جدل كبير شهده الشارع المصري؛ في أعقاب إعلان «مجلس الوزراء» المصري، زيادة أسعار بعض الأدوية. الجدل لم يقتصر فقط على مؤيدي ومعارضي القرار؛ بحجة تأثيره على المواطن المصري، الذي يعاني من آثار اقتصادية كبيرة، شملت زيادة أسعار الطعام، والعديد من الخدمات، خلال العام الأخير.

امتد الجدل؛ ليشمل قطاعًا واسعًا من الناس حول حقيقة ارتفاع أسعار الأدوية بالنسب التي حددها قرار مجلس الوزراء. البعض فوجئ بالحديث عن أن أسعار الأدوية كانت أكبر بكثير من النسب التي حددها القرار، ليس لأن مجلس الوزراء أخطأ، ولكن لأن القرار اشتمل على تلاعب في طريقة التنفيذ؛ التي اشتملت تطبيق الزيادة كاملة على الوحدة، وليس على إجمالي المنتج الدوائي.

زيادة 20%

قرار مجلس الوزراء رقم 499 والصادر يوم 16 مايو (أيار) 2016، شمل زيادة أسعار جميع الأدوية التي يقل سعرها عن 30 جنيهًا مصريًا بمقدار 20%، كما تزيد الأدوية التي تقل عن 10 جنيهات بمقدار جنيهين. معى هذا أن دواء «ميكوفيللين» الذي يبلغ سعره خمسة جنيهات سيصبح سعره سبعة جنيهات؛ لأنه أقل من 10 جنيهات، فيما سيصبح سعر دواء «كونكور» 5 مجم لعلاج الضغط بسعر 25.2 جنيهًا، بدلًا من 21 جنيهًا.

بعض الناس ذكر أن هناك تلاعبًا في تنفيذ القرار؛ بحيث يتم تطبيق الزيادة 20%، من إجمالي بيع العبوة، على كل وحدة من وحدات هذه العبوة؛ لنعطي مثالًا للتوضيح: فلو قلنا: عقار «أمبولات فولتارين» سعرها قبل الزيادة 25.5 جنيهًا، وأن العبوة تحتوي على ست أمبولات، ليكون سعر الأمبولة الواحدة 4.25 جنيهات. المفترض أن هذا العقار يزيد بمقدار 20%، ليصبح 30.6 جنيهًا بزيادة قدرها 5.1 جنيهات.

طبقًا لما ذكره البعض من توزيع إجمالي الزيادة على كل وحدة، فإننا سنقوم بزيادة مبلغ 5.1 جنيهات على سعر كل أمبولة؛ ليصبح سعر الأمبولة 9.35 جنيهًا، وبالتالي يصبح سعر العبوة 56.1 جنيهًا، أي بزيادة نهائية حقيقية مقدارها 120%.

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/mohamed.atta.1656/posts/1090926344299225″ width=”” ]

هل هذا الأمر حقيقي؟

تواصل «ساسة بوست» مع عدد من الصيادلة؛ لمعرفة الحقيقة وراء تنفيذ هذا القرار بالفعل. «رحاب محمد»، إحدى الصيدلانيات، اللاتي تملكن صيدليات خاصة، أشارت إلى تواصل نقابة الصيادلة معهم بالفعل، عبر الرسائل القصيرة؛ مُطالبةً إياهم بزيادة أسعار الأدوية؛ طبقًا لما أقره مجلس الوزراء من زيادات.

المشكلة التي أشارت إليها، تكمن في فكرة وجود بعض الأدوية التي تملك شكلين مختلفين، وضربت المثل بعقار «كونكور 5 مجم»، الذي يوجد منه عبوتان: الأولى تحتوي على شريط واحد بسعر سبعة جنيهات، والثانية عبوة بها ثلاثة شرائط بإجمالي سعر 21 جنيه قبل الزيادة.

طبقًا للنشرة التي تم إرسالها إلى نقابات الصيدلة المختلفة، والتي ضمت قوائم الأدوية وأسعارها قبل الزيادة وبعدها، والتي وصل عددها إلى أكثر من سبعة آلاف صنف، فإن سعر دواء «كونوكور 5 مجم»، أصبح 25.2، أي بزيادة مقدارها 20% بالفعل، لكن بالنسبة للتعامل مع العبوة ذات الشريط الواحد، فإن الزيادة سوف تكون بمقدار جنيهين، ليصبح سعر العبوة تسعة جنيهات بدلًا من سبع جنيهات، وبالتالي فعند شراء الشخص لثلاث عبوات، فإن إجمالي السعر سيكون 27 جنيه، وليس 25.2 جنيه.

سعر عقار كونكور موضح بالسهم الأحمر


هذا الأمر، وفقًا لرحاب، وضع الصيادلة في مشكلة عويصة؛ عند إعادة تغيير أسعار الأدوية، خصوصًا وأن منشور النقابات لم يتناول عبوة كونكور ذات الشريط الواحد. ونفت الصيدلانية فكرة زيادة أسعار الوحدات بإجمالي 20% من سعر العبوة كاملةً، كما ذكر البعض، وما تناولوه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

«البوست» السابق ذكر أن سعر علبة عقار «ريفو» من المفترض أن تزيد من 15 جنيهًا إلى 18 جنيهًا، وطبقًا لما ذكره من توزيع قيمة الزيادة على الوحدات، فإن سعر العلبة أصبح 55 جنيهًا. هذا الأمر نفاه جميع الصيادلة الذين تحدثنا معهم، والذين أكدوا بأن السعر كما هو 18 جنيهًا فقط.

أيضًا ذكر البوست أن سعر عقار «كولشيسين» ارتفع من 10 جنيهات إلى 50 جنيهًا، لكن الصيدلانية رحاب أكدت أن هذه الزيادة تمت منذ أكثر من ستة أشهر، وأنه لا علاقة لها بالزيادة الخاصة بمجلس الوزراء. هذا الأمر تأكدنا منه بالفعل بمراجعة النشرة الخاصة بالزيادة في أسعار الدواء، والتي لم تشتمل نهائيًا على عقار كولشيسين؛ والسبب بالطبع هو أن سعره أصبح 50 جنيهًا (أكثر من 30 جنيهًا)، وبالتالي لا تنطبق عليه الزيادات الأخيرة.

المفترض أن يكون عقار كولشيسين مكان السهم الأحمر إن كان له علاقة بالقرار الأخير


ونفت الصيدلانية، طبقًا لمشاهداتها، أن يكون القرار قد سبقه علم مؤكد لأصحاب الصيدليات الكبيرة بهذه الزيادة مما ساعدهم على تخزين كميات كبيرة من الأدوية بشكل مسبق، فقالت إن «الزيادة كانت مفاجأة للجميع بالفعل». صيادلة آخرون رفضوا ذكر أسماءهم، قالوا إنه ليس لديهم علم بقيام الصيدليات الكبرى بتخزين أدوية قبل القرار، لكنهم أيضًا أشاروا إلى أن طبيعة الفساد في مصر تجعلهم يشكون في كل شيء.

مشكلة اختفاء الدواء

وعانت مصر في العام الأخير من اختفاء عدد كبير من الأدوية، وصل إلى 1700 دواء؛ طبقًا لآخر حصر قامت به غرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات. الحجة الأساسية لشركات الأدوية كانت تتمثل في ارتفاع أسعار تكلفة الإنتاج لبعض الأدوية رخيصة الثمن؛ نتيجة ارتفاع سعر الدولار، وارتفاع تكلفة الاستيراد، مما أدى إلى خسارة شركات الأدوية كثيرًا في عملية إنتاج هذه الأصناف.

وقد جاء قرار مجلس الوزراء هذا بمثابة طوق النجاة لشركات الأدوية هذه التي تزعم أنها تتكبد خسائر كبيرة؛ نتيجة بيعها لهذه الأصناف بسعر أقل من كلفة إنتاجها.

وفي تصريحات صحفية لها، قالت «ولاء فاروق»، مديرة إدارة النواقص بوزارة الصحة، إن «الوزارة أمهلت كل الشركات المتوقفة عن إنتاج المستحضرات الدوائية عمدًا، مدة شهرين فقط؛ لإعادة طرح هذه الأصناف بالأسواق من جديد، في أعقاب زيادة أسعارها. وفي حالة عدم امتثال أي شركة لهذه المدة، فإنه سيتم وقف تراخيص الإنتاج الخاصة بها، ومنحها لشركات جديدة.

وتشير فاروق إلى أن الأزمة الحقيقية التي تواجها وزارة الصحة تمثلت في اختفاء 40 صنفًا دوائيًا لا يوجد لها بدائل، والتي يتركز أغلبها في أدوية الأورام ومشتقات الدم. وأشارت إلى أن غالبية الأدوية الأخرى المختفية من الأسواق لها بدائل أخرى يمكن التعامل معها.

لكن هنا تجدر الإشارة إلى أن بدائل الأدوية في السوق المصري تختلف بعض الشيء: الاختلاف الأساسي يظهر في نقطتين رئيسيتن: الأولى هو وجود فرق واضح في السعر بين المنتج الناقص وبديله، (أمبولة حقن رومافين يبلغ سعرها جنيهين فقط، لكن بديلها أمبول فولتارين يبلغ سعره 4.25 جنيهات، نحن نتحدث هنا عن الضعف تقريبًا)، والنقطة الثانية تتمثل في اختلاف الجودة بين منتج وآخر طبقًا لكفاءة المادة الفعالة؛ طبقًا لدولة الاستيراد (المواد الفعالة تنقسم طبقًا لجودتها لعدة درجات بين درجة أولى وثانية وثالثة طبقًا لبلد الاستيراد أو طلب الشركة ذاتها).

قرار الزيادة مثل طوق نجاة للصيدليات الصغيرة وشركات الأدوية

إنقاذ للصيادلة

الصيدلانية «رغدة أحمد»، أشارت إلى أن القرار الأخير جاء إنقاذًا لها، وللصيدلية الصغيرة التي تملكها؛ فقد أشارت إلى أن الصيدليات الصغيرة والمتوسطة أصبحت تواجه معضلة كبيرة مؤخرًا؛ نتيجة عدد من المشاكل المادية؛ فهناك مشكلة زيادة أجور العمالة التي تضاعفت بشكل واضح خلال الأعوام الخمسة الأخيرة؛ مما يمثل حملًا ماديًا كبيرًا على أصحاب هذه الصيدليات.

أضف إلى هذا زيادة أسعار فواتير المياه والكهرباء التي أشارت الصيدلانية إلى أنها تضاعفت بشكل حقيقي وفعلي، وفي نفس الوقت فإن هامش الربح كما هو لا يتغير، وبالتالي، إجمالي المكسب ثابت لا يتغير، في الوقت الذي ترتفع في كل التكاليف الأخرى. ليس هذا فحسب، بل إن المنافسة الكبيرة بين الصيدليات، وزيادة أعدادها بشكل غير مسبوق، لدرجة أن المدن الكبيرة أصبح لا يوجد بها مكان مميز لفتح صيدلية، جعل الدخل الشهري للصيادلة لا يرتفع إلا بنسب ضئيلة جدًا، أقل بكثير من معدلات زيادة الأجور و«الفواتير».

وأشارت أحمد إلى أن زيادة أسعار قرابة سبعة آلاف صنف من الأدوية، سيمثل فرصة لزيادة أرباح الصيادلة، بنفس نسبة الزيادة تقريبًا، وهو ما سيساعدهم على الاستمرار في فتح الصيدليات الصغيرة، بعدما كان الكثيرون يفضلون بالفعل غلقها أو تأجيرها؛ لكونها لا تعطيهم الحد الأدنى الملائم من الربح.

تجدر الإشارة هنا إلى أن بعض شركات توزيع الأدوية قامت باستغلال هذا القرار، وقامت بغلق مبيعاتها لعدة أيام؛ كي تستفيد من هذه الزيادة في الأسعار، فتعود وتبيع الأدوية المكدسة عندها ذات السعر القديم بالأسعار الجديدة، وتحقق ربحًا أقوى. إحدى شركات التوزيع الشهيرة في شمال مصر قامت بذلك الأمر بالفعل، طبقًا لما ذكره بعض أصحاب الصيدليات لـ«ساسة بوست».


المصادر

تحميل المزيد