أن موضوع المخدرات يعد طابو حساس داخل المغرب، ولا يتم التطرق إليه أو مناقشته في الفضاءات المجتمعية أو السياسية إلا من باب الأحاديث السطحية حوله

تُشير الساعة إلى 11 صباحًا. يقف رجلا أمنٍ بزي مدني، أمام مبنى حديث، في شارع مصطفى العماني، وسط مدينة الدار البيضاء، ينتظران نزول أحدهم من الطابق الثاني للمبنى بعد استدعائه، لم يكن ذلك الشخص سوى محمد كاميلي، المدير الفني لموقع «لوديسك» الإلكتروني، الذي سيتفاجأ بأمر التوقيف.

تعود خيوط قصة التوقيف إلى شهر مايو (آيار) 2015، عندما كان طاقم صحافيين لقناة «كنال بلوس»، يُجهّز لإعداد تحقيق متلفز عن تجارة الحشيش في المغرب، وطلب من السلطات المغربية إذن ترخيص لتصوير الفيلم الوثائقي، بيد أن الطاقم لم يتلق أي رد، ليتابع فريق القناة الفرنسية مهمته في سرية، فاستعانت «كنال بلوس» بمساعدة الصحافي محمد كاميلي؛ ليتوسط لها للقاء مع أحد المزارعين لنبتة القنب الهندي، شمال المغرب، في يونيو (حزيران) من نفس العام.

أثار التحقيق المُصور، عند عرضه على قناة «كنال بلوس»، بعنوان «مماليك الحشيش»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015؛ جدلًا واسعًا، لما أظهره من حقائق صادمة عن تجارة الحشيش بالمغرب. يسرد التحقيق المتلفز رحلة الصحافي جيرو بييرا، الذي تقمص دور تاجر المخدرات، الذي قدم لشراء الحشيش، من إحدى المدن الشمالية للمغرب، ثم تهريبه نحو السواحل الإسبانية.

نجح الصحافي الفرنسي في التغلغل داخل عالم تجارة الحشيش المحفوف بالمخاطر في المغرب، كاشفًا عن تواطؤ البحرية المغربية ونظيرتها الإسبانية، مع تجار المخدرات من أجل تسهيل نقل البضاعة نحو أوروبا، مقابل رشاوى مالية.

لعل انتشار تجارة الحشيش في المغرب ليس بجديد، ففي تقرير حديث، منتصف أبريل (نيسان) المنصرم، صنفت الوكالة الأوروبية لمراقبة حدود الاتحاد الأوروبي (فرونتكس)، المغرب، المصدر الأكبر للحشيش نحو الاتحاد الأوروبي، عام 2015، إذ أحصت أكثر من 1200 مهرب مخدرات مغربي، مقابل 500 سوري و400 تركي. أضف إلى ذلك، التقارير السنوية الأخيرة، الصادرة عن الهيئة الدولية لمكافحة المخدرات، التابعة للأمم المتحدة، التي تضع المغرب في المرتبة الأولى عالميًّا في إنتاج القنب الهندي (الحشيش).

لكن الغريب في هذا الأمر هو أن موضوع المخدرات يعد تابو حساسًا داخل المغرب، ولا يتم التطرق إليه أو مناقشته في الفضاءات المجتمعية أو السياسية، إلا من باب الأحاديث السطحية حوله، ما عدا بعض المنابر الإعلامية التي قد تتوغل بجرأة في سراديب هذا العالم المظلم والمدر للأموال.

لمحة تاريخية عن بداية انتشار المخدرات في المغرب

تذكر بعض المراجع التاريخية، أن «الكيف» (مخدر يستخلص من نبتة القنب الهندي)، ظهر منذ القرن 19، قبل سبع سنوات من الاستعمار، بدليل أن الحسن الأول (1873- 1894)، في محاولة لتهدئة القبائل الثائرة في هذه المنطقة، أثناء هذه الفترة؛ أصدر ظهيرًا يسمح لدواوير بني خالد، وكتامة، شمال المغرب، بزراعة الكيف للاستهلاك المحلي، بيد أن استهلاك نبتة الكيف كان محدودًا ومنحسرًا داخل المنطقة الشمالية.

ومع بداية القرن العشرين، أصبح من العادات اليومية لساكنة الريف، شيوخًا وشبابًا، تدخين الكيف عبر قصبة متوسطة الطول، تدعى «السبسي»، وقد حاول حينها عبد الكريم الخطابي في ثورته بين 1920 و1925، منع زراعة الكيف واستهلاكه، لكنه لم يفلح. ثم حاولت السلطة المغربية إبان الاستقلال، استئصاله، إلا أنها جوبهت برفض قبائل الشمال، التي حاججت بظهير الحسن الأول، الذي رخص لهم زراعة واستهلاك نبتة الكيف، لتتراجع السلطة عن خطوتها تلك.

مع منتصف الستينات، حين سادت نزعة الهيبيز البلدان الغربية، قدم بعض الهيبيز إلى مدينة طنجة المعروفة بطابعها الدولي آنذاك، وأبدعوا طريقة مبتكرة في تحضير نبتة القنب الهندي؛ لاستخلاص مادة مخدرة جديدة، أشد تأثيرًا من الكيف، كانت هذه المادة هي الحشيش، التي شاع استهلاكها بسرعة محليًّا وعالميًّا.

سمح الطلب العالمي المتزايد لهذا المخدر في السبعينات، بنشوء سوق تجاري جديد يدر أموال خيالية على ساكنة الريف شمال المغرب، التي كانت تئن تحت وطأة التهميش التام لأسباب سياسية في تلك الفترة. أمام هذا الوضع البائس اتجه الكثير من سكان المنطقة نحو زراعة نبتة القنب الهندي، كمورد رزق لقوتهم اليومي، لتتسع رقعة زراعة هذه النبتة في شمال المغرب بأكمله وتصل إلى مدن أخرى، بعد أن كانت هذه الزراعة محصورة في بضعة دواوير.

ستزداد هذه التجارة تنظيمًا وتوسعًا مع فترة الثمانينات والتسعينات، إذ ستنضج شبكات مخدرات مغربية دولية، تتخذ لها المغرب منطقة إنتاج لمخدر الحشيش، وأوروبا سوقًا للاستهلاك.

وهكذا وجدت مافيا المخدرات، موطأ قدم لها في المغرب، لتوسيع نشاطاتها وتجارتها، مستغلة القرب الجغرافي لأوروبا، والمسالك البحرية والبرية والجوية المتوفرة لتهريب المخدرات، وفي نفس الوقت وجد العديد من ساكنة المغرب، خصوصًا في المنطقة الشمالية، مصدرًا للاغتناء السريع ومراكمة الثروة بسهولة.

مافيا المخدرات تستعين بالطائرات الخاصة في التهريب

بحسب معطيات وزارة الداخلية، فإن حوالي 90 ألف عائلة مغربية تعيش على عائدات زراعة القنب الهندي، ويبلغ مردود كل عائلة من هذه الزراعة 3600 يورو سنويًّا بحسب دراسة أنجزتها وكالة إنعاش وتنمية الشمال، التابعة لرئاسة الحكومة.

وعادةً عند الحديث عن تجارة المخدرات في المغرب، تتوجه الأعين نحو المزارعين الصغار في الريف، إلا أن هؤلاء في الحقيقة ما هم سوى العمال الصغار لشبكات أخطبوطية متوارية تربح ملايين الدولارات لقاء إعداد النبتة على شكل أنواع مختلفة من المخدرات، وتهريبها نحو الخارج.

وإذا كانت هناك إحصائيات متوفرة حول هؤلاء المزارعين، فإن الشبكات السوداء التي تمثل الجبل المغمور تحت السطح، لا أحد يعلم كيف تعمل، وما هم رؤوسها الكبار، وكيف تتوغل في السياسة والمال والمجتمع، وكم عدد ضحاياها، وما هي شبكة المصالح «الأمنيين، والسياسيين، والقضاة، والصحافيين، والجمعويين» التي تحمي أخطبوط المخدرات؟ وإلى غير ذلك من التساؤلات الملحة.

لا تقدم التحقيقات الصحافية، التي حاولت التوغل في كهوف هذا العالم سوى القليل، لكن ما هو مؤكد حاليًا، هو أن شبكة المخدرات في المغرب، تملك الكثير من القدرات والعلاقات، لتستطيع الاستمرار وتجاوز رقابة سلطة الدولة، بطرق شتى لا تخطر على بال، على سبيل المثال أظهرت إحدى التحقيقات، أن مافيا المخدرات، تستخدم مهابط صغيرة، شيدتها بمناطق نائية مخفية بين الجبال، تنطلق منها مروحيات وطائرات صغيرة محملة ببضاعة المخدرات نحو إسبانيا.

يصرح أحد التجار القدماء لجريدة المساء المغربية، التي أعدت التحقيق «في تجارة المخدرات إما أن تربح مرة واحدة أو تخسر مرة واحدة»، قائلًا، إن «الذين يستعملون الطائرات، ليسوا أغبياء كما يعتقد البعض، بل إنهم يستعينون بالخبراء والمتخصصين باستمرار لتجاوز العقبات التي تضعها أمامهم السلطات الأمنية وتجاوز رادارات الرصد».

ثلث قضايا المحاكم بسبب المخدرات

رغم أن تجارة المخدرات في المغرب، تدر العملة الصعبة للبلاد، إلا أنها تخلف آثارًا مدمرةً على المجتمع والدولة سواء، فمن جهة، هناك حوالي 600 ألف مدمن مخدرات في المغرب، طبقًا لتقرير أصدرته مديرية الأوبئة ومحاربة الأمراض المعدية، حيث تنتشر ظاهرة الإدمان في صفوف الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عامًا، بنسبة 70%، والأخطر في الأمر، أن الظاهرة تتعدى الشباب إلى الأطفال وتلاميذ المدارس.

وكنتيجة تبدو طبيعية أيضًا لتجارة المخدرات وإدمانها، تتفاقم مشكلات أخرى، مثل الإجرام والتفكك الأسري وغسيل الأموال والرشوة. وكانت وزارة العدل المغربية، قد صرحت أن ثلث قضايا المحاكم في المغرب متعلقة بالمخدرات بشكل أو بآخر.

ومن جهة ثانية، تلطخ تجارة المخدرات المستفحلة، سمعة الدولة، ما يفقدها جزءًا من مصداقيتها أمام دول العالم، كما تتسبب في تآكل مؤسسات الدولة، بسبب اختراق شبكات المخدرات أجزاء من القضاء والسياسة والأمن والسجون، مما يشكل خطرًا حقيقيًّا على وجود الدولة ذاتها.

بيد أنه، لا تهدد هذه الشبكات السوداء، الأمن الاجتماعي بشكل كبير، كالحال في أمريكا الجنوبية، وإن كان يحدث أحيانًا تصفية حسابات بين أعضائها على الطريقة الهوليوودية، لتتناقلها صفحات الجرائد.

لماذا تصعب محاربة هذه الشبكات؟

تدرج الإدارة الأمريكية، المخدرات ضمن لائحة أبرز الأخطار التي تهدد أمنها القومي، فلا عجب إذًا من الحرب الشعواء التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية، منذ عقود على عصابات المخدرات، حتى أدى بها الوضع، إلى غزو بعض مناطق أمريكا اللاتينية لإبادة حقول المخدرات.

وإذا كانت الولايات المتحدة بقدراتها التكنولوجية المتطورة، وأجهزتها الضخمة، وخبرائها لم تتمكن حتى الآن من استئصال شبكات المخدرات، فإن ذلك يحيل إلى صعوبة تفكيك مثل هذه المنظمات، التي تجد طريقًا لها في كل مرة تغلق السلطة النفق أمامها.

وبخلاف السياسة الصدامية التي تجابه بها أمريكا شبكات المخدرات، فإن السلطة في المغرب تجمع في سياسة تعاملها مع «بارونات المخدرات»، بين التحكم والمرونة، إذ تجرم تجارة المخدرات، لكنها في نفس الوقت تسمح لبعض فلاحي الريف، الاستمرار في زارعة القنب الهندي.

وقد صارت المملكة المغربية في السنوات الأخيرة، أكثر عزمًا على محاربة تهريب المخدرات، إثر تزايد الضغوط الدولية من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبالفعل قام المغرب بجهود غير قليلة في محاربة هذه الآفة، أعطت بعض النتائج، التي تمثلت في تقليص المساحات المزروعة بالقنب الهندي، من 134 ألف هكتار سنة 2003، إلى 47 ألف هكتار في 2012، بالإضافة إلى زيادة كمية المخدرات المحجوزة، وتزايد عدد الموقوفين إثر قضايا مخدرات، كما يظهر الجدول.

051016_1359_1.png

تقارير صادرة عن مكتب مكافحة المخدرات والجريمة التابع للأمم المتحدة

كلمة وزير الداخلية، في 13 أغسطس (آب) 2014

وقد طفا النقاش مؤخرًا في البرلمان المغربي، حول إمكانية تقنين المخدرات، كمقترح طرحته بعض الأحزاب، بداعي استغلال هذه النبتة لأجل أغراض طبية، إلا أن الحكومة رفضت المقترح، واعتبرته محاولةً للتطبيع مع المخدرات.

بيد أن التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة، في مكافحتها للمخدرات هو إيجاد مورد بديل لآلاف الأسر في مناطق الريف، حتى يمكنهم الاستغناء عن زراعة نبتة القنب الهندي، ناهيك عن اللوبيات المتغلغلة في المجتمع، والتي تحمي مصالح شبكات المخدرات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد