بعد أن نأى الدروز بأنفسهم محايدين بين النظام السوري والمعارضة خلال أربع سنوات من الحرب، وجدوا أنفسهم قبل أيام في عقر هذا الصراع الدائر، كان ذلك الأربعاء الماضي عندما قتل 20 منهم في إدلب على يد عناصر من جبهة النصرة.

هذا الحادث أدى إلى تشابك الأمور، من جهة انتهاز النظام السوري له من أجل اللعب على وتر الطائفية والترهيب من الإسلاميين، ومن جهة تدخل دولة الاحتلال الإسرائيلي واقتراحها بإقامة منطقة خاصة بالدروز، ومن جهة ثالثة إثارة غضب الدروز في كل من لبنان ودولة الاحتلال لهذا الحادث والمطالبة بتسليح أبناء طائفتهم.

ما الذي حدث في قرية قلب «لوزة»؟

لأول مرة منذ بدء النزاع في سوريا قبل أكثر من أربع سنوات، يُقتل 20 درزيًّا سوريًّا في حادث واحد على يد جبهة النصرة في إدلب، فحسب مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره بريطانيا رامي عبد الرحمن إن قياديًّا في جبهة النصرة يحمل جنسية تونسية حاول الأربعاء الماضي مصادرة منزل مواطن درزي في قرية قلب لوزة في منطقة جبل السماق، بحجة أن “صاحبه موالٍ للنظام، إلا أن أفرادًا من عائلة صاحب المنزل حاولوا منعه، فحصل تلاسن، ثم احتجاج، ثم إطلاق نار”.

وأعلنت جبهة النصرة أن ما حدث خطأ وسيعاقب مرتكبه، ويصف غسان شبانة أستاذ العلاقات الدولية والباحث في مركز الجزيرة للدراسات إعلان جبهة النصرة نيتها محاكمة بعض العناصر التي خرجت عن طوعها في قرية قلب لوزة بالخطوة الإيجابية التي تبعث تطمينات إلى الداخل والخارج، مؤكدًا أن الثوار سيكونون أمام اختبار حقيقي عند دخولهم أي منطقة فيها أقليات عرقية أو مذهبية.

كيف استغل النظام السوري ودولة الاحتلال حادثة لوزة؟

لقد استغل النظام السوري ما حصل في إدلب لتوتير الأجواء في السويداء وتوريط الدروز وإدخالهم في مواجهة مع الطائفة السنيّة، ردًّا على الانهيارات المتتالية التي يصاب بها النظام، واستخدم النظام الدروز في المنطقة كجزء من دعاية وضعها النظام، وهو ما يسمى بتحالف الأقليات ضد الأغلبية السنّية.

أما دولة الاحتلال الإسرائيلي فسارعت لتدخل في شأن دروز سوريا بعد حادثة “لوزة”، وطلب الاحتلال – حسب صحيفة هآرتس- من رئيس الأركان المشتركة للجيش الأمريكي مارتن ديمبسي زيادة المساعدات للسوريين الدروز، عن طريق الأردن، معلنة أن بإمكانها أن تقدم ‘مساعدات إنسانية’ إلى سكان الخضر السورية القريبة من خط وقف إطلاق النار في مرتفعات الجولان، وأعلنت دولة الاحتلال أنها تنوي إقامة منطقة “خاصة” على الجانب السوري من الجولان يلجأ إليها الدروز السوريون هربًا من مذابح داعش والنصرة، وقالت مصادر إسرائيلية أن دولة الاحتلال تجري هذه الأيام اتصالات مكثفة مع عدد من دول العالم والأمم المتحدة والصليب الأحمر بهدف تسهيل إقامة هذه المنطقة التي وصفتها المصادر الإسرائيلية بالخاصة.

كيف لعب النظام السوري على وتر الطائفية لإخافة دروز السويداء؟

في السويداء تعيش الغالبية من الدروز، تلك المحافظة التي تحقق فيها الآن المعارضة السورية المسلحة تقدمًا في جبهة الجنوب ضد قوات النظام السوري، وبينما يدرك أهل السويداء أنهم ليسوا هدفًا للمعارضة، وأن قوات الجيش الحر لم تدخل السويداء، يحاول النظام السوري اللعب على وتر الطائفية وتخويف الدروز من الإسلاميين خاصة تنظيم الدولة الإسلامية المستبعد قدومه إلى المحافظة، بل ويضع هذا النظام السويداء تحت أنظار العالم من خلال تضخيم ما جرى وما سيجري، على توقع أنه سيكون مصيرهم مشابهًا لمصير الإيزيديين في العراق.

فقبل أسابيع قليلة، استدعيت بعثة من جبل الدروز في محافظة السويداء للقصر الرئاسي في دمشق، قابلتهم مستشارة الرئيس الأسد المقربة لونا شبل، وقالت لهم بكل بساطة إن “عليكم أن تقاتلوا وأرجلكم فوق رأسكم”, وكانت تقارير قد أشارت إلى أن دروز سوريا ربما يضطرون للخروج عن حيادهم تجاه الصراع الدائر الآن بعد أن امتد القتال إلى محافظة السويداء واقتراب من مناطقهم.

دروز سوريا مع النظام السوري أم المعارضة؟

يمثل الدروز ما نسبته ثلاثة في المئة من الشعب السوري البالغ تعداده قبل الحرب 23 مليون نسمة، في المجمل يمكننا القول إن الدروز السوريين ينقسمون بين موالين للنظام السوري، وناشطين متعاطفين مع الحراك الثوري، وجزء ثالث يقف على الحياد.

لكن لا يمكن إنكار أن هناك ثمة أعداد كبيرة من المخبرين والشبيحة في أوساط الدروز، يمارسون قمعًا همجيًّا إزاء من يحاولون التظاهر أو إعلان معارضتهم، على الرغم من علاقات القرابة، ويشعر هؤلاء وذووهم أن مصيرهم مرتبط بمصير السلطة ناهيك عن تخوفهم كأقليات دينية ومذهبية من الإسلاميين.

يقول إلياس حرفوش إن الدروز في سوريا، مثلهم مثل باقي الطوائف، منقسمون بين موالاة النظام خوفًا من بطشه، وموالاة المعارضة تحسبًا للمستقبل وما يحمله من احتمال انهيار حكم بشار الأسد وسيطرة الأكثرية السنّية في سوريا على الحكم، ويضيف في مقاله “المصير الصعب لدروز سوريا”: “الدروز عرفوا كيف يبقون بعيدين عن هذه الموالاة المطلقة. لم يقطعوا بالكامل مع النظام، فشارك بعض أبنائهم إلى جانب قواته في المعارك التي تدور في مناطقهم، غير أنهم من جهة أخرى ظلوا على تواصل مع المعارضة، وخصوصاً مع “الجيش السوري الحر” في درعا، يساعدون ما استطاعوا في المجالات التموينية والطبية والإنسانية، بل يحمون أحيانًا من يلجأ من مقاتلي المعارضة إليهم طلبًا للحماية”.

غير أن النظام الذي يدعي حماية الأقليات، لم يرض بهذا الدور الوسطي، لا من الدروز السوريين ولا من سواهم، فهو يسعى إلى الولاء الكامل من قبل الجميع، حيث كان مطلب الولاء هذا أكثر إلحاحًا مع تفاقم الوضع الميداني للنظام أكثر من أي وقت، منذ بداية الثورة الشعبية عليه قبل أكثر من أربع سنوات.

كما أن دروز لبنان ينقسمون أيضًا إلى مؤيد للنظام السوري وإلى معارض، يمثل التيار الأول موقف رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني طلال أرسلان حليف النظام السوري، ويمثل التيار الثاني رئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” النائب وليد جنبلاط الذي دعي إلى الانضمام إلى ركب الثورة. لأجل سوريا جديدة عربية وديمقراطية.

هل يسعى الدروز لإقامة فدرالية درزية أو حكم ذاتي درزي؟

تحدثت دول بعينها عن أهمية إقامة (فدرالية) درزية، تلك الفدرالية التي يرفضها غالبية الدروز انعقد من أجل مناقشتها مؤتمر في سياق المشروع الإسرائيلي– الأمريكي للشرق الأوسط الجديد، وهو مؤتمر يدعو إلى إقامة كيانات طائفية (مشروع رالف بترز) لتحطيم وتفكيك الشرق العربي خاصة العراق وسوريا.

وظهرت تلك المناخات عام 2008 على الخرائط الإسرائيلية، عندما دعت دولة الاحتلال لإيجاد كيانات مثل دروزستان وسينائستان، في سياق تحطيم الدولة السورية وتفكيكها وفصل سيناء عن مصر لتوسيع قطاع غزة.

لكن هناك بعض المرجعيات الدرزية التي تؤيد إنشاء حكم ذاتي درزي، منطلقة من التجارب التي تعيشها الأقليات الأخرى كالإزيديين الذين تعرضوا لتنكيل والتهجير من قبل تنظيم الدولة الإسلامية وكذلك مسيحيي العراق، وتجزم هذه المرجعيات أن إنشاء نوع من حكم ذاتي درزي يشمل مناطق لبنانية وسورية له انعكاس ايجابي على كل الأطراف، فمن جهة النظام السوري يكون الدروز قد نأوا بأنفسهم عن الصراع، ومن جهة أخرى يتمكنون من محاربة أي جهة من المعارضة قد تعتدي عليهم.

أين يتواجد الدروز في العالم الآن؟

معظم المصادر تؤكد على أن الدروز هم في أصولهم قبائل عربية تنوخية، جاءت من اليمن على أثر تصدع سد مأرب قبيل الإسلام وسكنت سهول الحجاز والإحساء، ثم انتقلوا إلى الحيرة في العراق، ثم انتقلوا إلى شمال العراق ومنها إلى حاضر حلب وقنسرين والمعرة وجبل السماق وصولًا إلى أنطاكية ثم إلى كسروان، والآن يتركز الدروز في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن.

سوريا

قبل نحو ألف سنة اعتنقت بعض العشائر التنوخية في جبل لبنان مذهب “التوحيد”، ومنذ ذلك الوقت تواجد الدروز في سوريا التي تعد الآن أكبر تجمع لهم في العالم، فهناك ما يقارب 700.000 نسمة، وهم يتركزون في السويداء وصلخد وشهبا والقريا، وفي جبل الدروز وغيرها في الجولان السوري.

ويعامل الدروز في سوريا كأقلية محرومة من السلطة السياسية والفرص التعليمية، وفي عام 1966 ونتيجة مخاوف من انقلاب محتمل من الدروز، قام النظام السوري بعملية تطهير للضباط الدروز من الجيش السوري؛ مما تسبب في العديد من حالات الفرار إلى لبنان والأردن، كما أدى احتلال مرتفعات الجولان من قبل الكيان الإسرائيلي في عام 1973 إلى استنزاف المزيد من السكان الدروز في سوريا.

لبنان

يوجد في لبنان حوالي 250 ألف نسمة من الدروز، يعيش معظمهم في منطقة الشوف جنوب شرقي بيروت العاصمة، وينتمون إلى آل جنبلاط وآل يزبك، ودروز لبنان لهم فضل في استقلال لبنان عام 1943، كما أنهم شاركوا في الحرب الأهلية اللبنانية بين الأعوام 1975- 1990، بوصفهم أحد أقوى الميليشيات في الحرب اللبنانية، وهم اليوم لديهم زعامتان سياسيتان بقيادة الحزب الديمقراطي اللبناني طلال أرسلان، ووليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي.

فلسطين

من جبل لبنان وصل عدد من الدروز إلى فلسطين، تمركزوا في مناطق شمال فلسطين موزعين على ما يقارب 18 بلدة وقرية جبلية أهمها دالية الكرمل وفي الجليل (قرب المدينة الإسرائيلية حيفا)، ويقدر عدد أبناء الطائفة الدرزية من بين فلسطينيي 48 بحوالي مائة ألف نسمة، إلا أن المعطيات الرسمية الإسرائيلية تعتبرهم حوالي 120 ألف نسمة، بعد أن تضيف لهم حوالي 20 ألفًا من السوريين في هضبة الجولان المحتلة.

وعندما قامت دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 سعى الكيان الإسرائيلي إلى عزل أبناء الطائفة الدرزية عن إطارهم العربي، وذلك بالضرب على وتر أن الدرزية هي قومية بحد ذاتها، ولتقريبهم منها أكثر استغلت الدولة رواية تزويج النبي شعيب ابنته لسيدنا موسى، لتدلل للدروز على أن ثمة علاقة مصاهرة تاريخية تربطهم باليهود تضاهي علاقتهم بالعرب.

في عام 1959، فصلت السلطات الإسرائيلية المحاكم الدرزية عن المحاكم الشرعية الإسلامية، وذلك بغرض تعزيز عملية فصل الدروز عن وسطهم العربي الطبيعي. وإمعانًا في تكريس الفصل خصصت الدولة لدروز فلسطين سلطات محلية خاصة ومدارس ومناهج خاصة ترمي إلى خلق شعور لدى الطالب الدرزي يقضي بأنه ينتمي إلى طائفة مستقلة ولا يربطها بالعرب والفلسطينيين أي رابط.

الأردن

قبل نحو 200 عام قدم دروز الأردن من قبيلة بني معروف من لبنان وأقاموا في المناطق الشرقية للأردن، يبلغ عددهم الآن نحو (20) ألف مواطن، يتواجدون في مناطق الزرقاء ومدينة أم القطين ومدينة الأزرق والعاصمة عمان.

في الأردن لا يعترف بالدروز كطائفة دينية ولا كعشيرة أردنية بالرغم من النظام العشائري السائد فيها، ولم يعط الدروز في الأردن حقوق الأقليات كما لدى الشيشان والشركس والأكراد والأركن، وذلك بالرغم من مشاركة الدروز في تكوين الدولة الأردنية في جميع المجالات.

كيف يواجه الدروز قرار التجنيد الإجباري في دولة الاحتلال؟

في عام 1956م، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دافيد بن غوريون قرارًا يلزم بموجبه أبناء الطائفة الدرزية بالخدمة الإجبارية في الجيش الإسرائيلي، ومنذ ذاك اليوم وحتى يومنا هذا يواجه قرار التجنيد الإجباري للدروز مقاومة شديدة من قبل غالبية أبناء الطائفة الدرزية، حيث يختار الشبان الدروز أشكالًا عديدة لرفض الخدمة إما بالمواجهة المباشرة، أو التهرب الذي يستمر سنوات، أو إعلان التدين أو المرض، كما تنشط مؤسسات تطالب بإلغاء قانون التجنيد الإجباري، منها لجنة المبادرة العربية الدرزية، ولجنة المعروفين الأحرار، وقد برز عدد من الدروز الذي عبروا عن استيائهم الشديد من أبناء الطائفة الذين يخدمون في جيش الاحتلال، ويخوضون معارك ضد غزة، وبرز من أسماء هؤلاء غسان عليان قائد لواء غولاني الذي شارك في العدوان الأخير على غزة وأصيب بسلاح المقاومة الفلسطينية، وما يزال يتوعد الفلسطينيين بالانتقام.

وبينما تؤكد دولة الاحتلال أن نسبة تجنيد الدروز بلغت في الآونة الأخيرة أكثر من 81%، ينفي الدروز ذلك ويقولون إن ذلك يتناقض كليًّا مع معطيات علمية نشرها مؤتمر هرتسليا الإستراتيجي أكدت أن نسبة التجنيد الفعلية بين الشبان العرب الدروز هي في حدود 48%.

هل دولة الاحتلال الإسرائيلي عنصرية تجاه الدروز؟

عندما سأل أحد الصحافيين الحاخام مئير كهانا زعيم حركة “كاخ” المتطرفة، التي تدعو إلى طرد جميع العرب إلى خارج حدود فلسطين: هل تطالب بطرد أبناء الطائفة الدرزية من إسرائيل على الرغم من خدمتهم في الجيش الإسرائيلي؟”، فرد كهانا بكل ثقة: “نعم، ولكننا سنحرص على توفير حافلات مكيفة لهم أثناء الطرد”.

تمثل هذه الإجابة الموقف الإسرائيلي من الدروز الذين أجبرتهم بالقانون على التجنيد في جيشها، فالعنصرية الإسرائيلية تجاه الدروز جلية في كل المجالات، فقد رفض أحد الضباط أن يستقل جندي درزي سيارته بحجة أنه “عربي قذر”، كما رفضت شركة الطيران الإسرائيلية الحكومية “آل عال” أن يجلس ضابط درزي في أركان الطائرة بحجة أنه يمثل خطرًا على من يجلسون حوله من الركاب.

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!