يذهب العراقيون غدا الأحد 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، إلى مراكز الاقتراع للتصويت على الانتخابات البرلمانية العراقية المبكرة، التي ستُجرى قبل موعدها الاساسي في أبريل (نيسان) 2022، وذلك بعد موجة احتجاجية هائلة بدأت في أكتوبر واستمرت بشكل متقطع لمدة عامين.

خرج مئات الآلاف من الشباب العراقي إلى الشوارع في العاصمة العراقية بغداد، والمحافظات الجنوبية ذات الاغلبية الشيعية في أكتوبر عام 2019 للمطالبة بحياة افضل، والتخلص من الطبقة السياسية الحاكمة بكل مساوئها وفسادها، والعمل على تقديم خدمات عامة عادلة لجموع العراقيين، والسيطرة على عمل الفصائل المسلحة الشيعية التي تعمل خارج إطار الدولة والقانون.

خلفت هذه المظاهرات الغاضبة أو ما يعرف بـ«حركة تشرين»، مئات الضحايا والقتلى، في اشتباكات عنيفة مع القوات الامنية، واستمرت موجة العنف تجاه النشطاء والصحافيين إلى ما بعد انتهاء الموجة الاحتجاجية.

 

الانتخابات البرلمانية العراقية المبكرة، وتشريع قانون انتخابي جديد، يضمن للأحزاب الصغيرة والمستقلين المنافسة العادلة في الانتخابات التشريعية، كانت من ضمن طلبات «حركة تشرين» الاحتجاجية، بالإضافة إلى استقالة رئيس الوزراء آنذاك عادل عبد المهدي.

لم تسفر الحركة الاحتجاجية في أكتوبر 2019، عن نتائج مرضية لجموع المحتجين، لكنها استطاعت انتزاع تشريع القانون الانتخابي الجديد، وإجراء انتخابات مبكرة لأول مرة في التاريخ السياسي للعراق منذ الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، وإطاحة نظام الرئيس الديكتاتور صدام حسين، كذلك أجبرت الاحتجاجات العارمة رئيس الوزراء العراقي السابق، عادل عبد المهدي على الاستقالة في نهاية عام 2019.

يقول الباحث السياسي العراقي، أحمد منتظر لـ«ساسة بوست»: «لم تكن الانتخابات المبكرة وقانون الانتخاب أهداف الحركة الاحتجاجية فقط، التي استطاعت في وقت من الأوقات هز الطبقة السياسية الحاكمة، لكن تشتت الاحتجاجات وانحصارها، فقدانها الشعبية والزخم الذي أحاط بها في البداية، جعلها غير قادرة على استكمال باقي مطالبها».

في كل الأحوال، انتهى الحديث عن الاحتجاج الآن، ولا شيئا أهم من الانتخابات البرلمانية التي ستُجرى في الساعات المقبلة، والتى تأتي في وقت عصيب يمر به العراق، الذي يعاني من أزمات اقتصادية ناتجة عن انخفاض أسعار النفط، وتفشي فيروس كورونا.

وعلى مدار الأسابيع الماضية، امتلأت شوارع العاصمة العراقية بغداد، والمحافظات العراقية الثمانية عشر، بصور ولافتات الدعاية الانتخابية لجميع الأحزاب السياسية التي تتنافس في هذا السباق الانتخابي. السطور القادمة تستعرض اهم وابرز المتنافسين في استفتاء يوم غدٍ الأحد.

المتنافسون الشيعة.. تتغير الوجوه ولا يتغير الانتماء!

على مدى السنوات الماضية، وبعد انهيار نظام البعث برئاسة صدام حسين، الذي عمل على حكم البلاد بشكل منفرد، استطاعت الأحزاب الشيعية العراقية، السيطرة على المشهد السياسي العراقي بعد عقود من الحرمان من العمل السياسي، ومنذ عام 2005، استمرت الأحزاب التقليدية الشيعية نفسها في الهيمنة على الانتخابات البرلمانية، حيث تتغير الوجوه ولا تتغير الأيديولوجيات والانتماءات.

1- مقتدى الصدر وحلم السيطرة على الحكومة القادمة

يترأس رجل الدين الشيعي والسياسي المثير للجدل، مقتدى الصدر، واحدًا من أهم الأحزاب والتيارات السياسية الشيعية التي تسيطر على السياسة العراقية فيما بعد عام 2003. ففي الانتخابات البرلمانية السابقة لعام 2018، استطاع تحالف «سائرون»، التابع للتيار الصدري، الفوز بـ58 مقعدًا من مقاعد البرلمان البالغ عددها 329 مقعدًا، ليصبح عاملًا مؤثرًا في اختيار رئيس الوزراء العراقي، المنصب الذي ضمنه المكون الشيعي لنفسه منذ عام 2005، وتشكيل الحكومة العراقية.

لمقتدى الصدر ملايين الأتباع المخلصين، فيما تمتد ذراعه داخل المؤسسات والوزارات الحكومية المهمة، بالإضافة إلى امتلاكه واحدًا من أكبر وأهم الفصائل الشيعية المسلحة في العراق: «سرايا السلام». وقبل حوالي شهرين من الآن، وبشكل مباغت، أعلن مقتدى الصدر أنه لن يخوض الانتخابات البرلمانية في 10 أكتوبر 2021، وهو الأمر نفسه الذي فعله في انتخابات عام 2018.

جاء هذا الإعلان المفاجئ – وربما غير المفاجئ للبعض – بعد حريق هائل في مستشفى الحسين الجامعي بمدينة الناصرية جنوب العراق، لكن ما علاقة الصدر بهذا الحريق؟ بالطبع علاقته مباشرة ووثيقة، لأن مسئولي التيار الصدري يسيطرون سيطرة كاملة على وزارة الصحة؛ مما فتح الباب أمام أعداء الصدر، لاتهامه وأنصاره بالفساد.

يقول مسئول في الحكومة العراقية الحالية، لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته: «كان الجميع يعلم أن الصدر غير جدي في الانسحاب من الانتخابات، فعل هذا الأمر فقط لاختبار ولاء أتباعه بعد حادثة مستشفى الحسين»، وهو ما قد كان؛ فقد تراجع مقتدى الصدر عن إعلان انسحابه من المنافسة في الانتخابات البرلمانية المبكرة، وعاد مرشحو تياره بقوة من خلال الدعايات الانتخابية والظهور في البرامج التلفزيونية كل ليلة.

يعد الدور الذي يلعبه مقتدى الصدر في السياسية العراقية غريبًا للغاية، تارة يظهر بمظهر السياسي الإصلاحي، الذي يريد إصلاح النظام السياسي العراقي، المناهض لفساد النخب السياسية الشيعية، والذي يرفض كافة أشكال التدخل الأجنبي في بلاده.

وتارة أخرى، تجده يعقد التحالفات مع القوى السياسية نفسها التي كان ينتقدها، ويتبني خطاب القوى الاجنبية التي رفض تدخلها من قبل. فعلى سبيل المثال، كان الصدر يحاول دائمًا ان يظهر بمظهر الخارج عن طوع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكن في كثير من الأحيان وخاصة بعد اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في بغداد، بواسطة هجوم طائرة أمريكية بدون طيار مطلع عام 2020، تبنى الصدر اللهجة الإيرانية الغاضبة، وطالب بخروج القوات الأمريكية من بلاده، على غرار الزعيم الاعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي.

من ضمن التناقضات التي اشتهر بها مقتدى الصدر، على سبيل المثال لا الحصر، تحالفه مع الحزب الشيوعي العراقي في الانتخابات البرلمانية عام 2018، ثم ابتعاده عنهم بعد الفوز في الانتخابات، وعقده التحالفات مع الفصائل السياسية المقربة لإيران. وفي مظاهرات أكتوبر 2019 المناهضة للحكومة، أعلن تأييده للحركة الاحتجاجية، بل أمر أتباعه بالنزول للتظاهر إلى جانب الشباب الغاضب، ثم فجأة انقلب عليهم واتهمهم بالفجور، وسلط أتباعه على تخريب الاعتصامات، وحرق مخيمات المتظاهرين، للتخلص من احتجاجاتهم.

كل ما سبق لا ينفي الدور المهم والمؤثر الذي يلعبه التيار الصدري في السياسة العراقية، فقاعدته الجماهيرية، وقدرته على حشد أتباعه مكنته من الفوز السهل في كافة الدورات البرلمانية السابقة، وهذا متوقع أيضًا في انتخابات يوم غد الأحد.

يقول الباحث السياسي العراقي أحمد منتظر في حديثه لـ«ساسة بوست»: «من المتوقع أن يحصد التيار الصدري عددًا كبيرًا من المقاعد البرلمانية في انتخابات يوم الأحد، وسيكون له دور هائل في تشكيل الحكومة المقبلة، مستفيدًا من قانون الانتخابات الجديد».

تجدر الإشارة إلى قانون الانتخاب الجديد، والذي سعى النواب عن التيار الصدري في البرلمان الحالي للتصديق عليه نظرًا لأنه يسهل عليهم الفوز في انتخابات 10 أكتوبر 2021، قسم الدوائر الانتخابية في العراق إلى دوائر صغيرة يبلغ عددها 83 بدلًا عن 18 دائرة، كما أعطى فرصة أكبر للأحزاب الصغيرة، والمستقلين، في المنافسة مع الأحزاب الكبيرة.

يقول السيد منتظر لـ«ساسة بوست»: «في القانون الجديد للانتخاب ستُعطى فرصة كبيرة للتصويت للأفراد بدلًا عن نظام التصويت على قوائم الأحزاب؛ مما يعطي التيار الصدري إمكانية أكبر للفوز بمقاعد أكثر، نظرًا لامتلاكه قاعدة مؤيدين كبيرة في كافة الدوائر، وقدرته على الوصول إلى بيانات الناخبين»، على حد تعبيره.

يرى السيد منتظر أن قانون الانتخاب الجديد لم يقف ضد هيمنة الأحزاب الكبيرة التقليدية، لأنها تستطيع بسهولة التكيف معه، فيقول: «الأحزاب السياسية الكبيرة المهيمنة على المشهد السياسي منذ سنوات، تمتلك الكثير من الموارد المالية، والإعلامية، ولديها نفوذ داخل المؤسسات الحكومية، مما يمكنها من التعامل مع القانون الجديد وترشيح عدد أكبر من المرشحين في مختلف الدوائر».

يتوقع الكثير من المحللين والمراقبين للانتخابات البرلمانية العراقية، أن يشكل التيار الصدري الكتلة البرلمانية الأكبر، والتي ستمكنه من اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة المستقبلية.

تجدر الأشارة هنا إلى أنه وفقًا للدستور العراقي لعام 2005، فإن التيار/الحزب أو الائتلاف الانتخابي الذي سيفوز بعدد مقاعد يتخطى 100 مقعد، يكون بذلك أكبر كتلة برلمانية ويحق له اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، وفى حالة لم يستطع أي حزب أو تيار الحصول على هذا العدد من المقاعد، فبإمكانه عقد تحالف داخل البرلمان مع التيارات والأحزاب الأخرى، لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر.

على جانب آخر دأب مرشحو التيار الصدري في الأسابيع الأخيرة على القول خلال الدعاية الانتخابية إنهم سيفوزون بـ100 مقعد في البرلمان الجديد. يقول ستار جبار النائب البرلماني عن تحالف «سائرون» التابع للتيار الصدري في البرلمان، في حديثه لـ«ساسة بوست»: «نستطيع الفوز بـ100 مقعد، ستكون الكتلة الاكبر في البرلمان القادم إن شاء الله، الناس تريد أن تكون الحكومة المقبلة حكومة صدرية بامتياز».

ويطمح التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من خلال الانتخابات البرلمانية المبكرة، السيطرة على الحكومة المقبلة، ففي 30 سبتمبر (أيلول) الفائت، تعهد ائتلاف «سائرون» التابع للتيار الصدري من أمام منزل زعيمهم في مدينة الكوفة، بتنفيذ برنامج إصلاحي مدته ثلاث سنوات في حالة فوز التيار بمنصب رئيس الوزراء.

يقول السيد جبار «برنامج الإصلاح التابع للتيار الصدري، يتضمن بناء المدارس والمستشفيات، وإتاحة الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين، وحصر السلاح المنفلت، وإعادة القطاع الصناعي إلى العمل مرة اخرى».

يعلق الباحث السياسي أحمد منتظر على هذا الأمر في حديثه لـ«ساسة بوست»، قائلًا: «التيار الصدري قادر على الفوز بأكبر عدد مقاعد، لكن في الوقت نفسه، حديثه عن الإصلاح مجرد هراء، فهم يسيطرون على عدد كبير من الوزارات والمؤسسات الحكومية، ولم نجد أي إصلاح بها».

2- نوري المالكي وحلم الزعامة المتجدد

كعادة كل الانتخابات البرلمانية، ينافس ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في انتخابات يوم غد الأحد، ويمكن القول بأنه الخصم الشرس لمقتدى الصدر، في هذه الانتخابات المبكرة. يرواد نوري المالكي حلم الزعامة مرة أخرى، بعد أن تولى منصب رئاسة الوزراء لفترتين من الممكن وصفهما بـ«أسوأ حكومتين للعراق»، ففي عهده انهار الجيش العراقي في دقائق معدودة أمام مقاتلي «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» الذي اجتاح أكبر مدن العراق؛ مدينة الموصل في صيف عام 2014.

يقول سياسي شيعي مخضرم لـ«ساسة بوست»: «انهار رأس المال السياسي للمالكي بعد عام 2014، لكنه ما زال راغبًا في العودة لرئاسة الحكومة مرة أخرى، ويرى أن الوضع الراهن، وما يشهده العراق من احتجاجات وصراع بين الكاظمي والفصائل المسلحة، يمهد الطريق لعودته».

Embed from Getty Images

في الانتخابات البرلمانية السابقة عام 2018، استطاع ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي الحصول على 25 مقعدًا، مما يجعله فاعلًا مؤثرًا في السياسية العراقية، يقول السيد منتظر لـ«ساسة بوست»: «بالطبع، يرحب المتشددون الشيعة برئاسة المالكي للحكومة، فهو يحظى بدعم إيراني ودعم بعض الفصائل المسلحة الشيعية المقربة من طهران، كما أن لديه تأثيرًا واسع النطاق داخل النخب السياسية الشيعية، لكن الشارع سيرفضه».

لا يستطيع ائتلاف دولة القانون بقيادة المالكي الفوز بأكبر كتلة برلمانية لتسمية رئيس الوزراء الجديد، لكن يمكنه التحالف مع الأحزاب الشيعية الأخرى داخل البرلمان والتى تربطها علاقة وثيقة بالمالكي منذ سنوات طويلة.

وفي هذا السياق يقول سياسي شيعي بارز في حديثه لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته: «تحالف المالكي مع الفصائل المسلحة المقربة من إيران، داخل البرلمان بعد الانتخابات، من الممكن أن يعطيه فرصة كبيرة للعودة لرئاسة الحكومة مرة ثالثة، لكن هذا الأمر صعب لرفض الصدر هذا الأمر، مما سيعرض البلاد لصراع سياسي مسلح، نحن في غنى عنه».

3- تحالف العبادي والحكيم والرهان على مدنية الدولة

فى مقابل الأحزاب الشيعية المتشددة، يظهر رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي الذي يتزعم ائتلاف النصر، الذي خاض انتخابات عام 2018 وحصل على 42 مقعدًا، بجانب عمار الحكيم، زعيم حركة الحكمة والذي استطاع الحصول على 19 مقعدًا في الانتخابات السابقة، جنبًا إلى جنب لتشكيل تحالف أطلق عليه اسم «القوى الوطنية للدولة»، وهي تحالف مدني علماني يدعو إلى حماية الدولة المدنية، والابتعاد عن الطائفية والمذهبية.

وقد عُرف هذا الثنائي بأنهما معتدلان في السياسية العراقية، وبعيدان كل البعد عن الطائفية المسيطرة على باقي الأحزاب الشيعية، فعمار الحكيم رجل دين شيعي، ينتمي لعائلة شيعية عريقة، وهو حفيد آية الله العظمى محسن الحكيم الذي كان المرجع الديني الأعلى في العراق، ووالده عبد العزيز الحكيم الذي شغل منصب رئيس مجلس الحكم العراقي في عام 2003.

وبالنسبة لحيدر العبادي، فهو السياسي المعروف دائما بتحالفاته السياسية مع الأكراد والسنة، والذي شهدت فترة ولايته للحكومة انتصار العراق على تنظيم «داعش»، هذا الإرث الهائل لكل من العبادي والحكيم يشكل قوة رئيسة فاعلة في السياسية العراقية.

يخوض تحالف القوى الوطنية للدولة الانتخابات البرلمانية يوم غدٍ الأحد، بالتحالف مع بعض الحركات السياسية الشابة الناشئة من حركة «تشرين الاحتجاجية»، في رهان على كسب أصوات الناخبين المعارضين للنخب السياسية التقليدية المهيمنة على المشهد السياسي منذ عام 2003.

يقول الباحث السياسي أحمد منتظر لـ«ساسة بوست»: «يتمتع كل من العبادي والحكيم بمصداقية لدى الأكراد والسنة، نظرًا لابتعادهما عن الطائفية، والصراع المذهبي على السلطة، كما أن تأييدهم للاحتجاجات والمتظاهرين والتحالف معهم ودعمهم في الانتخابات المقبلة، يوفر لهم تأمين عدد لا بأس به من الأصوات في مواجهة تحالف فتح أو ائتلاف دولة القانون على سبيل المثال».

4- وأخيرًا الفصائل المسلحة الشيعية والرغبة في استمرار النفوذ

بعد الانتصار على تنظيم «داعش» عام 2017، بمشاركة قوات الحشد الشعبي، الذي تأسس في عام 2014، لمواجهة مقاتلي التنظيم، قررت الفصائل المسلحة المقربة من إيران داخل هيئة الحشد الشعبي المشاركة في العملية السياسية العراقية، فترشحت في الانتخابات البرلمانية عام 2018، ضمن «تحالف فتح» بزعامة هادي العامري رئيس منظمة بدر، أحد أكبر وأقدم الفصائل المسلحة الشيعية في العراق، والمقرب من الجمهورية الإسلامية.

في ذلك الوقت، وبينما كان العراقيون يعاملون الفصائل المسلحة العراقية معاملة الأبطال، فاز «تحالف فتح» في انتخابات 2018 بـ48 مقعدًا، وشكل تحالفه مع تحالف «سائرون» التابع للتيار الصدري، أكبر كتلة برلمانية، وكانت له الكلمة الفصل في اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة.

لكن الأمور تغيرت الآن كثيراً، واصبحت هذه الفصائل الشيعية المسلحة، متورطة في قتل المتظاهرين أثناء احتجاجات أكتوبر 2019، وحملات اغتيال موسعة للنشطاء والصحافيين، مفلتين من العقاب في كل مرة، ولا يمكن إخضاعها للمساءلة بأي شكل من الأشكال.

يقول السيد منتظر لـ«ساسة بوست»: «في هذه الانتخابات لن يفوز تحالف فتح المتحالف مع الفصائل المسلحة الموالية لإيران بعدد كبير من المقاعد البرلمانية، لكن هذا لا يعني خسارته الانتخابات، فهو يمتلك السلاح والمال الكافيين لتأمين عدد معقول من الأصوات، لكنه سيضطر للتحالف مع التيار الصدري مرة أخرى».

فى الآونة الأخيرة، وفي خلاف على اختيار رئيس الوزراء المقبل قبل الانتخابات البرلمانية، رفض هادي العامري و«عصائب أهل الحق» و«النجباء» (وهما من أكبر الفصائل المسلحة الشيعية المقربة من إيران)، منح رئيس الوزراء العراقي الحالي مصطفى الكاظمي الذي تولى منصبه في مايو (أيار) 2020، فترة ولاية ثانية.

فأسفر هذا الانقسام، عن خوض كتائب حزب الله العرقي، الفصيل المسلح المقرب من إيران، للانتخابات بشكل جديد، بعيدًا عن تحالف فتح، وأسس الفصيل ما يسمى بحركة «حقوق». يقول قائد في كتائب حزب الله العراقي لـ«ساسة بوست»: «فضلنا خوض الانتخابات بشكل مستقل، لحدوث الكثير من الخلافات بين الفصائل في تحالف فتح، فحركة حقوق تضم دماء شابة جديدة، وتستطيع المنافسة في المرحلة السياسية الجديدة».

 

تضم القائمة الانتخابية لحركة حقوق التابعة لفصيل كتائب حزب الله العرقي بزعامة حسين مؤنس، 32 مرشحًا، يتنافسون مع مرشحي ائتلاف دولة القانون وتحالف فتح في المحافظات ذات الأغلبية الشيعية.

الخنجر vs الحلبوسي: الصراع السني على رئاسة البرلمان

في الانتخابات المقرر إجراؤها يوم غد الأحد 10 أكتوبر 2021، تتنافس ثلاثة أحزاب سنية على منصب رئيس البرلمان، المخصص للطائفة السنية العراقية، وهم: «تحالف تقدم» بزعامة رئيس البرلمان الحالي، محمد الحلبوسي، و«تحالف عزم» بقيادة رجل الأعمال السني الشهير خميس الخنجر، و«جبهة الإنقاذ الوطني والتنمية» بزعامة رئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي.

في الآونة الأخيرة، ازداد الصراع بين الحلبوسي والخنجر بسبب الانتخابات، إذ اتهم الحلبوسي خميس الخنجر الذي يخوض الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى، ببيع أراضي المحافظات السنية، وبادله الخنجر الاتهام بأنه لن يحقق أي مطلب من مطالب العراقيين السنة في مقابل الحفاظ على منصبه رئيس للبرلمان.

Embed from Getty Images

يقول الصحافي العراقي المستقل إحسان (طلب عدم ذكر اسمه بالكامل) لـ«ساسة بوست»: «يزداد الصراع بين جبهة التقدم وجبهة العزم، خاصة في محاولة التحالفان تأمين أصوات السنة في محافظة الموصل، من خلال إطلاق الكثير من الوعود بإعادة إعمار المدينة، وإعادة النازحين إلى ديارهم، لكن الميزان يميل في هذا الصراع في اتجاه جبهة التقدم بزعامة الحلبوسي».

يرى السيد إحسان أن حزب التقدم بزعامة محمد الحلبوسي، وهو أصغر سياسي سني استطاع أن يتولى منصب رئاسة البرلمان؛ يمتلك الكثير من المقومات التي تمكنه من الفوز بأكبر عدد مقاعد في اقتراع يوم الأحد، فيقول: «الحلبوسي لديه علاقات قوية داخل الحكومة، ويمتلك موارد مالية هائلة، بجانب علاقاته الدولية مع كل من السعودية والإمارات، كما أنه يتمتع بشعبية في المحافظات السنية، وفي الآونة الأخيرة كثف زياراته إلى الموصل والأنبار لكسب دعم العشائر».

في الوقت نفسه يرى الصحافي العراقي إحسان، أنه لا يمكن الاستهانة بجبهة العزم بزعامة خميس الخنجر، فيقول لـ«ساسة بوست»: «الخنجر أيضًا يملك الأموال، ويملك علاقات قوية بالفصائل المسلحة الشيعية الموالية لإيران، لكن تظل فرصه في رئاسة البرلمان ضئيلة إلى حد ما».

ولا جديد في التحالفات الكردية

يسيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني على الحكم في أقليم كردستان العراق شبه المستقل، وقد حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني المهيمن على السياسة الكردية في انتخابات عام 2018 على 26 مقعدًا، كما أنه يعقد دائمًا العديد من التحالفات من غير القومية الكردية لضمان الفوز بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية.

أما الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يخوض الانتخابات المقبلة يوم الأحد، بالتحالف مع حركة «التغيير الكردية المعارضة»، والتي أعلنت في مايو (أيار) الماضي، عزمها الترشح بوصفها كتلة موحدة ضمن التحالف الكردي مع الاتحاد الوطني الكردستاني. جدير بالذكر، أن منصب رئيس الجمهورية يذهب إلى المكون الكردي العراقي منذ عام 2005.

التمثيل النسائي وسط الترهيب والتحيز

بحسب الدستور العراقي، جرى تخصيص كوته بنسبة 25 % للنساء في البرلمان العراقي، وتتنافس حوالي 900 مرشحة في الانتخابات البرلمانية المبكرة يوم الأحد 10 أكتوبر 2021، وسط الكثير من الترهيب والتحيز ضد المرشحات المستقلات في الانتخابات.

تقول الناشطة النسوية العراقية نور حسين لـ«ساسة بوست»: «تتعرض النساء العراقيات اللاتي يعملن في السياسة مستقلات، للكثير من حملات الترهيب والتشهير. الأمر يعود إلى الطبيعة الذكورية للمجتمع والتمسك بالعادات العشائرية التي ترفض عمل المرأة السياسي».

Embed from Getty Images

تضيف السيدة حسين قائلة «النساء المرشحات ضمن الأحزاب السياسية المعروفة، لا يتعرض لمثل هذه المضايقات، نظرًا لأنهن يتبعن أيديولوجية الحزب، لكن المستقلات تخضن حربًا للفوز في الانتخابات».

ترى السيدة حسين أن ما يميز الانتخابات الحالية هو وجود عدد كبير من المرشحات ذوات الميول العلمانية، والمدافعات عن حقوق المرأة ومناهضة العنف الأسري ضد النساء العراقيات، لكن في الوقت نفسه تمتلك نظرة تشاؤمية حيال فوزهن، فتقول لـ«ساسة بوست»: «لا أتوقع فوز أي مرشحة مستقلة، لقد رأيت بنفسي لافتات الدعاية الخاصة بالمرشحات العلمانيات المستقلات وهي تمزق وتحرق، الأمل ضئيل جدًا في حصول المرأة المستقلة على نسبة من المناصب التنفيذية في الحكومة الجديدة».

«حركة تشرين»: الانقسام بين المقاطعة والمشاركة!

خلفت حركة تشرين الاحتجاجية التي بدأت في أكتوبر 2019، العديد من الحركات السياسية الجديدة المعارضة للنظام السياسي في العراق، وقد عول البعض من مناهضي النظام على هذه الحركات الناشئة، لخوض الانتخابات ودخول المجال السياسي، لتكوين قوة معارضة داخل البرلمان العراقي، لاستكمال تحقيق أهداف حركة تشرين الاحتجاجية.

لكن أصيبت حركة تشرين بالكثير من التشرذم والانقسامات، والفوضوية، يقول حسين ذو الفقار، الناشط السياسي، والمشارك في حركة تشرين، لـ«ساسة بوست»: «في البداية كنت مع دخول تشرين إلى السباق الانتخابي، وممارسة السياسية بطريقة مباشرة وعملية، لكن بعد إقرار قانون الانتخابات، واستمرار سيطرة الأحزاب التقليدية على الوضع السياسي، لا أرى أي فائدة من المشاركة في هذه الانتخابات، المقاطعة ستكون ردًا عمليًا ودليلًا على استمرار رفض حركة تشرين للنخب السياسية الحالية».

وصل الأمر بالبعض داخل حركة تشرين إلى تبادل الاتهامات مع الحركات التابعة للحركة الاحتجاجية التي قررت خوض الانتخابات البرلمانية المبكرة سواء مستقلين، أو ضمن تحالف مع أحزاب أخرى، مثل تحالف القوى الوطنية للدولة بزعامة حيدر العبادي وعمار الحكيم.

يقول الباحث السياسي أحمد منتظر لـ«ساسة بوست»: «حركة تشرين، لا تتمتع بالانسجام أو التنظيم الكافي لخوض أعضائها الانتخابات مستقلين، كما أنهم ما زالوا غير مؤهلين سياسيًا لمنافسة الأحزاب الكبيرة التي تمتلك الأموال والإعلام، والسلاح في بعض الأحيان، في الوقت نفسه أرى أن مقاطعتهم الانتخابات ليست حلًا».

سجاد ربيع، مصور صحافي، (30 عامًا)، وواحد من المشاركين في احتجاجات أكتوبر 2019، يرى أن مشاركة بعض الحركات الناشئة عن حركة تشرين الاحتجاجية في الانتخابات المقبلة، خيانة لدماء المتظاهرين الذين قتلوا في المواجهات مع الأمن، فيقول لـ«ساسة بوست»: «لا أمل في هذه الانتخابات، والمشاركة بالترشح أو التصويت يعد إقرار بشرعية هذه النخب، ناهيك عن التحالف مع بعض الأحزاب المتورطة في فساد دام لسنوات وحرم العراقيين من أبسط حقوقهم، هذه خيانة، وطعنة غادرة لحركة تشرين الثورية التي طالبت بإنهاء وجود كل الفاسدين».

تجب الإشارة إلى مقاطعة رئيس الوزراء الأسبق، إياد علاوي للانتخابات البرلمانية للمرة الأولى، وقال وائل عبد اللطيف نائب رئيس تحالف إياد علاوي المعروف باسم «المنبر العراقي»، في مؤتمر صحافي، أن سبب الانسحاب هو تضاؤل نسب المشاركة الجماهيرية، واحتمالية إنتاج دورة برلمانية لا تتمتع بالكفاءة لتحمل الأعباء الحالية؛ مما سينتج عنه حكومة ضعيفة، مقرونة بالفساد والتزوير.

الانتخابات البرلمانية العراقية المبكرة: إصلاح أم أزمات سياسية جديدة؟

بالنظر إلى جميع ما سبق ذكره، نجد أن النخب السياسية المهيمنة منذ عام 2003، يتمتع بفرص كبيرة في السيطرة مرة أخرى على المشهد السياسي العراقي، والحكومة المستقبلية، لذلك فمن غير المتوقع حدوث أي تغيير أو تحول في الوضع السياسي الراهن في العراق. خاصة مع الانقسامات الكبيرة وسط الحركة الاحتجاجية وانحسار المظاهرات، وضعف المرشحين المستقلين وعدم قدرتهم على المنافسة أمام أحزاب تسيطر على كل موارد الدولة.

كما أن وعود الإصلاح التي أطلقتها بعض الأحزاب السياسية الحالية، بما فيها وعود التيار الصدري، لا تتمتع بأي مصداقية وأصبحت بلا صدى لدى أغلب الشعب العراقي، لذلك ستستمر سيادة المحسوبية، والإفلات من العقاب، والطائفية والمحاصصة في السيطرة على الدولة العراقية، من خلال انتخابات اضفت المزيد من الشرعية على الأحزاب السياسية المسيطرة منذ سنوات طويلة، لكن ما يبعث على القلق، أن تكون تلك الانتخابات البرلمانية العراقية التي ستبدأ يوم غد الأحد 10 أكتوبر 2021، هي مجرد بداية جديدة لأزمة سياسية جديدة، وانفجار شعبي آخر مثلما حدث في أكتوبر 2019.

و«على ما يبدو أن قدر العراقيين هو الاختيار دائمًا ما بين السيئ والأسوأ»، على حد تعبير الباحث السياسي العراقي، أحمد منتظر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد