«انزلي، انزلي، انزليييييي»

كان الفنان المصري ماجد المصري يصرخ مكررًا نفس الكلمة، وهو يدفع بقدمه ما يفترض أنهن ثلاث فتيات ركبن سيارته، أثناء استعادته لذكرى «مقلب» دبره له أحد أصدقائه، حين أخبره أن ثلاث معجبات يرغبن بلقاء خاص معه في الثانية فجرًا، هرع المصري لتلبية الموعد قبل أوانه، وحين جاءت الفتيات كانت الصدمة التي أثارت اشمئزازه قبل تصبح على ما يبدو مثار سخريته لسنوات، كن «أفارقة»، ولم ير ماجد المصري أنه بحاجة لأكثر من هذه الصفة – التي نطقها مذهولًا – لتفسير اشمئزازه منهن.

لسنا بصدد البحث في الأسباب التي تدفع بعض المصريين لوصف – وأحيانًا وصم – باقي أبناء قارتهم بالأفارقة، كأنما لا تنطبق عليهم الصفة ذاتها، لكننا فكرنا في الرجوع بالزمن أكثر من قرن كامل، لنبحث في حياة ممثل مصري آخر، وعما كان يعنيه له الانتماء الأفريقي، وماذا قدم من منطلقه. ذلكم هو الممثل والكاتب والناشط السياسي المصري، محمد علي دوسي.

عالمي في زمن ما قبل «الأوسكار»

لم يكن محمد علي فنانًا محليًا، وإنما بلغت شهرته آفاق أوروبا وأمريكا في عصره. كان قد ولد بالإسكندرية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1866 لأب مصري وأم سودانية، وعندما بلغ العاشرة أرسله والده إلى إنجلترا لدراسة الطب. وبعدها بسنوات انضم الأب عبد السلام علي، الذي كان ضابطًا بالجيش، إلى أحمد عرابي في ثورته، ليقضي نحبه في معركة التل الكبير عام 1882. عاد محمد وقتها إلى مصر بشكل مؤقت لتسوية التركة، ثم ذهب إلى لندن مرة أخرى لمتابعة دراسته في الكلية الملكية، وعندما أنهاها كان قد قرر التحوّل عن مجال الطب – الذي كان رغبة الوالد – إلى مجال الأدب والتمثيل، الذي اشتهر فيه باسم محمد علي دوسي.

انضم دوسي إلى فرقة «هربر تبيربوم تري» في مطلع القرن العشرين، وكانت الفرقة تؤدي مسرحية أنطونيو وكليوباترا على مسرح الأميرة الملكية بلندن، ثم سافر عبر الجزر البريطانية مواصلًا تقديم مسرحيات شكسبير. أنتج مسرحيتي عطيل وتاجر البندقية عام 1902، وأسس «جمعية شكسبير هيل» التي ضمت أهم ممثلي المسرح البريطاني، مثل السير هنري إيرفينغ. أنتج كذلك لمؤلفين آخرين مسرحيات؛ منها ليلة كليوباترا، وانتقام اليهودي، وزنبقة برمودا، وابنة يهوذا، لينتزع إعجاب الصحافة البريطانية في وقت كان يُتوقع فيه ألا يصبح أكثر من مجرد وافد أسود البشرة من مستعمرة بريطانية، قالت عنه صحيفة «الديلي تليغراف» ذات مرة إنه «ممثل ممتاز بجدارة»، وكان أول أجنبي يفوز بجوائز ملكية في الشعر والمسرح.

مقابر وحافلات منفصلة للسّود.. الوجه القبيح للعنصريّة في المجتمع التونسي

صوت القارة السمراء في بلاد الاستعمار

لم يكتف محمد علي بنشاطه الفني؛ ففي عام 1911 جمعه «مؤتمر الأعراق العالمي الأول» في لندن، بالصحافي جون إلدرد جونز، القادم من مستعمرة بريطانية أخرى، وهي سيراليون الواقعة في غرب أفريقيا، فاستعان به لإصدار صحيفة «أفريكان تايمز أند أورينت ريفيو African Times and Orient Review» عام 1912، والتي تبنت أفكار تيار الوحدة الأفريقية المناهض للاستعمار.

كانت الصحيفة تموّل من قبل عدد من الأفارقة الغربيين المقيمين في لندن، وتغطي قضايا في غرب أفريقيا وجنوبها ومصر والسودان والولايات المتحدة ودول الكاريبي. وبعد انتشارها أصبحت منتدى لأفارقة ومفكرين وناشطين آخرين حول العالم، وجذبت عددًا من المساهمين، أبرزهم الكاتب البريطاني الساخر جورج برنارد شو، والأديب هـ. ج. ويلز، وكان شعار الصحيفة «إن الشعوب الخاضعة للاستعمار الأوروبي بحاجة إلى صوت حر يدافع عنها في عاصمة أكبر إمبراطورية استعمارية في العالم، وإن لها حقوقًا وآمالًا يجب أن تتحقق».

صورة ضوئية لغلاف صحيفة «أفريكان تايمز أند أورينت ريفيو»

ترأس محمد علي دوسي تحرير الصحيفة طوال فترة صدورها، وكانت مقالاته التي تناولت الشؤون السياسية والاجتماعية للمستعمرات البريطانية تترجم وتنشر في دول مختلفة منها ألمانيا وفرنسا والنمسا وتركيا واليابان والهند ومصر.

لكنه توقف ورفاقه عن طباعة الصحيفة عام 1918 أثناء الحرب العالمية الأولى، بعدما حظرتها بريطانيا في مستعمراتها بالهند وأفريقيا، وعاد لإصدارها بعد الحرب باسم «أفريكان أند أورينت ريفيو» قبل أن يتم وقف طباعتها تمامًا عام 1920. وفي العام التالي غادر دوسي بريطانيا إلى الأبد، متجهًا إلى الولايات المتحدة، حيث نشط لفترة وجيزة مع حركة «الرابطة الزنجية العالمية»، وساهم بمقالات حول القضايا الأفريقية في مجلة «Negro World» التي كانت تصدرها الرابطة.

شرب من نيلها ولم ينس أن يغني لها

إلى جانب قضايا أفريقيا ومناهضة الاستعمار والعنصرية البيضاء بشكل عام؛ اهتم محمد علي دوسي بقضايا وطنه الأم مصر بشكل خاص، كان معجبًا بتجربة «الحزب الوطني» بقيادة الزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد. وذكر المؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي في كتاب له أن دوسي كان أحد خطباء حفل تكريم الزعيم محمد فريد في احتفال الشبيبة المصرية والسودانية به في لندن عام 1914.

وذكر المؤرخ جورج بادمور أيضًا أن صفحات صحيفة «أفريكان تايمز» امتلأت عام 1919 بتغطية أخبار الثورة المصرية المطالبة بالاستقلال؛ ما أدى إلى اتهام دوسي بمناصرة الزعيم المصري سعد زغلول وزيادة التضييق عليه. وفي عام 1927 استغل دوسي مكانته بين الحركات السياسية في أوروبا لإشراك زعماء «الحزب الوطني» في مؤتمر عالمي معادٍ للإمبريالية عُقد في بلجيكا، كما كتب في سيرته الذاتية عام 1937 عن صداقته مع مصطفى كامل ومحمد فريد أثناء فترات إقامتهما أو زيارتهما لأوروبا.

محمد علي دوسي

كانت مصر أيضًا هي موضوع الكتاب الوحيد الذي أصدره محمد علي دوسي في حياته، فحتى سيرته الذاتية كانت مجموعة من المقالات التي جُمعت في كتاب بعد وفاته، أما كتابه الوحيد فقد حمل عنون «في أرض الفراعنة»، كتبه دوسي عام 1911 بسبب تصريحات الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت التي أطلقها أثناء زيارته لمصر والسودان مؤيدًا الاحتلال البريطاني ومشككًا في حق وأهلية سكانهما للاستقلال، وهي التصريحات التي أغضبت «الحزب الوطني» في مصر ودفعته لإصدار بيان يفند تصريحات الرئيس الأمريكي وتنظيم مظاهرات ضده في الإسكندرية عند مغادرته للبلاد.

في نفس الوقت أخبر طلاب مصريون مقيمون في لندن دوسي بتلك الأحداث فثار وعكف على كتابه «في أرض الفراعنة: مختصر تاريخ مصر منذ سقوط الخديوي إسماعيل وحتى اغتيال بطرس باشا»، وهو الكتاب الذي دافع فيه عن الحركة العرابية، وقد قوبل الكتاب بترحيب غير متوقع من الصحافة البريطانية والأمريكية فكان سببًا في ذيوع شهرة «دوسي».

المسلم الأفريقي الذي ألهم العالم

القضايا الإسلامية أيضًا كانت حاضرة في نضال محمد علي؛ إذ أسس عام 1915 صندوق تبرعات لأيتام وأرامل الجنود الهنود المسلمين، وأسس «الجمعية الأنجلو-عثمانية» في لندن. وفي عام 1926 أسس «الجمعية الإسلامية العالمية»، واعتبر المؤرخون الأمريكيون أنه كان سببًا في دخول العديد من المثقفين والأدباء والفنانين الأمريكيين للإسلام، وكان بعضهم يغير اسمه عند إسلامه إلى محمد علي، ومنهم الملاكم كاسيوس كلاي الذي أسمى نفسه محمد علي كلاي.

اتسعت مظلة نضال دوسي لتشمل قضايا كافة الشعوب المستعمرة والملونة ضد غطرسة الرجل الأبيض، فكان ينشر في صحيفة «أفريكان تايمز أند أورينت ريفيو» مقالات عن الهنود والعرب والكاريبيين والهنود الحمر والأفارقة والصينيين. وجعل بيته مركزًا لتجمع النشطاء الأفارقة والآسيويين، وكان أول من دعا إلى التضامن الآسيوي الأفريقي قبل نصف قرن من «مؤتمر باندونج»، وقد تسببت أفكاره وآراؤه في منعه من دخول الولايات المتحدة عدة مرات، كما منعته بريطانيا من دخول بعض مستعمراتها، خاصة في غانا.

لكن البُعد الأفريقي ظل هو المحرك الرئيس والمركزي لمحمد علي دوسي، وبلغ الأمر أن وصفه كبير مؤرخي «حركة الوحدة الأفريقية» إيمانويل جيس: بأنه «كان من أعظم وأكثر قادة حركة الوحدة الأفريقية جلالًا على مسرح التاريخ». كان أحد أبرز شركاء كفاحه الزعيم الأفريقي ماركوس جارفي الذي جاء إلى لندن عام 1912 حيث تعرف على محمد علي دوسي وتتلمذ على يده وكتب في صحيفته، قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة عام 1915 ليؤسس «الرابطة الزنجية العالمية».

حينما سافر دوسي إلى الولايات المتحدة عام 1921 لحق بجارفي حيث عرّفه الأخير على فلسفة وفكر الزعيم الأفروأمريكي بوكر واشنطن، وفتح له صفحات مجلته ذائعة الصيت «نيجرو وورلد» لينشر فيها مقالاته، كما حصل دوسي على عضوية شرفية بالأكاديمية الأمريكية للسود، لكن الحكومة الأمريكية لم تلبث أن زجت بجارفي في السجن عام 1925 قبل أن تنفيه إلى جامايكا عام 1927، فساءت أحوال محمد علي دوسي أيضًا، ليرتحل مرة أخرى، وكانت محطته القادمة في نيجيريا.

في غرب أفريقيا استراح المحارب أخيرًا

رغم أن دوسي حين عاد إلى القارة السمراء كان قد جاوز الستين من عمره، إلا أن حماسه لقضايا شعوبها لم يفتر، فأسس تعاونية زراعية للمطالبة بحقوق المزارعين، وبنكًا تجاريًا زراعيًا لدعمهم وتمكينهم من تصدير محاصيلهم، إلى أن استقر بشكل نهائي في العاصمة النيجيرية لاجوس عام 1931، حيث عاد مجددًا إلى مهنتيه المفضلتين: التمثيل والصحافة.

عاد محمد علي إلى المسرح من خلال مسرحية «ابنة الفرعون» التي أنتجها عام 1931، وفي السنة نفسها تولى تحرير صحيفة «ديلي تلجراف» النيجيرية وخُصص له عمود مقالات في صحيفة «ديلي تايمز»، قبل أن يؤسس صحيفة جديدة عام 1933 باسم «ذا كومت The Comet»، والتي قال عنها الدكتور كالوايزرا في كتاب: «التقدم الدستوري في نيجيريا» إنها كانت «أقوى المجلات تأثيرًا وأكثرها شعبية في غرب أفريقيا خلال الفترة ما بين الحربين العالميتين»، وقد ضمت المجلة كُتابًا من جميع الأطياف السياسية، كما تعرضت للمصادرة من قبل الحكومة الاستعمارية حين أيدت الإضراب الكبير للعمال عام 1945، وفي هذه المجلة أيضًا كتب دوسي مذكراته.

أثناء إقامته في نيجيريا توطدت العلاقة بين محمد علي دوسي وبين الزعيم النيجيري نامدي أزيكيوي، ولذا كان آخر حدث سياسي هام في حياة دوسي هو رئاسته للاجتماع التاريخي الذي عقد في أغسطس (آب) 1944 ونتج عنه تأسيس «حزب المجلس الوطني لنيجيريا والكاميرون (NCNC)»، وهو الحزب الذي قاده أزيكيوي للفوز بالانتخابات التشريعية، قبل أن يصبح بفضله أول رئيس لنيجيريا بعد استقلالها، لكن الحظ لم يسعف دوسي ليشهد استقلال موطنه الأصلي مصر، ولا موطنه الأخير نيجيريا.

توفي محمد علي دوسي في 25 يونيو (حزيران) 1945 بعد معاناة مع المرض، وسار في جنازته آلاف النيجيريين. وقد وصفت الصحف الجنازة بأنها وحدت نيجيريا، إذ سار فيها المسلمون والمسيحيون وأعضاء الأحزاب المتناحرة والمثقفون والبسطاء، وتشير موسوعة «إنكيلوبيديا أفريكان» إلى أنها ستضع اسمه في سجل أعلام كُتّاب نيجيريا، الذي تعتزم الموسوعة من خلاله التأريخ لحياة أهم الكتاب المحليين والإقليميين الذين عاشوا في نيجيريا.

«الأفارقة في مصر».. القصة الممنوعة من النشر دائمًا!

المصادر

تحميل المزيد