سامي كوهين يكتب: أينما وُجِدَ فراغ سياسي واضطرابات وصراعات داخلية تجد تنظيم داعش يسارع إلى ملء هذا الفراغ، ليس فقط في سوريا والعراق، وآخر مثال على هذه الإستراتيجية التي يتبعها داعش، نراه في ليبيا.

وها هي حادثة خطف 21 قبطيًا مصريًا من قبل داعش، وقتلهم بطريقة بشعة، وجاء الرد المصري على هذه الجريمة بشن طائراته الحربية ضربات جوية على مواقع التنظيم في ليبيا، وهي الحادثة التي أثبتت تواجد داعش بفعالية في أفريقيا الشمالية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو:

لماذا خطف تنظيم داعش المصريين؟ ومن ثَمَّ قتلهم بهذه الطريقة البشعة؟ وماذا كان يعمل هؤلاء المصريون في ليبيا؟

في الحقيقة، إن الكثير من المصريين يتواجدون في ليبيا بقصد العمل، ومن بينهم طبعًا المسيحيون الأقباط، وقد اختارهم التنظيم كونهم مسيحيين يتبعون للغرب، وبهذا التوجه أجرم في حقهم، وهو ما يفعله دائمًا في كل الدول التي ينشط فيها، ويهدف من وراء ذلك إلى زرع الخوف والرهبة في قلوب الشعب والدولة، وبالإضافة إلى إظهار وجوده أمام العالم والتمدد الذي وصل إليه.

وبالفعل لم يكن أحد يتوقع أن يصل تمدد وقوة تنظيم داعش إلى شمال أفريقيا؛ حيث أنه كان منهمكًا منذ فترة وإلى الآن في معاركه مع الأكراد والجيش الحر، وقد قصف من قبل قوات التحالف الدولي على مواقعه في سوريا والعراق، أي أن تمدده قد وصل من اليمن إلى البحر الأحمر وليبيا وشمال أفريقيا وبالتالي إلى البحر الأبيض المتوسط.

والكثير منا كان ينتظر من الشعب العربي قطف ثمار ربيعه العربي، ولكن انظروا إلى ما حصل، فقد امتلأت المنطقة بالفوضى وفراغ السلطة وسالت الدماء ورافقتها الدموع على الوضع المأساوي الذي غرقت فيه المنطقة.

وأكثر مَن استفاد مِن هذا الوضع وهذه البيئة هو تنظيم داعش؛ فقد كانت الفرصة التي كانت تنتظرها الجماعات المتطرفة سانحة، وأظهر داعش براعته في استغلال الوضع لصالح تحقيق أهدافه، بعد أن نجح في سوريا والعراق واليمن؛ الآن ينشط في ليبيا، وهو ما زال يمارس نشاطاته الإرهابية من أفغانستان إلى الجزائر، وبنفس الطريقة.

ومن العوامل التي تسهل الانتشار السريع لهذا التنظيم: إنشاء مناطق تتمتع بحكم شبه ذاتي في كل منطقة يسيطرون عليها، وهذه المناطق، التي توجد في اليمن وليبيا مثلًا، ترتبط بشكل مباشر مع مركز قيادتها، مع تمتعها بحرية التحرك والتصرف بشرط التقيد بالإستراتيجية والأيديولوجيا التي تسير عليها داعش.

إذًا هذا الصراع الحالي الذي يدور في مصر وليبيا هو من طليعة الخطط المرسومة، وهو مؤشر على ما تعتمده داعش في تحقيق مصالحها، في بدايات الربيع العربي، ومن ليبيا في عام 2011، أدت الانتفاضة الشعبية إلى الإطاحة بنظام القذافي، ولكنها من جهة أخرى أدت إلى الدخول في صراعات واضطرابات، وشرعت الفصائل المسلحة في الدخول في صراع عنيف على السلطة.

والنتيجة أن اختل توازن القوى في الدولة، وبدلًا من تشكيل حكومة مستقلة ومشروعة بإدارة الحكم، سيطرت قوات المعارضة على مدينة طبرق، وأما التنظيمات المتطرفة فسيطرت على مدينة درنة.

وفي ظل هذه الفوضى والفراغ الحاصل، استفاد داعش من هذه البيئة، وهو حاليًا ينشط في ثلاث جهات في ليبيا جنوبًا وشرقًا وشمالًا، وقد أنشأ ولايات تتبعه، وليبيا مثال على أسلوب داعش التوسعي.

صحيفة ميليات

عرض التعليقات
تحميل المزيد