«البورصة مرآة الاقتصاد».. جملة كثيرًا ما نسمع الاقتصاديين يشيرون إليها عند الحديث عن الأحداث الإيجابية أو السلبية المتعلقة بأسواق المال، لكن هذه الجملة قد لا تكون معبرة كثير عن معظم أسواق المال العربية مقارنة بالأسواق العالمية، إلا أنها  أقرب ما يكون للواقع فيما يخص إمارة دبي؛ لأن اقتصادها يختلف عن غيره من اقتصادات المنطقة؛ إذ يعد أكثر حداثة وارتباطًا بالقطاعات الأخرى.

وعلى مدار الأيام القليلة الماضية شهدت بورصة دبي تقلبات حادة قادتها للهبوط لمدة 11 يومًا على التوالي وسط عزوف كبير من المستثمرين، فهل هذا الهبوط انعكاس لأزمات اقتصادية حالية أو مستقبلية داخل دبي؟ أم أن الأمر متعلق فقط بمضاربات على مستوى البورصة بشكلٍ خاص؟ في الواقع بالرغم من أن اقتصاد دبي بشكل خاص، والإمارات بشكل عام، الأقل تضررًا بين دول مجلس التعاون الخليجي من تراجع أسعار النفط، أو كان الأكثر استعدادًا لتقبل هذا الهبوط، إلا أنه مؤخرًا شهدت البلاد بعض المشاكل التي يمكن أن ترتقي إلى مستوى الأزمات خلال الأشهر القادمة.

رقميًا عند النظر إلى اقتصاد الإمارات ككل نجد أنه يسجل مستويات نمو جيدة، إلا أنه بحسب أحدث الأرقام الصادرة عن مصرف الإمارات المركزي، فإن النشاط الاقتصادي غير النفطي – أكثر ما يميز دبي عن غيرها – قد سجل تباطؤًا خلال الربع الأول من العام الحالي إلى 3.1% مقارنة بـ 3.4% في الربع الأخير من 2017، وبالرغم من أن المعدل يكشف عن اتجاه غير جيد، لكنه ليس فقط بالطبع سبب التراجعات التي حدثت بالبورصة.

سوق دبي المالي

وكما يوضح الرسم البياني السابق، فقد تراجع سوق دبي المالي خلال الستة أشهر الأولى من العام الجاري نحو 16.29%، وهي نسبة كبيرة على واحد من أبرز الأسواق المالية في المنطقة، وبالحديث عن أسباب هذا الهبوط الكبير، يرى محمد عبد الحكيم، رئيس قسم البحوث بشركة فيصل لتداول الأوراق المالية، أن هناك عدة عوامل كان لها النصيب الأكبر من قيادة سوق مال دبي لهذا الهبوط التاريخي.

عوامل دفعت سوق دبي المالي لهبوط تاريخي

يوضح عبد الحكيم، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن العامل الأكبر والأهم هو ما حدث مع مجموعة «أبراج كبتال»؛ إذ هزت ثقة المستثمرين في الإمارات بشكل عام، لأن الشركة لديها اتصال مباشر بالكثير من القطاعات الاقتصادية، بالإضافة إلى أن موقف مركز دبي المالي في تعامله مع الأزمة كان غير واضح؛ مما زاد من غموض الأزمة، بينما يعد العامل الثاني هو أزمة سندات البحرين، واحتمالية عجزها عن السداد وتدخل دول الخليج لحل الأزمة، وهو ما يهز الثقة في النظام المالي في الخليج بشكل عام، على حد تعبيره.

ويعتبر عبد الحكيم أن الوضع المالي لسوق دبي هو الأضعف خليجًا بعد البحرين، موضحًا أن دبي كانت الأكثر تأثرًا بالأزمة المالية العالمية في 2008، وذلك لأن معدلات الاقتراض عالية عالي جدًا مقارنة بالمنطقة العربية عمومًا، ويقول خبير أسواق المال: إن العامل الثالث يتلخص في أن دخول السعودية إلى مؤشر «إم إس سي آي»، وهو ما دفع المستثمرين لسحب السيولة من أسواق كمصر والإمارات لتسجيل دخول استباقي في السعودية، حتى قبل الإدراج فعليا.

Embed from Getty Images

وعن العامل الرابع، يقول عبد الحكيم: «إن الوضع العالمي العام من حركة التجارة العالمية، وتوقعات اشتعال حروب تجارية في أكثر من منطقة في العالم، بالإضافة إلى ارتفاع سعر الدولار الأمريكي، كان له تأثير مباشر على بورصة دبي بسبب انفتاح السوق علي العالم بشكل أكبر».

وخلال السطور القادمة سنناقش هذه العوامل بشيء من التفصيل، بالإضافة إلى مناقشة المخاوف المتعلقة بالقطاع العقاري في دبي؛ كونها أحد العوامل المهمة فيما حدث من هبوط مؤخرًا، ولذلك فلتتضح أكثر كيف انعكست المشاكل الاقتصادية الداخلية والخارجية على سوق المال والعكس.

1- «أبراج كابيتال».. من إمبراطورية كبيرة إلى إفلاس قريب

خلال الأشهر القليلة الماضية شهدت شركة الاستثمار المباشر الأكبر في الشرق الأوسط الكثير من الأحدث التي عصفت بـ«أبراج» في أعقاب نزاعها مع أربعة من مستثمريها، من بينها: مؤسسة بيل وميليندا جيتس، ومؤسسة التمويل الدولية، وذلك في اتهام للشركة باستخدام أموالهم في صندوق للرعاية الصحية قيمته مليار دولار، بينما تنفي الشركة إساءة استخدام هذه الأموال.

بشكل عام ظلت «أبراج كابيتال» إمبراطورية اقتصادية كبيرة في الإمارات ودول الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية منذ أن تأسست في مركز دبي المالي العالمي في مارس (آذار) 2006 برأسمال قدره 3.5 مليار دولار، بعدما أنشأها عارف نقفي في عام 2002، حيث سجلت نموًا ملحوظًا.

 إلا أنه منذ بداية العام الجاري تحولت الشركة العملاقة من التألق والسيطرة الهائلة إلى إفلاس وانهيار عبر باب الفساد المالي المتهمة به من الكويت والملياردير الأمريكي بيل جيتس وزوجته. كان البطل في هذه الاتهامات هو صندوق صحة أبراج، إذ أشارت تقارير إلى أن الشركة كانت تستخدم الأموال المخصصة لشراء مستشفيات في باكستان والهند ونيجيريا لتغطية النفقات التشغيلية.

الاتهامات تطورت إلى أن تقدمت «المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية الكويتية» – أحد دائني الشركة – بمذكرة قانونية لتصفية «أبراج» وتسييل أصولها، وذلك بعد فشل الشركة الإماراتية في سداد قرض بقيمة 100 مليون دولار كان مستحق الدفع في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، الاتهامات والتقارير توالت، إذ باتت الشركة تواجه تهمًا كثيرة متعلقة بسوء إدارة الأصول الاستثمارية الخاصة بالعملاء، فضلًا عن أن وجهة الأموال الضائعة لا تزال غير معلومة إلى حد الآن.

Embed from Getty Images

وبعيدًا عن تفاصيل مع حدث مع الشركة، يبقى السؤال الآن ما هو تأثير هذا الانهيار السريع لـ«أبراج» على اقتصاد دبي بشكل خاص؟ الإجابة جاءت مؤخرًا عبر استطلاع أجرته «رويترز»، وشارك فيه نحو 13 مؤسسة مالية بالمنطقة، إذ خلص إلى أن التصفية المزمعة لـ«أبراج» قوضت الثقة في أسهم الإمارات العربية المتحدة؛ إذ تسببت أزمة الشركة في هبوط مؤشر بورصة دبي بنحو10%.

جاء ذلك وسط قلق من المستثمرين بشأن المعايير التنظيمية وتلك الخاصة بحوكمة الشركات في الإمارات العربية المتحدة والأثر المالي المحتمل للتصفية على الشركات المدرجة، خاصة بعد أن أصدرت السلطات الإماراتية أمرًا بالقبض على مؤسس أبراج ومسؤول تنفيذي آخر لإصدار شيك بدون رصيد كافٍ.

عمومًا باتت الشركة التي تدير أصولًا تصل إلى 14 مليار دولار خطرًا حقيقيًا على سمعة دبي ومكانتها كوجهة رائدة في مجال الاستثمارات المتعلقة بالأسهم الخاصة، وجميع فئات الأصول المالية الأخرى، وهذا الأمر انعكس على سوق المال وكذلك الاقتصاد الحقيقي.

2- القطاع العقاري.. سنوات من التراجع

يعد القطاع العقاري في دبي محركًا رئيسًا للنشاط الاقتصادي وهو يحظى باهتمام خاص من حكومة الإمارة، لكن أيضًا هو أحد أكثر القطاعات في دبي التي تتأثر بالمناخ الاقتصادي العام؛ لأنه يتشابك مع الكثير من القطاعات؛ كون القطاع يعتمد على النسبة الأعلى من التمويل في المنطقة، لكن بشكل عام لا يمر القطاع العقاري في دبي بأفضل أيامه، وذلك بعد أن أنهى 2017 متراجعًا بشكل ملحوظ للعام الثالث على التوالي.

هذا الأمر انعكس كذلك على سوق دبي فمنذ بداية العام الجاري كان القطاع العقاري ثاني أكثر القطاعات المتراجعة بعد قطاع السلع الاستهلاكية والكمالية، إذ تراجع بأكثر من 24% منذ بداية 2018 كما يبين الجدول التالي:

سوق دبي المالي

وتشير شركة «أستيكو» العقارية إلى أن أسعار الشقق والفلل تراجعت بواقع 7.8% و5.6% على التوالي، وأساس سنوي في الربع الرابع من العام 2017، مسجلة أسرع وتيرة تراجع منذ سنوات، بينما تراجعت الأسعار بواقع 16% إلى 19% من أعلى مستوياتها التي بلغتها منذ ثلاث سنوات.

وشهد قطاع العقار في دبي خلال العقد الأخير عدة تقلبات دفعت أسعار العقار السكني للتراجع بنحو النصف في الأعوام التي تلت الأزمة المالية بين عامي 2008 و2009، وهو ما أثر سلبًا على الاقتصاد في دبي؛ ما دفع السلطات إلى فرض المزيد من الضوابط، كمضاعفة رسوم تسجيل الأراضي إلى 4% وتضييق نسب القرض إلى القيمة للتخفيف من حدة المخاطر على ميزانيات البنوك، والحد من نشاط المضاربة ودفع حركة السوق نحو عمليات الشراء طويلة الأجل.

Embed from Getty Images

هذه القيود دفعت الطلب للتراجع تماشيًا مع تشدد الضوابط على نسبة القروض إلى القيمة، وارتفاع معدلات الفائدة وتكاليف الوقود؛ إذ ساهمت جميع هذه العوامل في خفض قوة الشراء من قبل المستهلكين؛ وهو ما عزز مخاوف المستثمرين من القطاع، وهو بالتالي ما يضيف مخاطر كبيرة على الاقتصاد وسوق المال على حد سواء.

يأتي هذا وسط توقعات استمرار وفرة المعروض من المساكن، والتي تعد أهم عامل وراء ضعف سوق العقار في دبي، إذ تتوقع وكالة العقارات التجارية «جونز لانج لاسال»، ارتفاع وفرة المساكن إلى 9% هذا العام وهي نسبة ضخمة، في ظل انتعاش مشاريع التطوير السكنية الجديدة، التي من المتوقع أن تضيف 17 ألف شقة إلى سوق العقار في العام 2018.

كان العاملان السابقان هما أبرز العوامل الداخلية التي أثرت على بورصة دبي مؤخرًا، ناهيك بالطبع عن الأوضاع الاقتصادية العامة بالخليج منذ 2014 بعد هبوط أسعار النفط، ولكن لم تكن تلك هي الأسباب الوحيدة، فهناك عوامل خارجية كانت لها آثار سلبية كبيرة على بورصة دبي.

3- السعودية في «إم إس سي آي».. المستثمرون يغيرون وجهتهم

في 20 يونيو (حزيران) الماضي، قالت «إم إس سي آي» لمؤشرات الأسهم العالمية إنها ستبدأ بإدراج السعودية في مؤشرها للأسواق الناشئة، وهو ما سيوسع بشكل حاد قاعدة المستثمرين للمملكة، وبالفعل جاء القرار داعمًا قويًا للأسهم السعودية، بينما شهد سوق دبي عزوفًا من المستثمرين بحثًا عن فرص أفضل في السعودية، وذلك وسط توقعات مرتفعة بشأن طرح عام أولي مرتقب لحصة في شركة «أرامكو» السعودية النفطية العملاقة التي تسيطر عليها الدولة.

Embed from Getty Images

وفي اليوم الثاني لقرار «إم. إس. سي. آي» أكد محمد بن عبد الله القويز رئيس مجلس إدارة هيئة السوق المالية السعودية، أن هذا الإدراج قد يساعد في جذب تدفقات أجنبية بـ40 مليار دولار من موضحًا أن التدفقات متوقعة من الصناديق الخاملة والنشطة على السواء؛ ما عزز كذلك من جاذبية الأسهم السعودية هو أن خطوة «إم. إس. سي. آي» تأتي بعد ثلاثة أشهر من قيام مزود مؤشرات آخر «فوتسي راسل» بإعطاء السعودية وضع السوق الناشئة، وبالطبع كانت أبرز البورصات المتضررة من زيادة جاذبية السعودية هما بورصتا دبي ومصر، بحسب محللين.

4- البحرين تقوض ثقة المستثمرين بالخليج

تتأثر دول مجلس التعاون الخليجي بالأزمات الداخلية التي تحدث في كل دولة على حدة، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحالية في البحرين حاليًا من الطبيعي أن يتخوف المستثمرون، وخاصة الأجانب، ولذلك أثر مباشر على سوق دبي المالي، وهو أيضًا ما يبرر تدخل كلٍّ من السعودية، والإمارات، والكويت، لتقديم الدعم للمملكة البحرينية.

5- التوترات الاقتصادية العالمية.. دبي أكثر العرب تأثرًا بالعالم

خلال الأزمة المالية العالمية في 2008 كانت دبي في قلب الأزمة؛ وذلك بسبب تنوع استثمارات الإمارة في الخارج، وكذلك انتشار الشركات المتعددة الجنسيات في البلاد، وهو يبرر أزمة الديون الشديدة التي تعرضت لها دبي في 2009 عندما أنقذتها أبوظبي من الإفلاس.

Embed from Getty Images

وأعلنت دبي وقتها أنها ستؤجل سداد ديون تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات، بعد أن علقت مشروعات بناء ضخمة منذ بدء الأزمة المالية العالمية، وتعرضت بورصة دبي لتراجعات حادة، ما يجعلنا نذكر هذه الحادثة هو توضيح كيف تتأثر دبي بالتوترات الاقتصادية العالمية، ومنذ بداية العام الجاري تتوالى التوترات الاقتصادية العالمية، سواء هبوط الأسهم أو الحرب التجارية المشتعلة بين أمريكا والصين، وهو ما انعكس سلبًا على بورصة دبي والاقتصاد بشكل عام.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد