تبني مثل هذه السياسة في بلدان أخرى».

مقاومة البكتيريا.. تهديد عالمي قادم

البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية هي واحدة من أكبر المشكلات التي نواجهها في العقود المقبلة، وأصبحت مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية تشكل تهديدًا كبيرًا للصحة العامة على مستوى العالم، إذ يموت ما يقرب من 700 ألف شخص سنويًا من الإصابات بالبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، وتوقع تقرير مراجعة مقاومة المضادات الحيوية أن يصل هذا العدد إلى 10 ملايين حالة وفاة سنويًا بحلول عام 2050، إذا لم يجر اتخاذ أي إجراء الآن.

وطبقًا لوكالة رويترز، فقد قال علماء في أغسطس (آب) 2018: إن «البكتيريا الخارقة» المقاومة للعديد من المضادات الحيوية والقادرة على نقل أمراض خطيرة بالمستشفيات، باتت أكثر مقاومة لمطهرات الأيدي والمعقمات المعتمدة على الكحول والمصنعة للحماية من هذه البكتيريا».

وفي دراسة متعلقة بما وصفه الباحثون بأنه «موجة جديدة من البكتيريا الخارقة»، وجد الفريق أيضًا تغييرات جينية معينة حدثت خلال 20 عامًا لـ«المكورات المعوية» المقاومة للفانكوميسين (مضاد حيوي)، وتمكنوا من تعقب مقاومتها المتنامية، وتستطيع بكتيريا المكورات المعوية المقاومة للفانكوميسين، إصابة المسالك البولية والجروح ومجرى الدم بعدوى يصعب علاجها، والسبب الأساسي في ذلك هو مقاومتها للعديد من أنواع المضادات الحيوية.

«دكتور ساسة»: ماذا تعرف عن مسكنات الألم واستخداماتها وأخطارها؟

ولجأت مؤسسات طبية على مستوى العالم إلى تطبيق خطوات صارمة للنظافة الشخصية في مسعى للتغلب على «البكتيريا الخارقة» في المستشفيات، التي تتضمن أيضًا ما يعرف بالمكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين، وهو مضاد حيوي ينتمي لعائلة البنسلين. وعادة ما تتضمن هذه الخطوات استخدام مطهرات وصابون لليدين يحتوي على الكحول.

وفحص الباحثون 139 عينة بكتيرية منفصلة جرى جمعها من عام 1997 حتى عام 2015 من مستشفيين في مدينة ملبورن الأسترالية، ودرسوا مدى نجاح كل بكتيريا في النجاة من التعرض لكحول الآيزوبروبيل المخفف، ووجدوا أن العينات التي جمعت بعد عام 2009 باتت أكثر مقاومة في المتوسط للكحول مقارنة بالبكتيريا التي جمعت قبل عام 2004.

وقال بول جونسون أستاذ الأمراض المعدية في مؤسسة أوستين هيلث في استراليا، الذي شارك في قيادة فريق الدراسة: إن النتائج يجب ألا تؤدي لتغيير جوهري في استخدام المطهرات المعتمدة على الكحول، مُضيفًا: «تعتبر مطهرات اليدين المعتمدة على الكحول ركيزة أساسية في السيطرة على العدوى بالمستشفيات، ولا تزال فعاليتها عالية في تقليل انتقال أنواع من «البكتيريا الخارقة» بالمستشفيات خاصة المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين».

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!