خلال الشهر الماضي، أعلنت عدة متاجر شهيرة، في الولايات المتحدة الأمريكية، عزمها إغلاق عدد كبير من فروعها المنتشرة حول العالم، ولم يكن هذا القرار بعيدًا عن أوروبا، التي أعلن عدد من متاجرها كذلك تخفيض عدد العاملين بها، جراء إغلاق عدد من منافذ التوزيع لديها. في المقابل، وفي نفس التوقيت، أعلن موقع البيع عن طريق الإنترنت «أمازون» أنه يشهد نموًا سنويًا شبه قياسي، يصل هذا العام إلى 20٪، ومن المتوقع أن يزيد في الأعوام القادمة، وهو نمو لم يكن غائبًا عن منصات بيع أخرى شهيرة، مثل «إي باي» و«علي بابا».

شهد الإنترنت في العامين الماضيين نموًا مطردًا وغير مسبوق، في مجال التجارة عبر الإنترنت. ويصف بعض المدونين والمتخصصين في مجالات تكنولوجيا المعلومات هذا النمو بأنه يشبه الفترة التي ظهر فيها الإنترنت في التسعينات. حيث اكتشف الجميع أنهم يمتلكون قوة هائلة، يمكنها أن تغير كيفية إدارة الأعمال حول العالم. المتاجر الكبرى التي ظلت لسنوات طويلة تمارس عملها بشكل مستقر، وتبني علاقات وثيقة مع عملائها، أصبحت نماذج أعمالها مهددة في يوم وليلة بالتقنية الحديثة، وبات عليها التأقلم مع هذه التقنيات؛ لتلبي رغبات العملاء، أو الخروج تمامًا من اللعبة، كما حدث مع سلسلة متاجر «راديو شاك» العالمية، التي أعلنت إفلاسها العام الماضي.

نماذج الأعمال القديمة لم تعد صالحة بعد الآن

بدأ التطور الحاصل في تقنيات التسوق عبر الإنترنت في العامين الماضيين، على عدة قطاعات، مثل التصنيع والشحن والخدمات اللوجستية، يهدد عروش نماذج أعمال الكيانات الضخمة المستقرة، منذ سنوات طويلة للغاية. ومازال على المتاجر الكبرى التعامل مع عدد كبير من منافذ التوزيع، والتكلفة العالية لإنشاء وإدارة هذه المنافذ، بالإضافة الى رواتب العاملين بها. في المقابل يمكن لأي شخص، يمتلك اتصالًا بالإنترنت، أن يقوم بشراء منتجات من على الإنترنت، وبيعها كذلك من خلاله، دون أن يملس أو يشاهد البضاعة التي يقوم بشرائها وبيعها.

وأصبح عدد كبير من الشركات والمنصات على الشبكة متخصصة في خدمة صغار البائعين، فتتيح منصة «ويكس» على سبيل المثال لصغار البائعين إنشاء وتصميم متجرهم الإلكتروني، دون الحاجة إلى متخصصين في هذا المجال، ولدى «أمازون» برنامج متخصص لصغار البائعين يدعى «برنامج الاستيفاء»، وهو برنامج يُمكن صغار البائعين من إرسال البضائع إلى أمازون، في المقابل يتولى أمازون بشكل كامل الخدمات اللوجستية، مثل الشحن والتوصيل والتعامل مع البضائع المسترجعة، في مقابل الحصول على عمولة من عمليات البيع، تصل في بعض الأحيان الى 2٪ فقط.

هذه الثورة ليست بعيدة بالطبع عن الشرق الأوسط؛ فوفقًا للإحصاءات تشهد المنطقة أكبر نمو في معدلات الشراء عبر الإنترنت، وثقة العملاء في التعاملات المالية، ونقل الأموال عبر الإنترنت في العالم العربي تزيد مع الوقت، ولم يكن لدى المواطن العربي، في بداية ظهور المتاجر الإلكترونية في المنطقة، أية ثقة في الشراء من خلال البطاقة الائتمانية، أو تحويل الأموال عبر الإنترنت إلى البائعين. ويشير النمو الملحوظ هذا العام، في مبيعات عدد من المواقع العربية، إلى أن الثقة في المعاملات الإلكترونية بدأت تزيد تدريجيًا. يتزامن هذا مع جهود عدة شركات؛ لتسهيل عمليات الشحن في العالم العربي، وهو ما دفع عددًا من صغار البائعين للبدء في نقل عملياتهم من أرض الواقع إلى الإنترنت.

الخصوصية تهدد خطوط الإنتاج

ربما لم يكن أحد يدرك أن التقاطع بين شبكات التواصل الاجتماعي والتجارة الإلكترونية سيكون كبيرًا إلى هذا الحد، وأصبحت تجربة التسوق مع الوقت تجربة تفاعلية في المقام الأول. وأصبحت خصوصية المنتجات على رأس أولويات العملاء حول العالم. فقامت شركتا «فيسبوك» و«إنستجرام» على سبيل المثال بتضمين تقنية جديدة، تسمح للمستخدمين بالشراء من خلال الموقعين. هذا يعني أن قرار الشراء أصبح جزء من تفاعل العملاء على منصات التواصل الاجتماعي، وليس عملية منفصلة بذاتها.

وأصبحت الشركات الكبرى المصنعة لمنتجات متشابهة، وتقوم بتوزيعها حول العالم، من خلال خطوط إنتاج ضخمة، تجد صعوبة شديدة في مواكبة هذا التطور، خاصة أنه من الصعب التواصل بشكل مباشر، ومنفرد مع كل عميل من عملائها. هذه الثغرة أتاحت الفرصة لصغار المصنعين والتجار، لاستغلال شبكات التواصل الاجتماعي في بناء تجربة اجتماعية تفاعلية مع العملاء، تجربة أكثر خصوصية وتميزًا، من خلال تقنيات بسيطة للغاية، مثل إرسال رسائل خاصة للعملاء، والتحدث معهم بشكل مباشر عن رغباتهم، ومحاولة تلبيتها على مستوى شخصي ومحلي للغاية. وتشير الأرقام إلى أن العملاء حول العالم مستعدون لدفع مبلغ أكبر من المال؛ للحصول على منتج نظير أن تكون عملية الشراء أكثر خصوصية وتميزًا.

مستقبل العشر سنوات القادمة

ما زال التحدي الأكبر الذي يواجه صناعة التجارة الإلكترونية حول العالم هو: توصيل المنتجات في أقل وقت ممكن. ربما يكون هذا هو السبب الوحيد الذي يجعل الكثير من المتاجر الواقعية ما زالت تفتح أبوابها للزبائن حتى الآن، حيث تتميز المتاجر التقليدية عن المتاجر الإلكترونية بإمكانية أن يحصل العميل على المنتج في نفس الوقت. فشركة «زلاندو» الأوروبية، وهي منصة تسيطر على تجارة الملابس عبر الإنترنت في أوروبا، أعلنت عن خطة عشرية استنفرت فيها الشركة كل مواردها الممكنة، لتقليص مدة شحن البضاعة لتصل إلى العملاء في نفس اليوم. ويقول مؤسس الشركة أن العشر سنوات القادمة ستشهد الإجابة على سؤال رئيس: هل تستطيع شركات التجارة عبر الإنترنت إيصال المنتجات لعملائها في وقت أسرع أم لا؟

 

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد