كان «بابلو إسكوبار»، زعيم المخدرات الشهير، يُشكّل مصدر رعب حقيقي بالنسبة لكولومبيا خلال الثمانينات من القرن الماضي، لحجم خطورة إمبراطورية المخدرات التي بناها داخل بلاده، والتي جعلت منه واحدًا من أغنى المليارديرات في العالم خلال تلك الفترة، بثروة تقدر بـ30 مليار دولار، جناها من تجارة الكوكايين الموجه نحو أمريكا.

نشر إسكوبار الخراب والدماء في ربوع كولومبيا في عهده، وتسبب في مقتل الآلاف من رجال الشرطة والقضاة التابعين لأجهزة الحكومة، إضافةً إلى الصحافيين والمدنيين والمنافسين له في تجارة المخدرات؛ ما دفع الحكومة الكولومبية إلى طلب المساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية، ليتمكن بعدها العملاء الفيدراليون من تعقب تاجر المخدرات الشهير، وقتله في مواجهة نارية سنة 1993.

كانت عصابة بابلو إسكوبار واحدة فقط من بين عشرات عصابات المخدرات النشطة في كولومبيا منذ أكثر من نصف قرن؛ ما حوَّل هذا البلد إلى أحد أبرز بؤر الإجرام والعنف في العالم؛ نتيجة عجز الحكومات الكولومبية المتعاقبة في السيطرة على البلاد.

كولومبيا وتجارة المخدرات

تعد كولومبيا مركز الكوكايين في العالم، حيث تستحوذ لوحدها على %43 من إنتاج هذا الصنف من المخدرات عالميًا، يصدر %80 منه نحو الولايات المتحدة الأمريكية، بسوق تجارية تقدر أرباحها بمليارات الدولارات.

ووصل نفوذ تجار المخدرات، إلى التغلغل في مؤسسات الدولة والمجتمع الكولومبي، مُنشئين «كارتلات» منتشرة بمناطق البلد، تسيطر عليها إمبراطوريات المخدرات، التي توفر لكثير من الفئات المجتمعية مصدر مال وفير، في غياب مشاريع التنمية بالمناطق النائية الكولومبية.

ويحرص أعضاء هذه العصابات على مقاومة الجهود الحكومية، التي تحاول الحد من بسط نفوذهم، عبر عمليات العنف والاغتيال الممنهجة، لأفراد الشرطة والقضاة والمتعاونين معهم من المدنيين، كما أنهم يديرون حربهم بذكاء في مواجهة لحكومة، إذ ينظمون مناطق النفوذ فيما بينهم، ويتحدون عندما تشن حملات عسكرية ضدهم.

ألحقَ هذا بكولومبيا آثارًا كارثية، بسبب نشاط إمبراطوريات المخدرات، والتي تمثلت في رَفع معدلات الإجرام بشكل مخيف، وصلت إلى 14 ألف جريمة مسجلة سنويًا.

واستفحل الفساد في دواليب الدولة وأجهزتها، كما قضت نشاطات المخدرات على أي فرصة لقدوم الاستثمارات الخارجية مما أضعف الحياة الاقتصادية للبلد، علاوة على ترويع حياة المواطنين الآمنين بسبب شيوع العنف في الشوارع الكولومبية.

تعاون الولايات المتحدة وكولومبيا

تعتبر قضية المخدرات، أساسية في السياسات الخارجية الأمريكية مع الدول اللاتينية، التي تصدر آلاف أطنان المخدرات سنويًا إلى الولايات الأمريكية، ونتيجة لذلك، شنت واشنطن حربًا شعواء على عصابات المخدرات بأمريكا اللاتينية قبل نصف قرن.

 

كولومبيا، أحد هذه البلدان التي مثلت صداعًا مزمنًا للإدارة الأمريكية؛ بسبب إغراقها للأراضي الأمريكية بأطنان الكوكايين، وهو الشيء الذي رفع معدلات الجريمة خلال التسعينات من القرن الماضي إلى مستويات غير مسبوقة؛ مما دفع الرؤساء الأمريكيين إلى توسيع حربهم ضد المخدرات خارج البلد.

ولأجل ذلك، موَّلت الولايات المتحدة الأمريكية مخططات لمكافحة تجارة المخدرات في كولومبيا بثمانية بليون دولار على مدار الخمسة عشر سنة الأخيرة، لتقوية الجيش الكولومبي وإجراء مبادرات وإجراءات عسكرية ضد الجماعات المتمردة المرتبطة بتجارة المخدرات، كما يقول «ريكاردو بارجاس»، باحث في معهد «ترانزينشونال».

مثلما تقوم الطائرات الأمريكية في كل عام، بحرق حقول نبات «الكوكا»، عن طريق رش المحاصيل الزراعية بالمبيدات الكيماوية، بهدف ضرب إنتاجية الكوكايين، مما خفض نسبة المساحات المزروعة بنباتات المخدرات، خلال السنوات الأخيرة، حسبما يفيد تقرير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات.

استطاعت الشرطة الفيدرالية الأمريكية، من تصفية العديد من بارونات عصابات المخدرات وإدخال أعضائها السجون الأمريكية، حيث لا يمكنهم استخدام نفوذهم للهرب من السجن، كما يفعلون عادة بسجون كولومبيا، منهم، «بابلو إسكوبار، إلوكو، جوزي سنتا كروز لوندونو، جوز إفاريستو».

لكن نتئائج حرب المخدرات المعلنة في كولومبيا، والمدعومة من واشنطن، لم تقض تمامًا على تجارة المخدرات، إلا أنها جعلتها في تراجع مستمر، كما أنقذت المؤسسات الكولومبية من السقوط في يد ممثلي عصابات الكوكايين.

غير أن النهج العسكري المتبع في محاربة المخدرات بكولومبيا، إلى تصاعد في العنف والفساد والإفلات من العقاب وتآكل سيادة القانون وانتهاكات حقوق الإنسان، وفقًا لتحالف سياسات مكافحة المخدرات، وقد بدأت تتزايد الضغوطات الدولية، لحث الإدارة الأمريكية على تغيير سياستها التقليدية الراسخة في مواجهة المخدرات.

هل ينهي الاتفاق الكولومبي معركة المخدرات؟

قدمت مؤخرًا جائزة نوبل للسلام للرئيس الكولومبي «خوان مانويل سانتوس» لنجاح جهوده في إنجاز اتفاق سلام مع متمردي «فارك»، الجاري تطبيقه بعد أربعة أعوام من التفاوض، مما سينهي حربا أهلية، كلفت 250 ألف قتيل و45 ألف مفقود و6،9 ملايين مهجر، خلال نصف قرن.

ويتوقع من الاتفاق أن يفتح الطريق لتركيز الجهود الحكومية في مكافحة تجارة المخدرات، بدل صرفها في مواجهة المنظمات السياسية المتمردة، والمجموعات الإجرامية المنبثقة عنها؛ مما سيشكل تحولًا نوعيًا في مكافحة المخدرات بكولومبيا، ولاسيما مع قبول منظمة «فارك» شبه العسكرية على نزع السلاح، وتأييد الحكومة في محاربة عصابات المخدرات.

 

ومن ثمَّة لم يكن غريبًا إبداء واشنطن ترحيبها باتفاق السلام بين الحكومة الكولومبية وحركة «فارك» الشيوعية تحت رعاية الأمم المتحدة، إذ من شان هذا الاتفاق يساعد السياسة الأمريكية في مكافحة المخدرات وتحصين ولاياتها.

من جهة أخرى، لا يتوقع البعض أن ينجح الاتفاق في تطهير كولومبيا من تجارة المخدرات، وفي هذا السياق يقول المحلل الكولومبي، «كيل جونسون»، المحلل الكولومبي، «أعتقد أن نشاط جيش التحرير الوطني والمجموعات الإجرامية ما زال لا يخولنا الحديث عن النهاية التامة للصراع المسلح. وسينهي الاتفاق أبرز صراع مسلح في كولومبيا، لكنه لن ينهي كل شيء».

عرض التعليقات
تحميل المزيد