وصل الرئيس الفلبيني «رودريغو دوتيرتي» إلى الرئاسة في مايو (أيار) الماضي، وقبل مضي ثلاثة أشهر على منصبه، قتل أكثر من 2000 شخص، يشتبه في تورطهم في قضايا المخدرات، فقد توعد الرجل خلال حملته الانتخابية بقتل 100 ألف مجرم في أول ستة أشهر من توليه المنصب.

جعلت حرب المخدرات في الفلبين الآن، مشهد جثث القتلى في الطرقات، وبجانبها يافطة «أنا مروج مخدرات»، أمرًا اعتياديًا، كما أصبح مشهد تسليم المدمنين والتجار أنفسهم للشرطة، خوفًا من القتل، اعتياديًا أيضًا. وأثارت طرق ووسائل مواجهة المخدرات، القائمة على التصفية بشكل مباشر، ودون محاكمات وقضاء، انتقادات واسعة على المستوى الدولي، وصل لحد سب «دوتيرتي» منظمات ومسؤولين دوليين.

كيف بدأ «دوتيرتي» الحرب على المخدرات؟

«إذا كنتم تعرفون أي مدمن مخدرات، اذهبوا واقتلوه»، هذه الجملة التي خاطب بها رئيس الفلبين «رودريغو دوتيرتي» المحتفلين بحفل تنصيبه، في 30 يونيو (حزيران) الماضي، جاءت لتؤكد على برنامجه الانتخابي، الذي أعلن فيه عن حملة قاسية لمكافحة الإجرام، وإعادة العمل بعقوبة الإعدام، خاصة ضد تجار المخدرات، مؤكدًا على حزمه، وقائلًا: «سأضرب تهريب المخدرات بقسوة». كما يبدو أنه كان اقتصاديًا، عندما فضل الإعدام شنقًا على الرمي بالرصاص، لعدم تبذير الرصاص كما قال.

لم يكتفِ «دوتيرتي» بذلك، فقد صرح أن «مئة ألف شخص سيموتون، وستلقى جثثهم للأسماك في خليج مانيلًا، دهون الأسماك ستزداد في خليج مانيلا». ووعد بالقضاء على جريمة الاتجار بالمخدرات خلال ستة أشهر، لذلك ومنذ تنصيبه، بدأت الشرطة في قتل المئات من تجار المخدرات، أو المشتبه بهم. وتظهر آخر إحصائية نشرتها الشرطة الفلبينية، في الرابع من سبتمبر (أيلول) الحالي، أن عدد القتلى تجاوز 2400 قتيلًا، خلال ثلاثة شهور من الحرب على تجار المخدرات والمجرمين الآخرين، وهو ما يعني أن 35 شخصًا يقتلون يوميًا في المتوسط. ووصل الأمر بـ«دوتيرتي» إلى تحذير أكثر من 100 عامل فلبيني، عادوا من السعودية مؤخرًا، من الاقتراب من المخدرات. وقال لهم: «تجنبوا المخدرات بأي ثمن لأنها قد تكلفكم حياتكم».

المخدرات في الفلبين.. الأنواع والعلاج

دمرت المخدرات المدرة لأرباح طائلة الملايين من الفلبينيين، فهناك نحو 3.7 مليون مدمن في الفلبين، وكما يقول الفلبينيون «المخدرات تباع في الشوارع مثل الحلوى». وتعد أكثر أنواع المخدرات تناولًا، خاصة في الأحياء الفقيرة، هو مخدر «الميثامفيتامين» البلوري، المعروف باسم «شابو«، فرخص سعره وسهولة تناوله دفعتا لسرعة إدمانه، خاصة أن هناك قناعة بأنه يمنح القوة لمن يعمل في المهن الشاقة. وتلقي الحكومة الفلبينية باللوم على مخدر شابو في زيادة معدل الجريمة، مثل حوادث القتل والاغتصاب والسرقة.

من جانب آخر، وبينما كان يدعو قائد شرطة الفلبين، «رونالد ديلا روزا»، مدمني المخدرات إلى قتل المتاجرين بها، وإحراق بيوتهم، كشف أيضًا عن الاشتباه بنحو 300 من الضباط في تورطهم بتجارة المخدرات، وقال روزا لـ«رويترز«: «نحو 300 من ضباط الشرطة على قائمة المراقبة، للاشتباه في اتجارهم بالمخدرات المصادرة في الحملات، أو حمايتهم للعصابات التي تعمل في تصنيع وتوزيع المخدرات».

كما كشف الرئيس الفلبيني نفسه، في أغسطس (آب) الماضي، عن وجود أكثر من 150 سياسيًا وقاضيًا، وعناصر في وكالات إنفاذ القانون، يشتبه بتورطهم في تجارة المخدرات غير المشروعة، وتضمنت القائمة ثمانية قضاة، وأكثر من 50 رئيسًا للبلديات الحالية والسابقة، ونواب رؤساء بلديات ومحافظين، وأعضاء في الكونجرس، وكذلك 95 ضابط شرطة وجندي وحراس سجون.

وتقول الحكومة الفلبينية أنها تعمل على توسيع خدمات إعادة تأهيل المدمنين، فهناك أقل من 50 مؤسسة لإعادة التأهيل، وهناك انتقادات عدة تنال منها، كونها ممتلئة بالمرضى، وتفتقد للأطباء القادرين على تقدير احتياجات المريض، ومستشاري الإدمان المؤهلين.

وتشير صحيفة نيويورك تايمز إلى أن الحكومة الفلبينية غير مستعدة لمساعدة فيضان المدمنين على المخدرات، الذين تعهدوا بترك عاداتهم السيئة، تاركة معظمهم لمحاربة الإدمان بأنفسهم. ويقول رئيس القوة المسؤولة عن تطوير خطة مكافحة الإدمان، «برناردينو فينسينتي»: «تؤسس الحكومة الفلبينية مراكز إعادة تأهيل في قواعد عسكرية، وتنظم ندوات لإرشاد المرضى حول طرق التغلب على الإدمان»، مضيفًا: «الازدحام حصل بشكل مفاجئ، وهذه أزمة، ونحن نحاول في نفس الوقت استغلالها لمساعدة هؤلاء المدمنين، فتكلفة توفير العلاج لهؤلاء الأشخاص قد تصل لمليارات الدولارات».

كيف يُقتل تجار المخدرات في حرب «دوتيرتي» ضدهم؟

«ماريا» وهو اسم مستعار، سيدة فلبينية تناولت وسائل الإعلام حكايتها، بوصفها عضوة في فريق مكون من ثلاث نساء، يشاركن في تصفية تجار المخدرات، هذا الفريق هو واحد من «فرق الموت» الموالية للحكومة الفلبينية، الذين تقول الشرطة أنهم قتلوا 1051 شخصًا، بينما قتلت الشرطة 900 آخرين.

اختيرت ماريا، التي سبقها زوجها في هذا العمل، لأن بإمكانها الوصول إلى المستهدفين دون إثارة شكوك تجار المخدرات، الذين اعتادوا على أن يصفوا على أيدي الرجال، وقتلت ماريا خمسة من التجار بطلقات في الرأس، وهي كما تقول تتلقى الأوامر من ضباط الشرطة الفلبينية، وتتقاضى حوالي 20 ألف بيزو فلبيني «430 دولارًا أمريكًيا» في المهمة الواحدة، لكن هذا المبلغ يُقسم على ثلاثة أو أربعة أشخاص، وهو مبلغ كبير بالنسبة لها، باعتبارها سيدة فقيرة تعيش في الفلبين.

وأشارت صحيفة فايننشل تايمز البريطانية إلى وجود ثلاثة أساليب للقتل، تُستخدم في حرب المخدرات في الفلبين، أولى تلك الوسائل هو قتل تاجر المخدرات عند مقاومته عناصر الشرطة، أثناء الاعتقال ودون تردد، أما الأسلوب الثاني فهو «الاقتصاص»، وفيه يقود ملثمان دراجة نارية، ويقتربان من الهدف، ويقضيان عليه بالرصاص في منطقة خالية نوعًا ما، والأسلوب الأخير يحيط به الغموض، لأنه يتم العثور على جثث بعض الأشخاص ملفوفة بالبلاستيك والأكياس، وعليها ورقة مكتوب عليها «أنا مهرب مخدرات«، إذ يعتقد أنها نفذت على أيدي متطوعين مدنيين.

انتقادات دولية واسعة.. و«دوتيرتي» يرد بالسباب

لاقت حملة «دوتيرتي» على المخدرات انتقادات دولية واسعة، خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، وكذلك الاتحاد الأوروبي، إذ دعت هذه الجهات حكومة الفلبين إلى احترام مبادئ حقوق الإنسان، مؤكدين على إمكانية استغلال هذه الحرب من أجل تصفية حسابات أخرى، أو أن تطال عمليات القتل أشخاصًا لا علاقة لهم بالمخدرات.

وأكد معارضو حرب دوتيرتي أيضًا على أن تلك الحرب لم تضمن لأكثر من 700 ألف شخص، قاموا بتسليم أنفسهم للشرطة، الأمن من القتل أو الحصانة. فأكثر من نحو 15 ألف شخص منهم وضعوا في السجون المزدحمة، التي يمكن أن يحدث فيها أي شيء، رغم استسلام معظمهم.

وفي رفضه لهذه الانتقادات، وصل الأمر بـ«دوتيرتي» لسب البابا فرنسيس بابا الفاتيكان، والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وانضم للقائمة أيضًا الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي أثار سبه أزمة دبلوماسية بين الحليفين، وقال «دوتيرتي» قبل أن يعتذر، موجهًا الحديث لأوباما: «لا تسألني عن الموضوع وإلا سأشتمك». أما في نقده للأمم المتحدة، قال الرئيس الفلبيني: «اللعنة عليهم، هم دائما يتدخلون في شؤون الآخرين، ليس من الممكن أن تذهب وتدلي بتصريح حول دولة ما».

ويقول مؤسس منظمة هيومان رايتس واتش، أرييه نيير: «يبدو أن هيئات إنفاذ القانون في الفلبين، والتي تواصل حربها ضد المخدرات، تتجاهل تمامًا كل القواعد والمتطلبات الأساسية، مثل جمع الأدلة، والتمسك بالإجراءات القانونية الواجبة، أو حتى إجراء المحاكمات. حتى أن رئيس الشرطة في الفلبين، رونالد ديلا روزا، حَمَّل الضحايا المسؤولية عن موتهم، مدعيًا أنهم لو لم يقاوموا قوات الشرطة، لظلوا على قيد الحياة»، مضيفًا: «ينافي هذا التفسير لارتفاع عدد القتلى العقل، ففي السيناريوهات حيث يُطلق الرصاص على أفراد يقاومون الاعتقال، لا بد أن يكون عدد المصابين، كما هو الحال في الصراعات العسكرية، أكبر كثيرًا من عدد القتلى. أما إذا مات كل شخص تُطلِق عليه الشرطة النار تقريبًا، فهذا يشير إلى أن الرماة يعدمون الأشخاص الذين يحتجزونهم بالفعل».

عرض التعليقات
تحميل المزيد