أعلن تحالف إماراتي عالمي منذ قرابة شهر عن مشروع تحويل دبي إلى “مدينة رباعيّة الأبعاد”، فكرة هذا المشروع تبدأ من تحويل دبي إلى نموذج ثلاثي الأبعاد، يضمّ كل ما في دبي من مبانٍ وشوارع وعلامات مروريّة وحتّى أصغر التّفاصيل في المدينة، ومن ثمّ يتم برمجة هذا النّموذج ليُستخدم عبر الهواتف الذّكيّة. يسمح النّموذج للمستخدم التّنقّل في المدينة والتّواصل وإتمام المعاملات والخدمات الحكوميّة أو تلك التّابعة للقطاع الخاصّ، كما أنّه يسهّل على المستخدم التّعرّف على أسلوب الحياة في دبي وطرق الاستثمار والعمل فيها، ويشكّل الزّمن في هذه الحالة البعد الرّابع، من المتوقّع إتمام المشروع في عام 2020؛ لتصبح دبي أوّل مدينة رباعيّة الأبعاد في العالم، وتصبح إحدى رائدات العالم في التّكنولوجيا والتّطوّر.

 

خور دبي في عام 1964

تختلف دبي عن غيرها من مدن الشّرق الأوسط فهي أكثرهم تعبيرًا عن الفخامة والرّفاهية، وأشدّهم محاكاةً للتّطوّر التكنولوجي الحديث. ولكن كيف استطاعت دبي أن تفصّل نموذجها الخاصّ المختلف عن غيره في مدن المنطقة وتُصبح أوّل مدينة رباعيّة الأبعاد في العالم؟ لم تتحوّل دبي من أرضٍ صحراويّة قليلة الثّروات إلى مدينةٍ حديثة في غضون أيّام، بل عبر رحلةٍ طويلة بدأت منذ أكثر من قرن، وعبر سياساتٍ اقتصاديّةٍ منفتحة اتّكلت على النّفوذ والمال الأجنبيّ عوضًا عن الموارد والثّروات الطّبيعيّة. سنعرض لكم في هذا التّقرير أبرز محطّات تاريخ دبي الاقتصادي الحديث، بدءًا من استقرار مجموعة من قبيلة بني ياس بجوار الخور الصّغير الّذي اتّخذ مركزًا للصّيد والتّجارة، وصولًا إلى تقييم دبي اليوم كإحدى أهمّ الوجهات السّياحيّة في العالم.


المحطّة الأولى: بدايات دبي الاقتصاديّة واكتشاف النّفط

يعود تاريخ دبي الحديث إلى بداية القرن التّاسع عشر عندما استقر حوالي 800 شخص من قبيلة بني ياس بقيادة آل مكتوم في منطقة الخور الواقعة اليوم في دبي، وتبدأ حكاية تحوّل دبي من صحراء قاحلة إلى مدينة حديثة مع الخور الّذي شكّل لدبي مستقبلها كمدينة تجاريّة، حيث أنّه كان وجهةً للسّفن التّجاريّة، بالإضافة إلى أنّ له الدّور الأبرز في تحويل دبي حينذاك إلى مركزٍ لصيد السّمك واستخراج اللّؤلؤ. وبدأت في هذه الفترة سياسات دبي الاقتصاديّة تتشكّل، حيث شهدت هذه الحقبة أوّل موجة من المستثمرين الأجانب الّتي أتت في نهاية القرن التّاسع عشر وتحديدًا في عام 1892 عندما أعفت الإمارة المستثمرين من الضّرائب، ممّا أدّى إلى ازدياد كبير في عدد سكّان دبي حيث وصل إجمالي عدد السّكان في بدايات القرن العشرين إلى 20,000 نسمة، شكّل المقيمون ربعهم، وفي عام 1959، تمّ توسيع خور دبي ليسَع عددًا أكبر من السّفن ويزيد من أهميّة دبي كمركز تجاري ومحطّة لإعادة التّصدير.

دبي في عام 1950

 

 

ولكن رغم ذلك بقيت دبي مقطونةً بغالبيّةٍ بدويّة تعتمد بشكلٍ رئيسيّ على زراعة الثّمر ورعي الماعز والجِمال إلى حين اكتشاف النّفط في أواخر ستّينيات القرن الماضي، فبعد اكتشاف النّفط شهدت المدينة نزوحًا هائلًا للتّجار الّذين قرّروا الاستقرار فيها، وعاد تصدير النّفط بمبالغ طائلة ممّا دفع باقتصاد المدينة عاليًا، واستخدم حاكم دبي حينها الشّيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الأرباح لتطوير البنى التّحتيّة، كما أنّه أمر بتطوير المطار وبناء أكبر ميناء اصطناعي في العالم ممّا عزّز من أهميّة دبي كمركز تجاري، وكانت رغبة حكّام دبي بالتفوّق على منافستها أبوظبي
الّتي تمتلك مخزونًا أكبر من النّفط، بالإضافة إلى تراجع الدّخل السّنوي للنّفط في الثّمانينيات الّذي أدخل دبي في مرحلة ركود اقتصادي، قد دفع بحكّامها للتّفكير بطرق أخرى لدعم اقتصاد مدينة دبي وتنويع مصادر الدّخل للمدينة بدلًا عن الاعتماد على النّفط بشكلٍ رئيسي.

 

المحطّة الثّانية: مرحلة التّطوّر الاقتصادي وتنويع أعمدة الاقتصاد

 

شكّل قرار عدم الاعتماد على النّفط كأساس الاقتصاد أهمّ محطّة في تاريخ دبي الاقتصادي؛ فلم يعد اقتصاد دبي رهنًا لأسواق النّفط العالميّة، ولا لعدد الآبار النّفطيّة (المحدودة بعض الشّيء)، وكان لتنويع أعمدة الاقتصاد أكبر أثر على إعادة تشكيل دبي كمدينة حديثة، فكان السّبب الأبرز في ازدهار دبي وتحويلها إلى مركز عالمي للتّجارة والسّياحة والاستثمار. وكانت قد تراجعت أهميّة النّفط على اقتصاد دبي حتّى أصبح أكثر من 95% من النّاتج المحلّي يعتمد على عوامل أخرى أبرزها الاستثمار الأجنبي، والمناطق الحرّة وقطاع السّياحة.

 

الاستثمار الأجنبي والمناطق الحرّة

 

عمدت دبي منذ القدم على اجتذاب الاستثمار حتّى صار اقتصاد دبي يعتمد بشكلٍ كبير على الاستثمار عامّةً والأجنبيّ منه خاصّةً. يشكّل النّظام الاقتصادي الحرّ في دبي عامل جذب للتجّار والمستثمرين الأجانب، فهو يقدّم بيئة اقتصاديّة منفتحة ومستقرة نوعًا ما، حيث إنّه لا يوجد ضرائب مباشرة على أرباح الشّركات أو على الدّخل الشّخصي (ماعدا شركات النّفط وفروع البنوك الأجنبيّة)، كما أنّه يُسمح بتحويل كامل رأس المال والأرباح من دون أي ضوابط ولا يوجد قيود على صرف العملات الأجنبيّة إضافةً إلى سعر الصّرف الثّابت بين الدولار الأمريكي ودرهم الامارات ( 1 دولار =3،67 درهم ).

وتعدّ الولايات المتّحدة الأميركيةّ بالإضافة إلى المملكة المتّحدة، الهند، هولندا، ألمانيا، وإيطاليا أكبر المستثمرين في دبي حيث أنّهم شكّلوا 84% من الاستثمارات الأجنبيّة في عام 2014، و59% من مجمل الاستثمارات في ذات العام. وتتضمّن محفّزات الاستثمار الأخرى في دبي التّكلفة الزّهيدة للعمالة والمعدّل العالي لإنفاق الفرد بالإضافة إلى الاستقرار السّياسي الّذي تنعم به دولة الإمارات، ممّا ينعكس إيجابيًّا على أعداد المستثمرين.


وللمناطق الحرّة فضلٌ كبير على اقتصاد دبي فهي تجذب الكثير من المستثمرين والشّركات الأجنبيّة لما تقدّمه من تسهيلات للتّبادل التّجاري والاستثمار الأجنبي، حيث إنّها تسمح للأجانب بالتّملك بنسبة 100% من دون الحاجة إلى كفيل أو شريك إماراتي ومن دون فرض أي رسوم جمركيّة. تمتاز دبي بعدد كبير من المناطق الحرّة فهي مقرّ لـ22 منطقة حرّة عاملة تمّ إنشاؤها لقطاعات وصناعات معيّنة؛ كالاتّصالات وتقنية المعلومات والإعلام والرّعاية الصّحيّة. ومن أبرز المناطق الحرّة في دبي هي منطقة جبل علي الّتي تعدّ إحدى أكبر المناطق الحرّة وأسرعها نموًّا في العالم، ومدينة دبي للإنترنت الّتي تعتبر أكبر بنية تحتيّة تكنولوجيّة في الشّرق الأوسط، ومدينة دبي الطّبيّة وهي أوّل منطقة حرّة للرّعاية الصّحيّة في العالم.


قطاع السّياحة الرّائد

شمل قرار تنويع أعمدة الاقتصاد التّركيز على قطاع السّياحة، فأخدت دبي منذ منتصف الثمانينيات بإعادة تشكيل تفسها كإحدى أبرز الوجهات السّياحيّة في المنطقة والعالم. ولأنّ دبي ليست مدينة أثريّة ولا تتمتّع بالمناظر الطّبيعيّة الخلّابة فهي ليست وجهة سياحيّة بارزة، ممّا اضطرّ حكّام دبي إلى بناء المعالم السّياحيّة فيها والّتي يتمحور أغلبها حول الفخامة، فعلى سبيل المثال: يقع أغلى فنادق العالم في دبي، كفندق برج العرب الشّهير الّذي يُعدّ أحد أفخم الفنادق في العالم، وفندق أتلانتس الّذي يَقع على إحدى الجزر الاصطناعيّة في دبي.

 

 

ليس ذلك فحسب، فلقد حرصت دبي أن تكون سبّاقة في المجال الّترفيهي في الشّرق الأوسط وفي العالم، حيث يوجد إحدى أكبر أحواض الأسماك الدّاخليّة في العالم، وأقدم مركز للتزلّج على الجليد في الشّرق الأوسط، وإحدى أبرز المراكز الثّقافيّة والتّرفيهيّة في العالم وهي “القرية العالميّة” الّتي تعرض ثقافات مختلفة من أكثر من 30 دولة حول العالم، والّتي زارها أكثر من 5 ملايين شخص في خلال السّنة الماضية فقط، وغيرها الكثير من المراكز التّرفيهيّة الّتي تجذب السّياح إلى زيارة المدينة.

 

 

حديقة الأسماك في مول دبي


وتبحث دبي دائمًا عن أساليب لحلّ الصّعوبات الّتي تواجه القطاع السّياحي، فمنذ قرابة عام أكّد الشّيخ محمّد آل مكتوم حاكم دبي خطّة مشروع يحارب درجات الحرارة المرتفعة الّتي تؤثر على رغبة السّياح بزيارة دبي وخاصّة في فصل الصّيف، فأعلن عن نيّة القيام بمشروع مدينة تتحكّم بالمناخ حيث تكون مغطّاةً بقبّة زجاجيّة يمكن فتحها خلال فصل الشّتاء، وتتضمّن هذه المدينة أكبر مركز تجاري وحديقة داخليّة في العالم وأكثر من 100 فندق، بالإضافة إلى المنتجعات والمسارح التّرفيهيّة، ولديها القدرة الاستيعابيّة لأكثر من 180 مليون شخص سنويًّا.

وكان قد وصل عدد السّياح الّذين زاروا دبي في عام 2014 إلى أكثر من 13 مليون سائح، وكانت قد أدرجتها شركة “ماستر كارد” في المرتبة الرّابعة في تقريرها السّنوي لتوقّعات أكثر المدن استقبالًا للسّياح، وبالإضافة إلى المعالم والخدمات السّياحيّة الممّيزة في دبي، يلعب قطاع الطّيران دورًا مهمًّا في ازدياد عدد السّياح؛ فمطار دبي الدّولي يربط دبي بأكثر من 260 وجهة حول العالم بآلاف الرّحلات أسبوعيًّا، أمّا مطار آل مكتوم الدّولي الّذي افتتح عام 2013 فسيكون -فور إنهاء العمل عليه- أكبر مطار في العالم بطاقة استيعابيّة تتجاوز الـ160 مليون شخص سنويًّا، ممّا يعكس آمال دبي المستقبليّة في مجال السّياحة.

 


المحطّة الثّالثة: حاضر دبي ومستقبلها

لا يخفى على أحد أنّ مدينة دبي من أكثر المدن الجذّابة للمعيشة، فهي وبحسب مقياس مارسيرز لجودة الحياة أفضل مدينة في الشّرق الأوسط، بالإضافة إلى كونها من أكثر المدن أمانًا في العالم، فعلى سبيل المثال؛ لا تعاني دبي بشكلٍ عام من أزمة التّحرّش المتفشّية في العديد من مدن المنطقة، ويعود ذلك إلى القوانين الصّارمة –والمتّبعة- الّتي يفرضها قانون العقوبات في الإمارات، والّذي يقضي بالسّجن لمدّة أشهر للمتحرّش بالإضافة إلى دفعه غرامة.

يُشكّل المغتربين حوالي 90% من سكّان دبي غالبيّتهم من الهنود والباكستانيين وجنسيّات عربيّة متنوّعة، بالإضافة إلى الأوروبيين والأميركان وغيرها من الجنسيّات المختلفة، ولكن يعاني سكّان دبي من غلاء في المعيشة، فوفقًا لاستطلاع ميرسر السّنوي لتكلفة المعيشة، احتلّت دبي المرتبة الـ23 عالميًّا كأكثر المدن غلاءً للمعيشة.

 


يتطلّع الكثير من المراقبين بإيجابيّة لمستقبل دبي، ويتوقّعون استمرار نموّها الاقتصادي والتّكنولوجي والحداثي. وإحدى أبرز أسباب هذه النّظرة الإيجابيّة هو فوز دبي باستضافة معرض “إكسبو 2020” لتكون أوّل مدينة تستضيف معرض “إكسبو” التّجاري الدّولي في الشّرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، ومن المتوقّع أن يوفّر المعرض ما يقارب الـ 100,000 فرصة عمل خلال السّتة أعوام القادمة، كما أنّه من المتوقّع أن يجذب حوالي25 مليون زائر غالبيّتهم من خارج الإمارات على مدار فترة انعقاده، الّذي بدوره سينعكس بشكلٍ إيجابيّ على قطاع السّياحة في دبي.

 

على نحو آخر، ينظر بعض المراقبين إلى مستقبل دبي بتوجّس حيث أنّهم يرون أنّ اعتماد دبي بشكلٍ أساسيّ على الاستثمار الأجنبيّ والسّياحة يضعها رهن أسواق المال العالميّة، والتّطوّرات السّياسيّة وخاصّةً أنّ دبي تقع في قلب منطقةٍ ملتهبة ممّا يجعلها غير مستقّرة لا اقتصاديًّا ولا سياسيًّا. ويحذّر المراقبون من وقوع دبي في أزمةٍ ماليّة كتلك الّتي وقعت فيها بين 2008-2010، عندما وقعت ضحيّة الأزمة الماليّة العالميّة الّتي حصلت في عام 2008
وأدّت إلى خسارة الآلاف من العاملين في دبي وظائفهم.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!