علاء الدين السيد

5

علاء الدين السيد

5

5,693

البشر عمومًا نوع من الكائنات التي تميل كثيرًا إلى العنف، ربما تكون قد لاحظت هذا بنفسك في أحد المواقف. نحن البشر كنا نفكر في طرق مبتكرة دائمًا عبر التاريخ لإيذاء بعضنا البعض، وفي حين أن معظم هذه الأفكار مروعة إلى حد ما (انظر مثلًا إلى القنبلة النووية)؛ لكن العديد من هذه الأفكار كانت أيضًا غبية إلى درجة لا توصف. نقدم لكم في هذا التقرير عددًا من أبرز هذه «الأسلحة الغبية» التي حاول البشر تصنيعها.

الكلاب المضادة للدبابات

ربما تبدو الفكرة للوهلة الأولى عبقرية بالفعل، لكنها كانت فكرة غير عبقرية على الإطلاق عمليًّا. في الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا على الجبهة الشرقية، تلاعبت الدبابات الألمانية بمصير الحرب بقوة، وفتحت أبواب الجحيم على المواقع الروسية، حتى طُرح حل لهذه المشكلة العويصة.

الحلول كانت تسير على أربع أرجل، ولم تكن تدرك أنها تُرسل إلى حتفها. روسيا فتحت خط إمدادات للكلاب ذات الصحة الملائمة، من أجل استخدامها في التصدي للدبابات الألمانية. هذه الحيوانات تتميز بأنها سريعة نسبيًّا، وصغيرة إلى حد ما، ويمكن تدريبها بسهولة.

اتبع الروس المسار الواضح المنطقي الذي حددته تلك الحقائق: تدريب الكلاب على البحث عن الطعام تحت الدبابات، وتجويعها لبضعة أيام، ووضع قنابل منشطة على ظهورها، ثم وضعها في ساحة المعركة. قد يكون الأمر مخيفًا، ولكن الروس كانوا في مكان ضيق، وفي وسط حصار مستمر، وبالتالي فإن كلبًا واحدًا مقابل دبابة ألمانية تبدو صفقة جيدة جدًا.

بدا الأمر في البداية مشجعًا، وتمكنت الكلاب من تدمير بعض الدبابات الألمانية، ونتيجة لهذه المشكلة أمر الألمان بإطلاق النار على جميع الكلاب التي تظهر. ولكن على الرغم من أن الكلاب المضادة للدبابات كانت على درجة معينة من النجاح، إلا أنه كان هناك عدد من العيوب الكبيرة.

أولًا وقبل كل شيء، كان هناك عدد من الكلاب التي عانت من المعركة التي تدور حولها وركضت إلى الخنادق الروسية مع القنابل التي لا تزال معلقة بها، وبالتالي تحولت الكلاب إلى قنابل مضادة للسوفييت أنفسهم. أضف إلى هذا أن الكلاب لم تتمكن من معرفة الفرق بين الدبابات الروسية والألمانية.

في الواقع كانت المشكلة في هذا السلاح عكسية، فقد اختبأت الكلاب تحت الدبابات الروسية، وعادة ما كانت تعتمد على الرائحة، فقد تم تدريبهم مع الدبابات الروسية التي كانت تعمل بالديزل؛ بينما تعمل الدبابات الألمانية بالبنزين، وبالتالي فضلت الكلاب الاقتراب من الدبابات الروسية نفسها.

قنبلة المثلية الجنسية

من الناحية النظرية، هذه ليست أسوأ فكرة على الإطلاق، لكن في الواقع العملي لا توجد أي وسيلة يمكن أن تنفذ هذه الفكرة. عنوان «قنبلة مثليي الجنس» هو تسمية خاطئة بعض الشيء، لأن الفكرة نفسها لم تكن تتمحور حول تحويل الناس العاديين إلى مثليي الجنس، ولكن الفكرة كانت تحفيز الإثارة الجنسية في العدو من خلال إسقاط مادة قوية مثيرة للشهوة الجنسية عليهم. ليس هناك فكرة واضحة من جعل عدوك مثار جنسيًّا، ولكن يبدو أن الفكرة الأوسع هي أن الجنود المتضررين سيتشتتون ذهنيًّا؛ مما يجعلهم يتركون مواقعهم غير مؤمنة نسبيًّا، ويسمحون للعدو بالتسرب.

على افتراض أن هذه ستكون النتيجة العملية لتغطية عدوك بمادة مثيرة للشهوة الجنسية، لكنها تبدو بالفعل فكرة غير ذكية. إذا أطلق العدو عليك شيئًا ما جعلك مثارًا جنسيًّا، فمن المستبعد أن تحاول تفريغها وسط المعركة بشكل فوري كما يظن البعض، فلو كنت في موقف يمكن أن تتلقى فيه رصاصة من بندقية العدو، فأنت بالتأكيد -ذهنيًّا ونفسيًّا وعمليًّا- لن تترك موقعك وتحاول إشباع شهوتك هذه، التي هي مجرد مزاج لا يتطلب إشباعه في لحظة أنت لست مهيئًا نفسيًّا له.

ولكن منطق هذه الخطة كان مجرد نقطة انطلاق نحو فكرة ما، لم تر النور لسبب بسيط، هو أن التكنولوجيا المطلوبة لا تتواجد حاليًا. في عام 1994 شخص في ولاية أوهايو فقط فكر «ماذا لو حولنا العدو إلى مثلي الجنس؟»، ووضع الفكرة دون التفكير في المنطق والجدوى. وبالمناسبة فقد تم طرح الفكرة بالفعل داخل جيش الولايات المتحدة الأمريكية.

قنابل الوطاويط

مثال آخر على محاولة استخدام الحيوانات وقتلها في الحروب. بعد هزيمة بيرل هاربور، كان الأمريكيون مستائين بشكل حقيقي، ومستعدين للقيام بضربة انتقامية واسعة النطاق؛ لذا بدأت مفاهيم الأسلحة التي من شأنها أن تدمر المدن اليابانية التي تطفو على السطح.

واحدة من هذه الأفكار التي أعطيت الاهتمام الجاد، كانت الخاصة بطبيب الأسنان في مدينة بنسلفانيا، ليتل آدمز، والمسماة «القنبلة الوطواط». الفكرة كانت تدور حول عدد كبير من الخفافيش النائمة -التي تحمل أجهزة نابالم جرى تأخير وقتها- توضع داخل علبة من الصلب، والتي يجري إسقاطها من طائرة باستخدام مظلة.

على ارتفاع حوالي ألف قدم تبدأ الخفافيش في الاستيقاظ والطيران والانتشار على مساحة واسعة، وأخيرًا تعشعش هذه الوطاويط داخل الشقوق الصغيرة عبر المدن اليابانية؛ مما يسمح باندلاع عشرات الحرائق تقريبًا في وقت واحد، وإذا كانت غالبية المدن اليابانية في ذلك الوقت مبنية جزئيًّا من الخشب والخيزران، فهذا سيكون ضربة قاسية. حتى الآن، تبدو الفكرة مجنونة لكنها فعالة نظريًّا.

بيد أن مشكلة ظهرت خلال مرحلة الاختبار، عندما تم إطلاق سراح عدد من الخفافيش المسلحة عن طريق الخطأ في قاعدة جوية بمدينة نيو مكسيكو. الخفافيش نزلت تحت خزانات الوقود وتحولت القاعدة إلى كتلة من النار. فضلًا عن هذا الضرر الضخم الكبير، كان المشروع يستغرق وقتًا طويلًا جدًا، وتكلف كثيرًا (ما يقرب من 26 مليون دولار)، وحل محله في نهاية المطاف مشروع إنشاء القنبلة الذرية.

مسدس مقاومة الألمان

كان مسدس FP-45 Liberator بمثابة نية حسنة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لمساعدة المتمردين الأوروبيين خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه أيضًا كان محاولة قصيرة النظر، والذي تم ابتكاره بناءً على مفهوم صاغه البولنديون. جرى تصنيع هذه المسدسات التي يبلغ وزنها أقل من نصف كيلوجرام، للاستخدام السري، وتم تصنيعها بكميات كبيرة وإسقاطها على أوروبا ليقوم مقاتلو المقاومة بالتقاطها.

كانت خطة رائعة، لكن يشوبها عيب واحد فقط: فقد كان المسدس نفسه مجرد كومة من الحماقة، كما يقول الأمريكيون. واحد من أكبر العيوب مع هذا السلاح، بصرف النظر عن مداه القصير جدًا الذي يصل إلى ثمانية أمتار فقط، هو أنه كان يملك أقل سعة ممكنة من الرصاصات، فعلى الرغم من أنه يمكن تخزين الرصاص الإضافي في مقبض اليد، إلا أنه يمكن أن يحمل رصاصة واحدة فقط في المرة الواحدة، وبعد أن يتم إطلاق الرصاصة، كان يجب إزالة الغطاء المستنفد من خلال تثبيت دعامة خشبية في الفوهة قبل إدخال رصاصة جديدة.

صنع هذا المسدس عام 1941، ولكن كان أقرب إلى بنادق «فلينتلوك» عتيقة الطراز التي تحتاج إلى وضع بلية معدنية، ثم وضع البارود وحشوه، ثم إطلاق النار من المسدسات الحديثة. كان التصميم سيئًا جدًا لدرجة أنه كان من الأسرع تصنيع مسدس (سبع ثوانٍ) من إعادة تحميله برصاصة (10 ثوانٍ).

الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يكون بها هذا المسدس مفيدًا، هو أنك تستطيع إطلاق رصاصة واحدة لتسقط بها جندي ألماني، ثم تحصل على مسدسه، وهو ما كان بالضبط استراتيجية الشركات المصنعة في ذلك الوقت، لكن هذا المسدس كان بلا أي قيمة في مناوشات صغيرة ضد قوة احتلال مدججة بالسلاح.

مدافع هاون نووية

ربما تكون شاهدت هذه اللقطة في فيلم Starship Troopers، عندما قام جنود المشاة المتنقلون بتحويل خلية الحيوان الشرير الأم إلى فتات بواسطة بندقية صغيرة محمولة تحتوي على رؤوس حربية نووية. لحسن حظ الجميع على هذا الكوكب أننا لم نتمكن من اختراع أي سلاح بهذه النوعية المرعبة؛ لكن هذا لم يمنع جيش الولايات المتحدة من التفكير في هذه الفكرة الغريبة أثناء الحرب الباردة.

تجاهل الأمريكيون الجانب الأكثر إيجابية في الحرب الباردة (عدد قليل جدًا من الناس الذين قتلوا في نهاية المطاف بالمقارنة مع الحرب الساخنة)، وقاموا بمحاولة بناء Davy Crocket، وهي قاذفة هاون عديمة الارتداد مع رأس حربي نووي وزنه 23 كيلوجرامًا، والذي تصل قوته التفجيرية إلى ما بين 10– 20 طنًا من مادة تي إن تي. لو كان هذا السلاح حيًّا في ذلك الوقت، لكان كارثة فعلًا؛ لأنه سيحمل خطرًا مباشرًا على كل من يحاول استخدامه، إذ إن مدى القذيفة عند اختبارها وصل إلى كيلومترين فقط، وهو ما يعني تأثير إشعاعي مباشر على المتواجدين قرب السلاح.

كان الإشعاع الذي تنتجه القذائف مميتًا على مدى يبلغ حوالي ربع ميل، وقاتلًا فوريًّا على بعد 500 قدم، ومن المسلم به أن هذا هو ما تريده من قنبلة نووية صغيرة؛ لكن المشكلة أنك في المعتاد عند إسقاط أحد الأسلحة النووية، تكون على ارتفاع عالٍ أو في طائرة حتى تتمكن من الحصول على الجحيم دون أن تتأثر به.

صمم هذا المدفع ليتم استخدامه على الأرض أو معلقًا على سيارة جيب قتالية من أجل المعارك المباشرة، وهو ما يعني وجود ثلاث عربات أخرى جنبًا إلى جنب مع أي قوات أخرى في الكتيبة، كانوا في منطقة الخطر وأصيبوا بالإشعاع. هذا السلاح يبدو أقرب إلى  سلاح انتحاري وليس قتالي.

ألغام نووية تنشط عبر الدجاج

هذه ليست مزحة، فقد كانت الألغام النووية التي يتم تفعيلها بواسطة الدجاج تعتبر حقًّا سلاحًا عسكريًّا قابلًا للوجود من قبل بريطانيا في عام 1958، وكانت الفكرة (التي لم يتم تشغيلها على الإطلاق) هي نشر سبعة أطنان من الألغام الأرضية النووية (وهو ما يعادل 10 كيلوطن من الانفجار) ودفنها تحت سهول شمال ألمانيا، وذلك استعدادًا لأي غزو محتمل من الروس لألمانيا الشرقية.

على ما يبدو، كان تحويل نصف أوروبا الغربية إلى ميدان معركة مفتوح يعد استجابة في حالة الغزو البري الروسي، لكن السؤال الذي نحتاج إلى معرفته هو لماذا هذه الخطة التي وضعت لتفجير نصف ألمانيا في حالة الغزو الروسي تحتاج إلى الدجاج. حسنًا، كان هناك طريقة فظيعة إلى حد الجنون.

جرى تطوير أول لغم «Blue Peacock» في فصل الشتاء، ودفن شيء مثل هذا به آلية إلكترونية حساسة في الأرض الباردة (وخاصة لو كان به متفجرات نووية) هو استراتيجية محفوفة بالمخاطر؛ إذ إن البرد يمكن أن يتداخل مع الإلكترونيات، ويحتمل أن يؤدي إلى عدم إطلاقه وقت الحاجة.

أي شخص على الأرجح سوف ينظر في أساليب حفظ ملائمة لهذه الألغام، مثل نوع من السخان الذي يعمل بالبطارية. لكن بدلًا من ذلك، قرر المهندسون الذين يثق بهم الشعب عند صنع أسلحة تستخدم للدفاع عن البلاد، استخدام الدجاج. حبس المهندسون الدجاج الحي في غلاف القنبلة مع ما يكفي من الغذاء والماء لتستمر حوالي أسبوع، وذلك من أجل إمداد القنبلة بالحرارة، وجعل آلية الزناد سليمة حتى يتم إطلاقه.

عندما ظهرت المعلومات الخاصة بهذه التقنية إلى العلن، اعتقد الناس أنها مجرد «كذبة أبريل (نيسان)»، لكن كان المنطق السياسي والعسكري أسوأ من ذلك، فإذا كانت هذه الألغام الأرضية طبيعية، فإن دفنها تحت ألمانيا سيكون خطوة محفوفة بالمخاطر، ولكنها شر لا بد منه على المدى الطويل لا يؤدي إلا إلى أضرار جانبية طفيفة جدًا، لكن هذه الكلمة الصغيرة «النووية» تغير كل شيء.