هل تظن أنه يجب علينا الاحتفاظ بعدد معين أو دائرة محدودة من الأصدقاء؟ أم تفضل كثرة المعارف؟ لطالما كان الإنسان كائنًا اجتماعيًّا بطبعه؛ ولذا فهو يحتاج إلى الآخرين لممارسة حياته الاجتماعية بشكل طبيعي؛ مما جعل من الأسئلة حول الصداقة وأهمية الأصدقاء في حياتنا أسئلة محورية، واليوم نتعرف إلى نظرية قدمها عالم الأنثربولوجيا البريطاني، روبن دنبار، في مطلع التسعينيات وعرفت في الأوساط العلمية بـ«رقم دنبار».

وقد كان لهذه النظرية تأثير واسع النطاق حول التواصل الاجتماعي والعدد الممكن من العلاقات الاجتماعية ذات المغزى التي يمكننا الحفاظ على استمراريتها لتحقيق التواصل السليم. حتى إن مصلحة الضرائب السويدية اعتمدت تنظيمًا لمكاتبها بناءً على النظرية، ينص على عدم زيادة عدد الموظفين في مبنى إداري واحد عن 150 موظفًا، وهو «رقم دنبار».

واليوم سنتعرف إلى نظرية دنبار والانتقادات التي وجهت إليها، كما سنحاول الإجابة عن السؤال الخاص بنظرية دنبار ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة التي أحدثت ثورة في شكل العلاقات الإنسانية وطرق التواصل فيما بيننا.

هل لديك أكثر من 150 صديقًا؟ دنبار لا يعتقد ذلك

وفقًا لعالم الأنثروبولوجيا البريطاني وأستاذ علم النفس التطوري بجامعة أوكسفورد، روبن دنبار، – من مواليد 1947 في مدينة ليفربول المملكة المتحدة- فإن «العدد السحري» لعلاقات اجتماعية ناجحة هو 150. وذلك بعد أن توصل إليه من خلال دراساته عن الرئيسيات غير البشرية؛ إذ أصبح دنبار مقتنعًا بوجود علاقة بين أحجام الدماغ وأحجام المجموعة الاجتماعية.

حُددت هذه النسبة باستخدام تقنيات التصوير العصبي ومراقبة الوقت الذي يقضيه القرد في استمالة الآخرين، وهو سلوك اجتماعي مهم للترابط الاجتماعي بين القرود.

من هذه الملاحظات انتهى دنبار إلى أن حجم القشرة المخية الحديثة – جزء الدماغ المرتبط بالإدراك واللغة – يرتبط بحجم مجموعة اجتماعية متماسكة، وتحدد هذه النسبة مقدار التعقيد الذي يمكن للنظام الاجتماعي التعامل معه.

طبَّق دنبار وزملاؤه هذا المبدأ الأساسي على البشر؛ إذ فحصوا البيانات النفسية والتاريخية والأنثروبولوجية والمعاصرة حول أحجام المجموعات الاجتماعية، ومنها كيفية تطور المجموعات الكبيرة قبل أن تنفصل أو تنهار، وقد وجدوا تناسقًا ملحوظًا حول الرقم 150.

وفقًا لدنبار والعديد من الباحثين الذين تأثروا بنظريته، تظل قاعدة 150 هذه صحيحة بالنسبة لمجتمعات الصيد والجمع المبكرة (11000– 12000 ق. م) بالإضافة إلى مجموعة مختلفة من التجمعات الحديثة مثل المكاتب، والبلديات، والمصانع، والمعسكرات السكنية، والمنظمات العسكرية، وحتى قوائم بطاقات المدعوين لحفلات الزفاف أو المناسبات العائلية، بما يعني شمولية هذه النظرية ومفهومها، وإذا تجاوز العدد 150 فإنه من غير المرجح – حسب دنبار-  أن تتماسك شبكة العلاقات الاجتماعية تلك لفترة طويلة.

وفقًا للنظرية، فإن الدائرة الأكثر إحكامًا من العلاقات الاجتماعية تضم خمسة أشخاص فقط، وهم الأحباء. يتبع ذلك طبقات متتالية من 15 شخصًا (أصدقاء جيدون)، و50 شخصًا (أصدقاء)، و150 شخصًا (جهات اتصال ذات مغزى)، و500 شخص (معارف)، و1500 (أشخاص يمكنك التعرف إليهم). وينتقل الناس داخل هذه الطبقات وخارجها باستمرار – حسب دنبار- لكن الفكرة هي أنه يجب توفير المساحة لأي وافدين جدد.

في واقع الحال فإن دنبار غير متأكد من سبب كون هذه الأرقام كلها مضاعفات للعدد خمسة، لكنه يقول: «يبدو أن هذا الرقم خمسة أساسي للقرود والقردة العليا بشكل عام». يقول دنبار: «ما يحدد هذه الطبقات في الحياة الواقعية، حيث اللقاء وجهًا لوجه، هو عدد المرات التي ترى فيها هؤلاء الأشخاص حيث يتعين عليك اتخاذ قرار كل يوم حول كيفية استثمار الوقت المتاح لديك للتفاعل الاجتماعي، وهو أمر محدود بطبيعته».

وقد أخذت بعض المؤسسات الحكومية هذه الأفكار على محمل الجد حيث قامت مصلحة الضرائب السويدية – سالفة الذكر- بإعادة هيكلة مكاتبها للبقاء ضمن حدود نظرية وجود 150 شخصًا في المكان الواحد، وذلك وسط اعتراضات بعض الموظفين – حسب وسائل الإعلام السويدية – الذين تساءلوا عما إذا كان من الممكن حقًّا مقارنتهم سلوكيًّا بالقردة العليا؟ وقالوا أيضًا إن ذلك أثار شكوكًا حول أساس العناصر الأخرى لإعادة التنظيم، والتي بموجبها ينتقل ألف شخص إلى أماكن عمل جديدة.

هل هناك عدد معين يجب أن نكتفي به للحفاظ على علاقات ذات معنى؟

بناءً على رقم دنبار فإن تجاوز العدد 150 من شأنه أن يكون صداقات لن تستمر، لكن ثلاثة من الباحثين السويديين أجروا دراسة حديثة حول نظرية دنبار بجامعة ستوكهولم في الرابع من مايو (أيار) 2021 موضحين أن الإنسان يمكنه الحصول على أي عدد من الأصدقاء، كما يمكنه الاحتفاظ بعلاقات ذات مغزى إذا بذل المجهود اللازم للأمر.

«إن الأساس النظري لعدد دنبار مهتز. لأن أدمغة الرئيسيات الأخرى لا تتعامل مع المعلومات تمامًا كما تفعل أدمغة الإنسان، كما أن النشاط الاجتماعي للرئيسيات يجري تفسيره بشكل أساسي من خلال عوامل أخرى غير الدماغ، مثل ما يأكلونه، ومن هم مفترسونهم. علاوة على ذلك أن البشر لديهم تباين كبير في حجم شبكاتهم الاجتماعية».

حسب باتريك ليندنفورز، أستاذ مساعد في علم البيئة الحيوانية بجامعة ستوكهولم ومعهد دراسات المستقبل، وأحد مؤلفي الدراسة. وعندما كرر الباحثون السويديون تحليلات دنبار باستخدام طرق إحصائية حديثة وبيانات محدثة عن أدمغة الرئيسيات، كانت النتائج في الوقت نفسه إما أكبر بكثير وإما أقل بكثير من العدد 150.

غالبًا ما كان متوسط ​​الحد الأقصى لحجم المجموعة أقل من 150 شخصًا، لكن المشكلة الرئيسية كانت أن فترات الثقة – معادل إحصائي يعني الخروج بنتيجة صحيحة – في  95% من تلك التقديرات تراوحت بين شخصين و520 شخصًا لعلاقات صداقة ذات مغزي؛ مما لا يسمح بالخروج بنتيجة دقيقة إحصائيًّا.

غالبًا ما يُستشهد برقم دنبار وكان له تأثير كبير في الثقافة الشعبية، خاصة بعد أن ظهر بشكل بارز في كتاب «نقطة التحول» للمؤلف الكندي والصحافي بجريدة «النيويوركر» مالكولم جلادويل. وفي عام 2007، ذكرت وسائل الإعلام السويدية أن مصلحة الضرائب السويدية أعادت تنظيم مكاتبها للبقاء في حدود 150 شخصًا داخل المكان الواحد تطبيقًا لنظرية دنبار.

وحول هذا القرار الذى أصدرته مصلحة الضرائب السويدية، يقول الأستاذ باتريك ليندنفورز – أحد العلماء المشاركين في الدراسة-: «ستعتمد عملية إعادة التنظيم هذه على الافتراض الضمني لكن غير المقصود بأن موظفيهم ليس لديهم عائلة ولا أصدقاء خارج العمل»، مضيفًا «أعتقد أن رقم دنبار منتشر على نطاق واسع، بين الباحثين أيضًا، لأنه من السهل جدًّا فهمه».

تسلط أفكار مثل «رقم دنبار» الضوء على أسئلة حول المدى البعيد للجين البشري، وفيما إذا كان مؤثرًا في التفاعلات الاجتماعية من عدمه. وقد تساءل الأستاذ يوهان ليند، نائب مدير مركز التطور الثقافي في جامعة ستوكهولم والمؤلف المشارك للدراسة حول طبيعة التفاعلات الإجتماعية وعلاقتها بالخصائص الوراثية والجينات قائلًا:

«هل التفاعلات الاجتماعية البشرية محدودة وراثيًّا من خلال تأثير الجينات في بنية الدماغ؟ لقد كشف بحث جديد حول التطور الثقافي عن أهمية الميراث الثقافي لما يفعله البشر وكيف نفكر. لأن الثقافة تؤثر في كل شيء، بدءًا من حجم الشبكات الاجتماعية إلى ما إذا كان بإمكاننا ذلك. نلعب الشطرنج أو إذا كنا نحب رياضة المشي لمسافات طويلة. تمامًا مثلما يمكن لأي شخص أن يتعلم تذكر عدد هائل من الكسور العشرية في الرقم «Pi»، كذلك يمكن تدريب عقولنا على تكوين المزيد من الاتصالات الاجتماعية».

وأخيرًا يضيف الأستاذ أندرياس فارتل – ثالث المؤلفين المشاركين في الدراسة – أنه «ليس من الممكن إجراء تقدير للبشر بأي دقة باستخدام الأساليب والبيانات المتاحة حاليًا». إلا أن هذه الدراسة الحديثة قد طرحت أسئلة جدية حول صلاحية نظرية دنبار في التطبيق على العلاقات الاجتماعية الإنسانية استنباطًا من علاقات القردة العليا، كما فتحت الباب لتساؤلات جدية حول طبيعة العلاقة بين الجينات الموروثة وتأثيرها في شكل علاقتنا الاجتماعية من عدمه.

رسم بياني يوضح نظرية رقم دنبار – المصدر: The Atlantic

لكن.. ماذا عن شبكات التواصل الاجتماعي؟

يمكن القول بأن وسائل التواصل الاجتماعي قد غيرت شكل العلاقات الإنسانية في العصر الحديث، وأصبح لدى كل منا على الأقل أكثر من 150 «صديقًا» على تلك الشبكات الافتراضية. لكن يبقى السؤال قائمًا حول جودة تلك العلاقات.

وفي محاولة للإجابة عن هذا السؤال أجرى روبن دنبار في يناير (كانون الثاني) 2016 دراسة علمية لصالح مجلس جامعة أوكسفورد لبحوث الأخلاق«CUREC» حول نجاح وسائل التواصل الاجتماعي في اختراق ما أسماه بالقواعد المحددة للتواصل الاجتماعي غير المتصل بالإنترنت، أي التواصل وجهًا لوجه.

وقد سجلت النساء فى الدراسة وجود أعداد أكبر من الأصدقاء مقارنة بالرجال، لكن الأعداد العامة لهؤلاء الأصدقاء – عبر شبكات التواصل الاجتماعي- تراوحت ما بين 155 و182 شخصًا باختلافات طفيفة عن «رقم دنبار»، مع تأكيد الدراسة قلة جودة العلاقات الاجتماعية عبر وسائل التواصل عن نظيراتها غير الافتراضية.

وقد اعتبر المشاركون في الدراسة (العينة الأولى) أن 27.6 % فقط من أصدقائهم على «فيسبوك» يمكن اعتبارهم أصدقاء حقيقيين (أي مقربين). ما يعني أن الأشخاص لا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لتوسيع دوائرهم الاجتماعية، إنما منع الصداقات من التدهور بمرور الوقت في غياب فرص التواصل وجهًا لوجه.

وذلك نظرًا إلى أن الأشخاص يجدون – بوجه عام – أن التفاعلات عبر الوسائط الرقمية (بما في ذلك الهاتف وكذلك الرسائل الفورية ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى القائمة على الكتابة/النصوص) أقل إرضاءً لهم مقارنة بالتفاعلات وجهًا لوجه.

وانتهت الدراسة إلى أننا نفشل في تمييز جودة العلاقات الاجتماعية المختلفة على الإنترنت؛ مما يخلق انطباعًا لدينا بأن الجميع «أصدقاؤنا» بما أن مواقع التواصل لا توفر تصنيفًا آخر لجهات الاتصال على مواقع التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك»، سوى أن يكونوا «أصدقاء».

على ما يبدو أن «رقم دنبار» قد صمد بعد ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، حتى إن الأرقام ما بين طرح النظرية في التسعينيات من القرن العشرين وعام 2016 لم تتغير كثيرًا عما طرحه «دنبار» قبلها بعشرات السنوات، رغم أن نظريته تظل محل جدل بين العلماء حتى الآن وهذا من طبيعة العلم.

تكنولوجيا

منذ 10 شهور
ليست ضارة دائمًا.. إيجابيات «السوشيال ميديا» التي قد نغفلها

المصادر

تحميل المزيد