نعرف أن البكتيريا يمكن أن تسبب الأمراض، لكننا نعرف أيضًا أن هناك بكتيريا نافعة تتواجد ليس في الطبيعة فقط، بل حتى داخل جسم الإنسان وتساعده على الهضم وإنتاج الفيتامينات. لكن ماذا عن الفيروسات؟ لا نسمع عنها إلا أنها تلك المخلوقات الشريرة التي تسبب الأمراض والأوبئة، ولم نسمع عن وجود فيروسات نافعة.

طبقًا لهذا، ماذا لو حصلت معجزة ما ووجدنا طريقة نزيل بها كل الفيروسات من كوكب الأرض؟ أليس هذا أفضل للبشر ولحياتنا، دون أوبئة وشلل أطفال وإنفلونزا، وغيرها من الأمراض القاتلة الأخرى؟ تخيل أنك لست مضطرًا للحصول على لقاح الأنفلونزا مرة أخرى.

لكن الأمر ليس بهذه البساطة كما نعتقد، بل إنه لولا الفيروسات لما كانت حياة البشر كما هي عليه الآن. إذ تلعب  أدوارًا مهمة على كوكب الأرض، ليس بالنسبة للإنسان فقط، بل هي ضرورية للحياة ذاتها. ربما يبدو الأمر غريبًا وصادمًا للبعض، لكن التأثير التراكمي لهجوم الفيروسات الدائم على الكائنات الحية، يمكن أن يكون له دور هام في تكوين وسلوك محيطات الأرض والتربة والهواء.

1. المحيطات ستصبح بِرك خضراء كثيفة!

يوضح علماء المحيطات أن المحيطات تحتوي على حوالي 200 مليون فيروس لكل كمية مياه بمقدار ملئ فم الإنسان. هذه الكمية ستصيب أيضًا قرابة 20 مليون خلية بكتيرية في الكمية نفسها من المياه. وتعد العدوى الفيروسية جزء أساسي من قصة حياة البكتيريا. هذا أمر مهم، لأن البكتيريا تقوم بإعادة تدوير وتحويل المواد الكيميائية التي نتناولها ونتنفسها. وعندما تقتل الفيروسات البكتيريا، فإنها تطلق العناصر الغذائية مرة أخرى في البيئة.

تمتلئ البحار بالطحالب والكائنات الدقيقة التي تحصل على طاقتها من أشعة الشمس. يقوم هؤلاء بشكل مباشر أو غير مباشر، بإطعام جميع الحيوانات في البحار. لكن هذه الطحالب والكائنات الدقيقة تكافح أيضًا ضد الفيروسات مما يقلل من إعدادهم نتيجة موتهم بسبب العدوى. بدون هذه الفيروسات، من الصعب تحديد ما سيحدث بالضبط، أحد الاحتمالات هو أن تتحول المحيطات إلى مسطحات خضراء سميكة من الطحالب، مثل تلك التي تراها على البرك الصغيرة على الطريق، وهو ما سيسبب انهيار النظام البيئي بشكل كامل.

2. الأكسجين سيتناقص!

يقول الخبراء أننا نعيش في عالم تحركه البكتيريا. لكن الفيروسات هي التي تتلاعب بالبكتيريا بشكل لا نهائي. على سبيل المثال، تستخدم البكتيريا الزرقاء في المحيطات عملية التمثيل الضوئي لتحويل ضوء الشمس إلى طاقة وتطلق الأكسجين كمنتج ثانوي. بعض الفيروسات التي تصيب هذا النوع من البكتيريا تملك جينًا خاصًا يسمح للبكتيريا بالاستمرار في عملية التمثيل الضوئي حتى بعد إصابة الخلية البكتيرية، بل وبوتيرة أسرع.

ويعتقد العلماء أن البكتيريا الزرقاء تنتج ربع الأكسجين الموجودة في الغلاف الجوي. وقدر الباحثون أن نصف هذه البكتيريا مصابة بالفيروسات بالفعل. قد يعني هذا أن واحدًا من كل ثمانية أنفاس تأخذها يرجع الفضل فيها للفيروس.

3. حياة البقوليات ستصير أكثر صعوبة

هناك نوعية من الفيروسات تعرف باسم «فيروسات النباتات الدائمة» التي تعد أكثر الأنواع شيوعًا في النباتات البرية. كما أنها شائعة جدًا في المحاصيل، ولكن لا أحد درسها على نطاق كبير. هذه الفيروسات أصابت مضيفيها على الأرجح لآلاف السنين. ومرت من خلال البذرة، إلى الجيل التالي، لتصيب كل خلية في المضيف. وعلى حد علم العلماء، لا تمر بين النباتات البالغة.

عادة ما يعثر على هذه الفيروسات بأعداد منخفضة جدًا. في بعض الحالات، نحن نعلم أنها تفيد النبات. على سبيل المثال، يؤثر فيروس «البرسيم الأبيض» على عملية إنتاج العُقيدات في البقوليات. وعادة ما تشكل البقوليات عقيدات من البكتيريا في جذورها، لمساعدتها على امتصاص النيتروجين من الغلاف الجوي. لكن القيام بذلك أمر مكلف في النباتات. بينما في البقوليات المصابة بالفيروسات، عندما يكون هناك ما يكفي من النيتروجين في التربة، فإنها لا تشكل هذه العقيدات، وهذا الأمر أكثر فائدة للنبات.

4. عمر النبات سيقصر وقوة تحمله ستضعف

هناك فيروس آخر يعيش على نبات الفلفل. يبدو أن بذور الفلفل المصابة بالفيروسات لها عمر أطول بكثير من البذور غير المصابة. بعد بضع سنوات، لاحظ العلماء أن البذور غير المصابة لا تنبت، في حين تستمر خلايا البذور المصابة لسنوات عديدة. ولأن هذه الأنواع من الفيروسات موجودة في الكثير من نباتات المحاصيل، يعتقد العلماء أنها ربما تمنح بعض الفوائد، ربما مثل طول العمر، الذي جعل المزارعين يزرعونها خلال مراحل الزراعة المبكرة.

تمنح العديد من فيروسات النباتات القدرة على تحمل الجفاف أو تحمل البرودة. لا يعرف العلماء آلية هذا الأمر بالضبط، ولكن، على سبيل المثال، نجد أن السكر المرتفع شائع جدًا في النباتات المصابة بالفيروسات. وسيسمح المزيد من السكر لخلايا النبات بالاحتفاظ بالمزيد من الماء وحمايتها من الجفاف. ولأن الأشياء الحلوة تتجمد ببطء، لذا فإن السكر الإضافي سيجعل النباتات مقاومة للبرد أيضًا.

5. فيروسات أكثر ضراوة ستسود الموقف

هناك فوائد متعددة أيضًا في الحيوانات. في الفئران، تضفي فيروسات «هربس» مقاومة ضد الطاعون الدملي. وذلك لأن فيروس هربس، الخامل في الفئران، يقوم برفع قدرات نظام المناعة ويجعل الفئران أكثر قدرة على محاربة الطاعون.

وبالمثل، قد يوفر «فيروس التهاب الكبد سي»  لدى الأشخاص بعض الحماية من الإيدز. فـ«فيروس سي» شائع جدًا في البشر، ولا يُعرف عنه أنه يسبب أي مرض للإنسان المصاب. لكنه يؤثر على جهاز المناعة بطرق متنوعة. إذا كان الناس مصابين بـ«فيروس سي» أولًا، ثم أصيبوا بفيروس نقص المناعة البشرية، فإن الفيروس الأخير يستغرق وقتًا أطول حتى يتطور إلى مرض الإيدز.

6. خلل جيني في الإنسان والحيوان والنبات!

بعض الفيروسات تصبح جزءًا لا يتجزأ من مضيفها، وذلك عبر دمج جيناتها في الحمض النووي للمضيف. العلماء يسمون هذه العملية «التكافل». على سبيل المثال، يشير التكافل إلى وجود أشياء مثل الميتوكوندريا أو البلاستيدات الخضراء في الخلايا، وهي من أصل بكتيري وشاركت في تطور الحياة في حقيقيات النواة (النباتات والحيوانات).

Embed from Getty Images

كلما درس العلماء تسلسل الجينومات، وجدوا مزيد من الجينات ذات الأصل الفيروسي، في الحيوانات وفي الإنسان أيضًا. المثال البارز هنا هو عملية تفكك النشويات في جسم الإنسان، إذ تتحول النشويات إلى سكريات من خلال إنزيم يسمى الأميليز الموجود في اللعاب والأمعاء. السبب في إنتاج هذا الإنزيم في الغدد اللعابية هو أن المادة الوراثية الفيروسية تتكامل أمام جين الأميليز، وتقوم بتشغيله في الغدد اللعابية.

والمثال الأكثر إثارة عن «التكافل» هو تطور المشيمة في الثدييات. يقوم بروتين يسمى «سينسيتين» بدمج الخلايا معًا لصنع المشيمة، هذا البروتين تطور من بروتين فيروسي. لذا فإن جين هذا البروتين، الذي عادة ما يكون جزءًا من الغشاء المحيط بالفيروس، مدمج في جينوم الثدييات أثناء تطور المشيمة.

علوم

منذ 8 شهور
ليست شريرة دائمًا.. كيف ساعدت البكتيريا والفيروسات البشر؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد