مدينة مقدسة، يباح فيها بيع المخدرات علنًا في كل الأوقات، فيها خدمة توصيل المخدرات إلى المنازل، وفيها مراكز البيع يعرفها الكبير والصغير.

إنها القدس، المدينة التي يسمح فيها الاحتلال الإسرائيلي لبائع المخدرات أن يبيع كيفما يريد ولمن يريد على ألا يقترب من  اليهود، سكان الشطر الغربي من المدينة.

في هذه المدينة يحمي الاحتلال أيضًا تجار المخدرات الإسرائيليين بل تمنح المدمن إذا ما ثبت إدمانه راتبًا شهريًا، وتقاضي أهله إذا ما حاولوا منعه من تعاطي المخدرات، والنتيجة اليوم وجود أكثر من 20 ألف مقدسي يتعاطى المخدرات، من بينهم حوالي 6 آلاف مدمن.

ما هي الأسباب التي أدت إلى استفحال ظاهرة المخدرات في القدس؟

مقارنة مع باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، فإن أعداد متعاطي المخدرات في القدس كبيرة جدًا، حيث تظهر إحصائية صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية أن من بين 55 ألف متعاطٍ للمخدرات في الضفة الغربية والقدس يوجد في القدس وضواحيها عشرون ألف شابٍ متعاطٍ للمخدرات، مع الإشارة إلى أن الأرقام في تزايد، حيث سجلت خلال السنوات الـ4 الماضية 120 حالة وفاة نتيجة تعاطي جرعات زائدة من المخدرات.

وفي قراءة للأسباب التي تقف خلف الظاهرة، يمكننا التأكيد على أن مدينة القدس تعاني من اكتظاظ سكاني كبير، فعائلات كبيرة تعيش في دكاكين أو بيوت ذات مساحة صغيرة، وذلك بسبب سياسة سحب الهويات والامتناع عن إصدار رخص البناء للمقدسيين من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وتذكر دراسة “دائرة الدراسات والأبحاث في الهيئة الوطنية العليا للحد من انتشار آفة المخدرات” أن من أسباب انتشار المخدرات بين المقدسيين الاختلاط الكبير بين الإسرائيليين والمقدسيين، وحالة القمع وانتهاك حقوق المقدسي من قبل الاحتلال وحسب الدراسة فمن الأسباب أيضًا: “عدم اهتمام إسرائيل بتعقب ومعاقبة تجار ومروجي المخدرات، وإعطاء المقدسي المدمن للمخدرات راتبًا شهريًا ضمن قانون الضمان الاجتماعي، إضافة إلى غياب المؤسسات التثقيفية والتطوعية خاصة في مجال التوعية والإرشاد والتنبيه من خطر المخدرات، وسهولة تداول المخدرات في جميع أحياء المدينة”.

وتعد منطقة الرام وضاحية البريد والعيزرية من أكثر المناطق انتشارًا للمخدرات، وذلك كونها مناطق يلجأ إليها فقراء مدينة القدس للسكن فيها بسبب انعدام أماكن السكن في المدينة، مع الإشارة إلى أن المخدرات تنتشر أيضًا في صفوف الطبقة المتوسطة والأغنياء من المقدسيين.

كيف عملت دولة الاحتلال ضمن خطة ممنهجة لإغراق القدس بالمخدرات؟

مرت أعوام كثيرة، والاحتلال الإسرائيلي يعمل بصمت لتحويل مدينة القدس لبؤرة سكنية تعاني من آفات اجتماعية واقتصادية ونفسية جمة، وكما يقول مدير مركز إعلام القدس محمد صادق إن “مخابرات الاحتلال أعدت خطة مُحكمة خلال أكثر من 40 عامًا لترويج وبيع المخدرات بين المقدسيين، وذلك بهدف صناعة جيل يكره المقاومة ويساعدها أمنيًا، عبر الاستيلاء على العقل والوجود الإنساني الفلسطيني”.

ويدلل صادق على قوله بأن مروجي المخدرات في القدس معروفون وتُفرض عليهم حماية أمنية من قبل الاحتلال، حيث وضعت على مراكز البيع المعروفة كاميرات مراقبة؛ بهدف التدخل السريع لحمايتهم من أي استهداف فلسطيني، بل حسب صادق فرض الاحتلال كذلك قوانين تمنع الآباء من تأديب من يتعاطى المخدرات من أبنائهم، وقد يدفع الأب غرامة تصل إلى50  ألف شيكل إن ضرب ولده المتعاطي، وقد يعتقل لفترة من 3-10 أعوام إن تكرر الاعتداء.

من جانبه، يؤكد منسق الدائرة الاجتماعية التابعة لمؤسسة المقدسي لتنمية المجتمع عصام جويحان: “أن القدس تتعرض لحرب غير تقليدية وتستخدم في تلك الحرب أسلحة غير تقليدية، والهدف منها تفريغ القدس وإشغال أهلها بأي أمر غير موضوع السياسة ومقاومة الاحتلال”، ويتابع القول: “المخدرات هي من الأسلحة التي يستعملها الاحتلال والاستعمار حتى يحكم قبضته على الإنسان العربي في القدس والذي يعتبر حجر عثرة في وجه سياسة الاحتلال تجاه القدس”.

ويشدد حويجان على أنه: “فعليًا أثرت المخدرات كثيرًا على الوضع الاجتماعي في القدس، وحطمت البنية الاجتماعية وسببت فقدان التماسك العائلي، فشردت العائلات، وازداد العنف والجريمة من سرقات واغتصاب وقتل، إضافة إلى سقوط كثير من الشباب في براثن المخابرات الصهيونية التي تستغلهم لتنفيذ أغراضها الإجرامية”.

كيف أغرى القانون الإسرائيلي المواطن المقدسي بالإدمان؟

تشجع دولة الاحتلال الإسرائيلي الشباب المقدسي تحت طائلة القانون على تعاطي المخدرات، حيث ينص القانون الإسرائيلي على منح الشخص الذي يتناول الهيروين لمدة 3 أيام متواصلة راتبًا شهريًا بمعدل 2000 شيكل (507 $) للأعزب، و4000 شيكل (1000 $) للمتزوج.

وهناك فرق كبير بين تطبيق هذا القانون على الإسرائيليين وبين تطبيقه على المقدسيين، إذ أنه يمنح الإسرائيلي هذا الراتب إذا ما ثبت إدمانه على أي مخدر سواء  كحول، أو غيره، أما في ما يتعلق بالفلسطينيين في القدس الشرقية فلا يمنح هذا الراتب إلا للمدمنين على الهيروين، هذا القانون دفع الشباب المقدسي الذي يعاني الكثير من الضائقة الاقتصادية للإقدام على الإدمان من أجل الحصول على المال.

ما هي المخدرات القانونية التي بدأت تروج في القدس؟

مؤخرًا بدأ يروج في القدس نوع جديد من المخدرات تحت اسم “مخدرات قانونية”، في استهداف واضح للفئة التي لم تقدم على تعاطي المخدرات وبقيت متماسكة، فقد قدمت حجة أنها مرخصة قانونيًا وبعبارات مكتوبة على الغلاف كي تصبح هذه المخدرات شرعية ومسموحة، تُصنّع هذه المخدرات من توليفة هندسية كيماوية لمواد طبيعية معينة تندمج مع بعضها البعض لتعطي نتيجة تؤثر على الجهاز العصبي، وتوضع في مغلفات منمقة كتب عليها 100% قانوني، تباع للأعمار ما فوق الثامنة عشر.

يقول مدير مركز المقدسي للتّوعية والإرشاد عصام جويحان: “من خلال عملنا في أوكار المدمنين لاحظنا دخول نوع جديد من المخدرات ينتشر بين الشّباب الصغار، هذه المخدرات ذات أثر خطير تؤدي إلى الإصابة بأمراض عقلية أو نفسية أو عضوية”. ويشير جويحان إلى أن رخص سعر هذا النّوع من المخدّرات بالمقارنة مع أنواع أخرى من المخدّرات، دفع الشّباب إلى استخدامها دون وجود أية عوائق وبالتّالي ازداد وارتفع عدد المدمنين.

لماذا لا تقوم السلطة الفلسطينية بدورها في محاربة ظاهرة المخدرات في القدس؟

معروف أن الاتفاقيات السياسية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي قسمت الأراضي الفلسطينية إلى مناطق “أ”، و”ب”، و”ج”، وهذا التقسيم يعني أن السيطرة الأمنية الفلسطينية تنحصر فقط في مناطق “أ”، أما مناطق “ب”، و”ج” في الضفة الغربية فهي تابعة أمنيًا للاحتلال مع وجود للسلطة الفلسطينية.

وباعتبار القدس الشرقية مصنفة كمنطقة “ب” فهذا جعل من الصعوبة ضبط عملية ملاحقة تجارة المخدرات فيها من قبل السلطة الفلسطينية، فالشرطة الإسرائيلية التي تعمل على مدار الساعة لمنع انتشار المخدرات في القدس الغربية تكبل أي دور للسلطة الفلسطينية في محاربة المخدرات في القدس الشرقية، وفي نفس الوقت لا تقوم بواجبها لحماية أهل القدس من المخدرات ومكافحتها.

ويقر مسؤول ملف القدس في حركة التحرير الفلسطينية (فتح) حاتم عبد القادر بأن نسبة تعاطي المخدرات في القدس من أعلى النسب في العالم، ويقول: “معالجة الظاهرة في القدس يحتاج لدعم عربي واسع، نحن بحاجة لجهود استثنائية لمواجهتها بالوقاية والإرشاد والعلاج، فالخطر داهم لا على هوية القدس العربية فحسب بل على سكانها”.

هل تعمل الجمعيات المقدسية من أجل مقاومة ظاهرة المخدرات؟

 

مما لا شك فيه أن المخدرات أثرت كثيرًا على الوضع الاجتماعي في القدس، وأدت إلى انحراف الكثير من الشباب أخلاقيًا ووقوعهم في وحل العمالة، لذلك أدرك المقدسيون خطورة الظاهرة على أبنائهم، وكثيرًا ما قاموا بإغلاق أوكار تعاطي المخدرات أو صد تجار المخدرات عن البيع في أماكن وجودهم إلا أن شرطة الاحتلال تتدخل لصالح تجار المخدرات ولفتح هذه الأوكار من جديد.

وبما أن ظاهرة الإدمان تحتاج للعديد من المؤسسات والمراكز لتقديم الفعاليات الوقائية والخدمات العلاجية، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن دولة الاحتلال تعيق وجود مثل تلك الجمعيات، ورغم ذلك يمكننا ذكر بعض المؤسسات التي تعنىلا بعلاج الإدمان والتوعية من مخاطره من التواجد في القدس، مثل مؤسسة “الائتلاف المقدسي”، وجمعية “الهدى لمقاومة وتأهيل المدمنين”، ومركز “عناتا”، وجمعية “حماية الأسرة والمجتمع” لمعالجة مدمني المخدرات، وتعمل هذه الجمعيات من أجل  الحد من انتشار المخدرات والسموم المخدرة والوصول إلى مجتمع خالٍ من المخدرات.

يشار إلى أن هناك دور كبير لوزارة التربية والتعليم الفلسطينية في القدس، حيث يقوم الأخصائيون بتقديم برامج توعية في المدارس، وهناك بعض الجمعيات الصغيرة التي تقدم خدمات ومساعدات اجتماعية لعائلات المدمنين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد