يفاجئنا العلم دومًا بالكثير من الدراسات والأبحاث، التي تجعلنا نصدق أن معظم ما تحكيه أفلام الخيال العلمي، سيصبح حقيقة يومًا ما. ويفاجئنا أيضًا باكتشافاته التي نعرفها عن طريق الصدفة؛ فعندما قرر الصيدلي ألبرت هوفمان استخدام المواد المشتقة من الشقران (ergot) للبحث عن عقاقير تنشط التنفس والدورة الدموية، لم يكن يتخيل أن تجاربه ستفشل في الوصول للهدف المنشود، لكنها ستضعه أمام اكتشاف مثير، وهو عقار ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك (LSD)، الذي يتسبب استنشاق الأبخرة المتصاعدة منه، في الشعور بالخدر والدوخة والهلوسة البصرية.

ورغم هذا الاكتشاف، لم يكن يتخيل أن العلماء سيجرون الأبحاث والدراسات على عقاره الجديد، وأن بعضها سيثبت أن تناوله ربما يتسبب في تغيير آراء الفرد السياسية ومعتقداته الدينية!

هل يمكن أن تغير عقاقير الهلوسة آراءنا ومعتقداتنا الدينية؟

يتساءل الدكتور إيدي جاكوبس بجامعة أكسفورد في مقاله المنشور بالمجلة العلمية الأمريكية في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، عن ماهية تأثير عقاقير الهلوسة على آرائنا ومعتقداتنا. إذ كشفت دراسة علمية منشورة عام 1971 عن وجود علاقة بين عقار (LSD) والليبرالية. فالخاضعين للدراسة الذين تعاطوا العقار باتت أفكارهم أكثر ليبرالية وانفتاحًا على عكس من لم يتعاطوا العقار!

وفي دراسة أخرى أجرتها مجلة «أكتا الإسكندنافية» عام 2018 عن تأثير عقار «السيلوسيبين»، وهو أحد عقاقير الهلوسة المشتقة من الفطر السحري، تبين أن الذين تعاطوا العقار لعلاج اضطراب ثنائي القطب، باتت شخصياتهم أكثر انفتاحية واجتماعية، وتغيرت مقاييسهم الشخصية بعد تناول العقار!

واستنادًا إلى تلك الدراسات، أعلن دكتور إيدي جاكوبس أن عقار السيلوسيبين يمكن أن يغير معتقداتنا الدينية ويجعلنا أكثر روحانية.

فيما قال بعض الملحدين واللادينيين بعد الخضوع للدراسة، إنهم عرفوا الله وسمت أنفسهم الروحانية، بينما تلاشت الأفكار الاستبدادية لمجموعة أخرى منهم وأصبحوا أكثر تحررًا وانفتاحًا على الآراء المخالفة.

الأمر نفسه الذي أكدته الدراسة التي أجراها الدكتور فريدريك باريت، للتحقق من صحة تأثير العقار على روحانية المرء، فبدا أن «السيلوسيبين» له تأثير غامض في القيم الروحية والآراء الشخصية وتصرفات الفرد.

وبما أن الأمر يبدو خياليًّا، شكك الدكتور ماثيو جونسون، وهو أستاذ الطب النفسي بجامعة جونز هوبكنز، في صحة مقالة جاكوبس، وأن العلاقة بين أثر «السيلوسيبين» وتغيير الآراء ضعيفة جدًّا، وأشار إلى أنه ربما كانت بعض آراء الخاضعين للدراسة ليبرالية منذ البداية، موضحًا أن الأدوية المسئولة عن علاج الاكتئاب عمومًا تؤثر في سلوكيات الفرد وأفكاره.

محظورة لكنها أدوية نموذجية لعلاج الأمراض النفسية!

وقعت الأمم المتحدة في عام 1971، على اتفاقية المؤثرات العقلية للحد من انتشار بعض العقاقير، والتي كان من بينها عقاقير الهلوسة، وذلك لأنها مخدِّرة ويسهل إدمانها، وعليه؛ اكتفى الباحثون باستعمالها في أبحاثهم على علاج بعض الأمراض النفسية.

لكن الأبحاث الواعدة والدراسات ربما تُحيي تاريخ عقاقير الهلوسة الخصب وتبرِّئ صفحتها السوداء، فقد أثبتت دراسة حديثة أن عقار «ميثيلين دايوكسي ميثامفيتامين (MDMA)»،  يساعد على التعافي من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وذلك بعد خضوع أفراد مصابين باضطراب ما بعد الصدمة المزمن، ولم يستجيبوا لأدوية أخرى، إلى ما بين جلسة إلى ثلاث جلسات، فبدأت الأعراض في التلاشي، كما ساعدهم العقار على التوحد مع مشاعرهم وقبول الذكريات المؤلمة دون الهرب منها.

ولم يكن (MDMA) العقار الوحيد المسئول عن تحسين الحالة النفسية، فقد أثبتت بعض الدراسات فاعلية عقار «السيلوسيبين» في علاج المرضى الذين لم يستجيبوا لأدوية الاكتئاب، وفعاليته أيضًا في علاج الاكتئاب والقلق المصاحب لمرضى السرطان؛ إذ استطاع تحسين حالتهم النفسية وتخفيف حدة الاكتئاب والتخلص من الأفكار الانتحارية المصاحبة له.

وفي دراسة أجريت على 59 شخصًا، قُسموا إلى مجموعتين، تلقت المجموعة الأولى 25 مجم من «السيلوسيبين» في البداية ثم 25 مجم أخرى لمدة ثلاثة أشهر، وتلقت المجموعة الثانية جرامًا واحدًا في بداية الدراسة، وجرامًا آخر لمدة ثلاثة أسابيع بالإضافة إلى حبة واحدة من «الإسيتالوبرام» لمدة ستة أسابيع، وبعد انتهاء الدراسة شُفي 57% ممن تلقوا عقار «السيلوسيبين» من أعراض الاكتئاب، وشفي 28% ممن تلقوا عقار «الإسيتالوبرام».

وعلى الرغم من نجاح العقار في شفاء المرضى، فإن بعض الأطباء صرحوا بعدم تعاطي العقار دون إشراف الطبيب المعالج، فما زال العقار قيد الدراسة، ولم يثبت فعاليته التامة؛ وتجنبًا لأعراضه الجانبية التي عانى منها الخاضعون للدراسة مثل جفاف الفم، والصداع، وانخفاض الرغبة الجنسية، والهلوسة.

إذن.. كيف تؤثر عقاقير الهلوسة في أدمغتنا؟

بعد التأكد من فعالية هذه العقاقير في شفاء أمراضنا النفسية، كيف تؤدي هذا العمل؟ مما أثبتته الدراسات أن عقار (MDMA) يعمل على زيادة نسبة «السيروتونين» و«الدوبامين» و«الأدرينالين» في الجسم، مما يساعد على ضبط المزاج والشعور بالألم والرغبة في النوم، والشهية نحو الطعام، إلا أنه على جانب آخر، قد يؤدي إلى اعتلال الذاكرة واعتلال الإدراك والارتباك.



أما بالنسبة لعقار (LSD)  فلا يختلف الأمر كثيرًا؛ إذ يساعد العقار مستقبلات «السيرتونين» على إفراز المزيد منه، وما يجعله مختلفًا هو الحس المرافق؛ إذ يستخدم الإنسان حاسةً ما لإدراك حاسة أخرى، فيمكنه تخيل طعم الألوان، وصوت الحب. كما يمر بحالة من الهلوسة تشبه ما نراه بأحلامنا، ولا يتفرد هذا العقار بعرض الهلوسة، فالذين تعاطوا «السيلوسيبين» أصيبوا بالهلوسة أيضًا.

ويعمل «السيلوسيبين» على تعزيز اللدونة الشبكية في المخ؛ إذ أثبتت دراسات حديثة أن ضعف اللدونة الشبكية يعد أحد أسباب الاكتئاب؛ بسبب ضعف التواصل بين الخلايا العصبية. وفي دراسة أخرى أُجريت على الفئران تبين أن «السيلوسيبين» ساعد على زيادة التشعبات الشجيرية في القشرة الجبهية الوسطية، وبعد سبعة أيام تضخمت كثافة العمود الفقري.

هل هناك أدوية أخرى تؤثر في معتقداتنا وشخصياتنا؟

حتى الآن لم تثبت الدراسات والأبحاث ما إن كانت هناك أدوية أخرى لها تأثير عقاقير الهلوسة نفسه، لكن المرجح والأميل للطرح عن وجود علاقة بين بعض الأدوية وتغيير شخصياتنا.

علوم

منذ 8 شهور
لا تنطبق على متعاطيه قوانين الفيزياء.. هل يعود مُخدر «الجنون الفوري» إلى الواجهة؟

فأدوية التعافي من الاكتئاب مثلًا تساعدنا على التخلص من العصابية والأفكار السلبية، وربما يصبح المتعافي أكثر اجتماعية عما كان عليه. كما أن هناك أدوية تجعلنا أكثر تهورًا واندفاعية، مثل عقار «ليفودوبا» الذي يستخدم لعلاج مرض شلل الرعاش؛ إذ تسبب في إدمان المرضى للمقامرة والإباحية والتسوق.

وعقار «الاستاتين» المخفض لنسبة الكولسترول بالدم وعلاج السمنة، أدى إلى تغيير سلوك المرضى من الرزانة إلى العنف، ويرجع السبب ربما إلى أن انخفاض نسبة الكوليسترول في الدم يؤثر في نسبة «السيروتونين» في الدم؛ مما يجعلهم أكثر حدة وقسوة. 

عرض التعليقات
تحميل المزيد