أحمد الدباغ

11

أحمد الدباغ

11

567

ربما يعتقد أغلبنا أن المخدرات إحدى آفات العصر التي أينما وُجدت وانتشرت فثمَّة كارثة قد حلَّت بهذا البلد، ولعل كثيرًا من البلدان والشعوب على اطلاع كبير بأنواع المخدرات وأشكالها والإدمان عليها بحكم الانفتاح العالمي، لكن هذا الأمر لا ينطبق على العراق، الذي ظل حتى عام 2003 بعيدًا كل البعد عن أي شيء يتعلق بالمخدرات وما شابهها، إلا أنه وبعد الغزو الأنجلو أمريكي تغير الحال إلى غير رجعة؛ فالبلد الذي كان يعد خاليًا تمامًا من المخدرات، بات اليوم ساحة نشطة لتجارة المخدرات وبيعها وتهريبها وإدمانها. السطور التالية تقرأ واقع تجارة المخدرات في العراق، وطرق تهريبها، ومدى رواجها.

كيف كانت تجارة المخدرات قبل 2003؟

لم تكن أساليب تهريب المخدرات وطرق وصولها إلى البلاد كما هي عليه الآن، يقول حاتم الزبيدي، الضابط السابق في مديرية الأمن العامة في بغداد «أحد الأجهزة الأمنية القوية في زمن النظام العراقي السابق»، لـ«ساسة بوست»: «إن تجارة المخدرات قبل 2003 كانت محدودة للغاية، بسبب الإجراءات التي كانت تتخذها الدولة ضدها»، ويضيف الزبيدي: «أن الدولة كانت تتعامل مع الجرام الواحد من المخدرات بالشدة نفسها التي كانت تتعامل بها مع التجار الكبار، وبالتالي شكلت الدولة في حينها قوة ردع أمنية».

وعن طرق تهريب المخدرات قبل 2003، يضيف العبيدي أن: «الطريق الرئيس لمرور المخدرات كان عبر السعودية باتجاه صحراء محافظة المثنى»، أي من الجهة الجنوبية الغربية للعراق.

تجارة المخدرات بعد الغزو وانتشارها

تغير حال تجارة المخدرات واستهلاكها في العراق بعد الغزو؛ فالبلد الذي كان عصيًا على تجار المخدرات، أضحى ممرًا ومعبرًا ونقطة ارتكاز في تجارة المخدرات، فضلًا عن استهلاكها. يقول المحلل السياسي العراقي سعد الظاهر: «اجتاحت المخدرات الحدود العراقية لأسباب عديدة أهمها: الغزو الأمريكي وتداعياته التي حولت العراق منذ 2003 وحتى اليوم، إلى ممر للمخدرات الإيرانية والأفغانية، باتجاه الدول الخليجية ومنها المملكة العربية السعودية ودولة الكويت» ويشير الظاهر إلى أن الانفلات الأمني، ساهم مساهمة كبيرة في رواج تجارة المخدرات في الأعوام الأخيرة.

كيف تنتشر المخدرات في العراق وما طرق تهريبها؟

تعد المحافظات الوسطى والجنوبية في العراق الأكثر عرضة للمخدرات، فضلًا عن انتشار تجارتها وتوسعها بسرعة كبيرة ما يطرح أسئلة عديدة عن الجهات التي تقف وراءها، تقارير تحدثت عن زراعة المخدرات محليًّا في المحافظات التي تشهد توترًا أمنيًّا مثل محافظة ديالى. ويؤكد مسؤولون أمنيون أن تنامي تجارة المخدرات وتعاطيها في العراق يزدهر في المحافظات التي لها حدود مشتركة مع إيران، فضلًا عن المدن المقدسة كالنجف وكربلاء. وهذه المحافظات هي: واسط والبصرة وميسان وديالى؛ بالإضافة إلى مدينة السليمانية في إقليم كردستان.

رصدت تقارير حديثة لمكتب مكافحة المخدرات التابع للأمم المتحدة معبرين أو ممرين رئيسيين لنفاذ المخدرات الى العراق؛ فالتجار الإيرانيون والأفغان يستخدمون الحدود الشرقية التي تربط العراق بإيران مستغلين طول الشريط الحدودي الذي يزيد عن 1200 كيلومتر، والصعوبة التي تحول دون قدرة حرس الحدود على ضبط هذا الشريط الحدودي الطويل؛ إضافة إلى ضعف إمكانية الأجهزة الأمنية وافتقارها للمعدات اللازمة لكشف المخدرات، أما المعبر أو الممر الثاني الذي تستخدمه مافيا المخدرات التي تتبع دول وسط آسيا؛ فيستهدف أوروبا الشرقية التي من خلالها تصل إلى شمال العراق عن طريق تركيا، فضلًا عن تهريبها عن طريق الموانئ العراقية المطلة على الخليج العربي، والتي تصل إلى محافظة البصرة الجنوبية على وجه الخصوص.

Embed from Getty Images

وأضاف التقرير أن العراق لم يعــد محطة وسيطة لتجارة المخدرات، بل تحوَّل إلى منطقة توزيع وتهريب واستهلاك، وأن معظم تجار المخدرات من دول شرق آسيا يستهدفون العراق، الذي من خلاله تشحن المخدرات إلى دول شمال العراق وجنوبه، وخاصة دول الخليج العربي.

يقول أحد الصحافيين من مدينة كربلاء (المقدسة لدى الشيعة) والذي فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، لـ«ساسة بوست»، إن: «الزوار الإيرانيين والباكستانيين والأفغان، يعدون أهم وسائل نقل المخدرات إلى العراق في المدن المقدسة»، ويضيف الصحافي؛ أن أعداد الزوار الكبير يسبب إرباكًا كبيرًا في مدينتي النجف وكربلاء في كل زيارة، فأعدادهم تصل إلى مئات الآلاف، وإذا ما كان كل واحد منهم يحمل جرامًا واحدًا من المخدرات، فللمرء أن يتخيل كم المخدرات الذي يدخل إلى العراق في كل زيارة.

طريقة عجيبة تعود إلى العصور الوسطى، استخدمت مؤخرًا في تهريب المخدرات إلى العراق، إذ أعلنت قيادة شرطة محافظة البصرة عن رصدها لمجموعاتٍ من الحمام الزاجل، يقدَّر عددها بنحو 90 حمامة على الحدود العراقية الكويتية محمّلة بالمخدرات، وقال ضابط في شرطة البصرة إن ضبط هذه المجموعات من الحمام، بيّن أنها كانت محملة بالحبوب المخدرة، وأن عملية الضبط تمت على الشريط الحدودي بين العراق والكويت. وفي تأكيد لاستخدام مافيا المخدرات هذه الطريقة، ضبط موظفو الجمارك في الكويت طائر حمام زاجل قادمًا من العراق، ضُبط فوق مبنى على مقربة من دائرة جمارك العبدلي شمال الكويت، وتبين للجمارك فيما بعد أن هذا الطائر يحمل ما يقرب من 180 حبة مخدرة موضوعة في حزام مثبت على ظهر الطائر.


أكبر عملية تهريب للمخدرات كُشف عنها كانت في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما تمكنت القوات الأمنية من إحباط أكبر عملية تهريب للمخدرات إلى داخل العراق، والتي كانت عن طريق ميناء «أم قصر» في محافظة البصرة، وتشير المصادر إلى أن الشحنة المهربة كانت تضم 16 مليون حبة مخدرة، تكفي لتخدير ما يقرب من نصف الشعب العراقي، وقال قائد عمليات البصرة الفريق الركن جميل الشمري إن الشحنة كانت تضم 80 ألف علبة من العقاقير المخدرة.

عملية تهريب أخرى في البصرة استطاعت القوات الأمنية إفشالها في نوفمبر في منطقة «خضر الماي» القريبة من الحدود الكويتية وأشارت المعلومات إلى أنه ضُبط نحو 600 كيس من مادة الكبتاجون المخدرة وحبوب أخرى مخدرة من نوع 01.

ما أسباب انتشار المخدرات في العراق؟

أسباب عدة أدت إلى انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات في العراق وتجارتها بعد الغزو، في تقرير نشر على موقع مركز البيان للدراسات والتخطيط جاء فيه أن التساهل القانوني فيما يخص المخدرات هو أحد أهم أسباب انتشارها في العراق، فالقوانين التي كانت فاعلة قبل 2003، كانت تصل حد الإعدام عقابًا على تعاطي المخدرات وترويجها، لكن بعد الغزو، خُففت هذه القوانين لتصل إلى 4 سنوات حدًا أقصى للمتعاطي، ثم عدّل القانون في شهر مايو (أيار) 2017، إلى العلاج الصحي والنفسي في مراكز العلاج من المخدرات. أما عقوبة ترويج المخدرات والمتاجرة فيها فتتراوح في القانون المعمول به الآن ما بين 5 إلى 15 سنة حدًا أقصى، وقد تصل إلى المؤبد للتجار الكبار.

Embed from Getty Images

ميناء أم قصر في محافظة البصرة جنوب العراق

ومن أسباب اتساع ظاهرة انتشار المخدرات وتعاطيها في العراق؛ ازدياد الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي يشهدها المجتمع نتيجة الوضع الأمني المتدهور والحروب التي تشهدها العراق منذ 2003، ما جعل الأجهزة الأمنية منهمكة في حروب داخلية وبعيدة إلى حد ما عن هذه المعضلة. وعن تفشي ظاهرة الإدمان على المخدرات في العراق، يقول الباحث في علم الاجتماع التربوي الأستاذ علي حميد لـ «ساسة بوست» إن: «طبائع المجتمع العراقي والعادات والتقاليد تجعل الأشخاص من الذي يعانون من مشاكل معينة يلجأون إلى المخدرات بدلًا عن الكحول كما هو معروف في دول أخرى، فالمخدرات صغيرة الحجم ويمكن إخفاؤها، كما أنها بدون رائحة وبالتالي فليس من السهل على الأشخاص اكتشاف المدمن على المخدرات، على عكس المدمن على الكحول».

ما أنواع المخدرات المنتشرة في العراق وكم تتراوح أسعارها؟

عندما تذهب إلى تناول وجبة غداء أو عشاء في أي مطعم، فإن أول ما تطلبه هو القائمة أو الـ«Menu» التي تعد للزبون كل أنواع الطعام والشراب، كذلك هو الحال فيما يتعلق بالمخدرات في العراق، فالقائمة طويلة جدًا، وتتنوع ما بين المخدر النباتي والمخدر الكيميائي الدوائي.

«الكبسلة»؛ مصطلح يطلق على ظاهرة الإدمان على المخدرات من نوع الحبوب أو الأقراص المخدرة، والتي غالبًا ما تكون عقاقير طبية تستخدم أساسًا في تسكين الآلام العامة أو المفاصل أو في علاج بعض الأمراض النفسية والاكتئاب، ومن أمثلة هذه الحبوب أو الأقراص المخدرة؛ حبوب «إل سي دي» و«الفاليوم» و«الترامادول» و«أرتين»، وترى الدكتورة صفية حسن اللهيبي التي تعمل طبيبة في أحد مشافي بغداد، والتي تحدثت لـ«ساسة بوست»: «أن لجوء بعضهم للإدمان على تناول بعض الأدوية المهدئة كمخدرات يعود إلى رخص ثمنها، وتوفرها بشكل كبير وسهولة الحصول عليها مقارنة بأنواع المخدرات الأخرى»، وتضيف اللهيبي، أن على الجهات الحكومية تشديد الإجراءات القانونية والعقابية، وجعل استيراد هذه الأدوية بيد الدولة فقط، ويشير الدكتور ماجد السلطاني الأكاديمي في كلية علوم الاجتماع والنفس في جامعة واسط، إلى أن البحوث الميدانيّة التي أشرف عليها قسم علم الاجتماع في الجامعة، بينت أن كثيرًا من الشباب في مرحلة المراهقة يلجؤون إلى حبوب الهلوسة هربًا من مشاكل اجتماعية ونفسية.

أسماء محلية وشعبية تطلق على حبوب الهلوسة أو «الكبسلة» التي يتداولها المدمنون والتجار على حد سواء؛ وهي مسميات غريبة لا يفهمها إلا صاحب العلاقة، ومن هذه المسميات: «السمائي»، و«الوردي» و«الدموي» و«أبو الشارب» و«أبو الحاجب» و«السومادرين» و«الخاكية»، كل واحدة من هذه المسميات تشير إلى نوع محدد من الحبوب المخدرة.

أنواع أخرى من المخدرات في العراق؛ كالحشيشة والأفيون والكريستال الذي يعد الأخطر والأغلى ثمنًا من بين أنواع المخدرات، وينتشر بصورة كبيرة في البصرة، وهو من المخدرات التي لا تتوفر في الدول العربية بشكل كبير، وتنتشر انتشارًا رئيسيًا في دول شرق آسيا، وتصنف هذه المادة من المخدرات الصناعية المنشأ، إذ تصنع بالكامل في معامل تصنيع المخدرات، من بعض الأدوية الصناعية، ويسمى «الكريستال» بهذا الاسم نسبة إلى الشبه الكبير بينه وبين بلورات الكريستال أو الزجاج المهشم، ويمكن أن ينتج الكريستال أيضًا، على هيئة بودرة أو حبوب أو كبسولات، كما يمكن أن يحقن عن طريق الدم. وتشير تقارير إلى أن الكريستال ينتج أيضًا في ايران، ويبلغ سعر الجرام الواحد منه 13 دولارًا أمريكيًا. وتضيف الدكتور صفية اللهيبي لـ «ساسة بوست» أن أسعار هذه الحبوب المنخفضة يمكّن غالبية المدمنين من شرائها، إذ لا يتجاوز سعر شريط واحد من هذه الحبوب في أكثر الأحيان ثلاثة دولارات، وكل شريط فيه ما لا يقل عن 10 حبات مخدرة، بحسب اللهيبي.

معضلة كبيرة دخلت فيها البلاد بسبب استفحال ظاهرة انتشار المخدرات وادمانها، والتي تعزوها مصادر عدة إلى أن تجارة المخدرات تقف وراءها بعض الجهات السياسية والأحزاب المسلحة، إضافة إلى فصائل مسلحة.