تكرر الحديث في الآونة الأخيرة عبر وسائل الإعلام عن الطائفة الدرزية كعنصر فعال ولاعب مهم في الساحة الشرق الأوسطية، خصوصا فيما يتعلق بمدى تأثرهم بتقلبات الأزمة السورية ومحاولة إسرائيل استغلال أوضاعهم وتحويلها إلى ورقة سياسية تعطي الذريعة للتدخل العسكري المباشر في سوريا.

نستعرض في هذا التقرير تعريفا بالدروز وعقيدتهم، أوضاعهم في مختلف الدول العربية التي يعيشون فيها، وأيضا طبيعة علاقتهم بالجانب الإسرائيلي.

1- من هم الدروز؟

 

الدرزية أو كما يسميها أبناء طائفتها بمذهب التوحيد وأتباعها الدروز ومفردها درزي. طائفة دينية ذات أتباع في لبنان، سوريا، فلسطين، الأردن، مع بعض التجمعات في الولايات المتحدة، كندا، وأمريكا الجنوبية من المهاجرين من الدول المذكورة، يتراوح عدد منتسبيها حول العالم بين المليون والمليونين ونصف نسمة، يسمون بالدروز نسبة لنشتكين الدرزي الذي يقولون بزندقته ويعتبرون أن نسبتهم إليه خطأ، فهم يكرهون هذا الاسم ويرفضونه بل يشيرون إلى أن هذا الاسم غير موجود في كتبهم المقدسة ولم يرد تاريخيًا في المراجع التي تكلمت عنهم، فيقولون أن اسمهم هو الموحدون الدروز وهم أتباع الحاكم بأمر الله الفاطمي، عقيدتهم الأساسية في توحيد الله أو بتسميتهم الشائعة “بنو معروف” الذي يعتقد أنه إما اسم لقبيلة عربية اعتنقت الدرزية في بداياتها أو ربما هو لقب بمعنى أهل المعرفة والخير.

2- ما هي عقيدة الدروز؟

 

Druze_man

رجل دين درزي باللباس الديني الرسمي

ترتبط العقيدة الدرزية بشكل عام بالخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الذي يعد أحد أكثر الحكام إثارة للجدل في عصره، ففي 23 فبراير 1021م خرج ليلًا وبدون حراسة كعادته ولم يعد، واختلفت المصادر في تفسير الأمر الذي حصل في تلك الليلة لكن تبقى الحقيقة أن الحاكم بأمر الله قد اختفى من دون أثر.

اضطر الإسماعيليون في القاهرة إلى إعلان وفاة الحاكم بأمر الله وإعلان ابنه الظاهر لإعزاز دين الله إمامًا وحاكمًا للدولة الفاطمية. إلا أن حمزة بن علي مبعوث الحاكم إلى الشام رفض التسليم بموت الحاكم. وقال أنه اختفى ليعود في وقت لاحق ليملأ الأرض عدلًا، لذلك فهو رفض الاعتراف بإمامة ابنه الظاهر وأعلن هو ومن اتبعه في بلاد الشام عن انشقاقهم عن الدولة الفاطمية.

 نجمة الحدود الخمسة في العقيدة الدرزية

يعتقد الموحدون الدروز أن الله واحد أحد لا إله إلا هو ولا معبود سواه الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الأزواج والعدد وهو الحاكم الفعلي والأزلي للكون وممثوله في القرآن (على العرش استوى) و(أحكم الحاكمين) فهو الحاكم الأحد المنزه عن عباده ومخلوقاته فالله منزه عن وصف الواصفين وإدراك العالمين وهو في مواضع كثيرة من رسائل الحكمة، حاكم الحكام المنزه عن الخواطر والأوهام جل وعلا فلا مجال لتشبيه لاهوته أو حلوله في أحد من البشر.

يعترف الدروز بالقرآن لكن يفسرون معانيه تفسيرًا باطنيًا غير المعاني الواضحة في النص. ولهم كتاب آخر يسمى رسائل الحكمة من تأليف حمزة بن علي بن أحمد وهو تفسير للقرآن يمنع الاطلاع عليه لأي كان حتى أبناء الطائفة نفسها عدا شيوخ الطائفة.

ميثاق ولي الزمان هو مدخل ديانة التوحيد لدى الدروز وعهدهم الأبدي معها، وهو العهد أو القسم الذي به يصبح الدرزي درزيًا، وبإمامة حمزة وبرفض جميع الأديان والمذاهب والتبري منها، يختلف هذا الميثاق عما يسبقه في الترتيب ضمن رسائل الحكمة اختلافًا جوهريًا ويعتقد أن من وضعه هو حمزة بن علي، ويعتقد الدروز أن هذا الميثاق هو أزلي وأنه يتقمص مع روح الموحد حيث يؤمن الدروز بالتقمص، وأنّ من وقع على الميثاق في زمن الكشف بقي موحدًا وموقعًا على الميثاق في جميع أجياله وحيواته اللاحقة.

3- هل الدرزية مذهب إسلامي أم ديانة مستقلة؟

 رجال دين دروز في لبنان

كانت الإجابة عن هذا السؤال موضوع اختلاف كبير بين المؤرخين والباحثين، فعلى الصعيد التاريخي يعتبر البعض أن انشقاق الدرزية عن الفرقة الإسماعيلية أثناء الخلافة الفاطمية دليل على انتمائها إلى أصول إسلامية، أما فيما يخص الجانب العقائدي، فهناك من لا يعتبرون الدرزية من الإسلام، فيما يعتبرها آخرون مذهبًا من المذاهب الإسلامية، إذ يعتمد علماء الدروز على العديد من الأدلة لإثبات إسلامهم كبناء الحاكم بأمر الله للجوامع وإقامته الصلاة في أوقاتها وإقامته دعائم الإسلام، وتشابه التقاليد الاجتماعية الدرزية مع نظيرتها الإسلامية، كطقوس الزواج والعزاء وشعيرة عيد الأضحى، كما يعترف الدروز بالشهادتين وبالرسول صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن الكريم والقضاء والقدر واليوم الآخر، وهذا الاختلاف بشكل عام مرده إلى بعض الغموض والضبابية التي تكتنف بعض تفاصيل العقيدة الدرزية، على أية حال فبعض المشايخ الدروز يقولون عن أنفسهم ورعاياهم إنهم مسلمون كالشيخ محمد أبو شقرة، وفي سوريا مثلا تعتبر الطائفة الدرزية مذهبًا إسلاميًا بالرغم من وجود الأحكام المذهبية الخاصة بها والتي يُعامل أبناء هذه الطائفة وفقها معاملةً تختلف عن معاملة باقي الطوائف الإسلامية في سوريا.

من جهته أصدر الأزهر فتوى تقول بانتماء الدروز إلى الإسلام. لكن في الوقت نفسه هناك العديد من الفتاوى الأخرى التي تكفّر الدروز وتخرجهم من البيت الإسلامي.

4- ماهي وضعية طائفة الدروز في الدول العربية؟

 

سوريا

يوجد فيها التجمع الأكبر للدروز في العالم (حوالي 700 ألف نسمة) ومن المدن التي يتواجدون فيها السويداء وصلخد وشهبا والقريا في جبل الدروز (العرب) وجرمانا قرب دمشق ومجدل شمس وغيرها في الجولان السوري المحتل.

كان للدروز دور أساسي في إشعال الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، وكان قائدها سلطان باشا الأطرش سنة 1925، فخاضوا معارك عديدة كمعركة الكفر وتل الحديد والمزرعة ونقلوا الثورة إلى دمشق وغوطتها وإلى لبنان وجبل الشيخ ورفضوا تشكيل دولة درزية وكان لهم الدور الأكبر والأساسي في الاستقلال عن فرنسا.

Druze_warriors

محاربون دروز مشاركون في الثورة السورية الكبرى سنة 1925

بعد الاستقلال ساهموا في جميع الحروب ضد إسرائيل وسقط منهم كثير من الشهداء، كما قام الدروز السوريون في الجولان المحتل بإحراق الهويات الإسرائيلية ورفع شعار لا بديل عن الهوية السورية، وقاموا بانتفاضات واستمروا تحت الحصار عدة مرات رافضين الاندماج والخضوع للهوية الإسرائيلية، وكان آخر ظهور لهم حاليا هو استهداف سيارات إسعاف إسرائيلية في الجولان تقل جرحى من مسلحي المعارضة السورية، كتعبير عن رفضهم لدلائل تعاون وثيق بين الجيش الإسرائيلي والمسلحين المسيطرين على أجزاء واسعة من الحدود في الجولان.

صورة سيارة إسعاف إسرائيلية تقل مسلحين من المعارضة السورية تعرضت لهجوم من شباب الجولان في مجدل شمس

لبنان

في لبنان أيضا كان لهم دور في الحصول على الاستقلال سنة 1943، وقد شاركوا في الحرب الأهلية اللبنانية منذ 1975 كأحد أقوى اللاعبين في ساحة الصراع، بداية بكمال جنبلاط أحد مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية، ثم ابنه وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، وحاليا تتوزع زعاماتهم في لبنان بين وليد جنبلاط وطلال أرسلان زعيم الحزب الديموقراطي اللبناني.

 وليد جنبلاط أحد أبرز القيادات الدرزية في لبنان

الأردن

لم يتم الاعتراف بالدروز كطائفة دينية ولا كعشيرة أردنية بالرغم من النظام العشائري السائد في الأردن ولم يعطَ الدروز في الأردن حقوق الأقليات كما لدى الشيشان والشركس والأكراد والأرمن وباقي الأقليات الموجودة هناك بالرغم من مشاركة الدروز الفعالة في تكوين الدولة الأردنية في جميع المجالات.

وبالنسبة لانتشارهم في الأردن فهو في عدة مدن من أهمها وأكبرها مدينة أم القطين ومدينة الأزرق.

5- ماذا عن الدروز في إسرائيل؟

 

يتمركز أغلب دروز الأراضي المحتلة في الشمال، ويشكلون نسبة 8% من مجمل السكان العرب في إسرائيل، ووصلت أعدادهم في سنة 2012 إلى حوالي 130,600 نسمة أي 1.7% من السكان هناك، مع إضافة دروز هضبة الجولان، وهم من المقيمين الدائمين بموجب قانون مرتفعات الجولان. وقد رفضت الأغلبية الساحقة منهم الجنسية الإسرائيلية الكاملة، واختاروا الاحتفاظ بجنسيتهم السورية والهوية السورية كما قلنا سابقا.

قامت السلطات الإسرائيلية بفصل الدروز عن المجتمع والدين الإسلامي مبكرا، وقاموا بتعريفهم كجماعة عرقية متميزة ومختلفة، لها مدارسها الخاصة المختلفة عن نظيراتها العبرية والعربية، كما أنهم يتضامنون مع روح الفكر الصهيوني وينأون بأنفسهم عن القضايا العربية الإسلامية في الأراضي المحتلة.

 نتنياهو يزور ضريح النبي شعيب في إحدى المناسبات الدينية للطائفة الدرزية في إسرائيل

تم تجنيد الذكور الدروز بشكل إجباري في الجيش الإسرائيلي، وعموما فإن عدد الجنود الذين يخدمون في صفوفه من أبناء الأقليات (أغلبية ساحقة من الدروز والباقي من البدو وبعض الشركس والمسيحين) يصل إلى 6,000 جندي، يؤدون الخدمة الإجبارية مع الجنود اليهود، وقد وصل بعضهم إلى مناصب قيادية مهمة في الجيش الإسرائيلي. و”كتيبة السيف” هي كتيبة من سلاح المشاة الإسرائيلي جميع مقاتليها من الدروز.

 جنود دروز في الجيش الإسرائيلي بالجولان السوري المحتل

عكس المواطنين العرب داخل الأراضي المحتلة، فالدروز أقل تأكيدا على هويتهم العربية وأكثر تأكيدا على هويتهم الإسرائيلية، وأقلية منهم يعرفون أنفسهم على أنهم فلسطينيون.

هنالك حالة من الانقسام بشأن الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، فبينما يشكو البعض من أنهم لا يتلقون الدعم الذي يستحقونه بعد الخدمة، تفيد معطيات متنوعة بانخفاض نسبة تجنيد الشباب الدروز بالجيش الإسرائيلي، وبتراجع كبير في ثقتهم بها وفي مؤسساتها، في حين يفيد ناشطون دروز بأن العنصرية الإسرائيلية أسهمت في ذلك.

 تدريبات إسرائيلية في الجولان السوري المحتل

6- لماذا تطالب إسرائيل بحماية أبناء الطائفة الدرزية؟

 



تميل المصادر الإسرائيلية إلى إظهار أعداد مضخمة للدروز مقارنة بالإحصاءات الرسمية وشبه الرسمية، فوفقا لمقال نشرته صحفة معاريف العبرة وترجمه موقع عربي 21، الدروز موجودون في ثلاث مناطق رئيسية في سوريا: في الشمال، وسفوح جبل الشيخ السوري حتى القنيطرة، وجبل الدروز. الدروز الموجودون في الشمال، في منطقة حلف ومحافظة إدلب، يتعرضون لهجوم من مسلحي جيش الفتح، وجبهة النصرة، وهناك 18 قرية يسكنها 25 ألف درزي، فر عدد كبير منهم إلى الساحل السوري معقل الطائفة العلوية.

 مظاهرات درزية في الجولان المحتل للتضامن مع دروز إدلب في شمال سوريا

المنطقة الثانية “الآمنة نسبيا” بسفوح جبال الشيخ حتى القنيطرة، وأكبر قراها هي “الخضر”، كانت تضم نحو 40 ألف درزي بقي منهم 25 ألفا، وتسيطر عليها جبهة النصرة وفصائل محلية في القرى المختلفة، وقد حاول حزب الله اللبناني مؤخرا نشر مسلحيه في المنطقة بقيادة سمير قنطار، الذي تحرر بصفقة تبادل الأسرى والجثث في 2008.

التجمع الثالث، والأكبر، للدروز في سوريا هو جبل الدروز، الذي يضم ما يقارب مليون درزي في محافظة السويداء ومئات القرى الصغيرة.

 دروز في الجولان السوري المحتل يحملون صورة الرئيس بشار الأسد كتعبير عن تأييدهم للنظام السوري

تعالت الأصوات مؤخرا في الداخل الإسرائيلي للمطالبة بالتدخل العسكري في المباشر في الأزمة السورية بهدف ما وصفوها حماية دروز سوريا، على خلفية التغيرات الاستراتيجية التي تعرفها منطقة الجنوب السوري وسيطرة مسلحي المعارضة وعلى رأسهم جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة على بعض المناطق هناك، واستهداف جبل العرب والسويداء معقل دروز الجنوب بشكل صريح، كان أبرز مظاهره الهجوم الكبير الذي فشل في السيطرة على مطار الثعلة العسكري الذي يسيطر عليه الجيش السوري المرتبط إلى حد ما بعلاقة طيبة مع الدروز، دون نسيان الخطر الأكبر الذي يمثله مسلحو داعش.

في هذا السياق قال يوسي ميلمان، الصحفي الإسرائيلي المختص بالشؤون الأمنية والاستخباراتية، بصحيفة معاريف إن “إسرائيل لن تسكت عن تعرض الدروز في سوريا لخطر وجودي” متحدثا، نقلا عن منشورات أجنبية، عن أن هناك تعاونا سريا بين إسرائيل والنصرة، غير مستبعد أن يكون مثل هذا التعاون قائما ويسمح بوجود تفاهمات غير مكتوبة ونقل رسائل، تقتضي بأن إسرائيل ستواجه بكل قوتها النصرة أو أي تنظيم آخر في حال لم يحفظ الهدوء بالجولان، أو تم مس الدروز.

المتتبع للشأن الإسرائيلي سيدرك أن المطالبات بالتدخل لا علاقة لها أبدا بالدفاع عن طائفة الدروز، بقدر ما تتعلق بفكرة جغرافية استراتيجية إسرائيلية قديمة تهدف إلى التحالف مع الدول غير العربية في الشرق الأوسط، والأقليات الدينية الإثنية كالأكراد في العراق والمسيحيين في لبنان والدروز في سوريا، لمعادلة العالم العربي عن طريق الموساد، في استغلال حالي واضح لتدهور الأوضاع العسكرية الميدانية على الجانب الآخر بما يعود بالنفع على أمن إسرائيل وحدودها في الجولان المحتل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد