عندما بدأ العلماء، منذ عدة عقود يتابعون ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض، وما صاحب ذلك من تغيرات مناخية؛ لم يكونوا ليتوقعوا أن يكون الأمر أسوأ مما كانوا يعتقدونه. هناك الكثير من الظواهر التي يستخدمها العلماء كإسقاطات وانعكاسات لمدى تقدم ظاهرة الاحتباس الحراري، لكنهم استخفوا كثيرًا في السابق بالدور الذي تلعبه السحب في هذه الظاهرة.

زيادة غير متوقعة في الاحتباس الحراري

طبقًا لبحث جديد أُعلن عنه مؤخرًا، فإن مستقبل الاحتباس الحراري سيكون أكثر سوءًا مما كان يتوقع العلماء حدوثه، وذلك لأنهم لم يأخذوا في الاعتبار التغيرات التي نشأت على السحب. ويقول الباحثون إن تضاعف كمية غاز ثاني أكسيد الكربون (الغاز الرئيسي المسؤول عن ظاهرة الاحتباس الحراري)، هذه الأيام، مقارنًة بفترة ما قبل الثورة الصناعية، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع عالمي في درجة الحرارة بمقدار 5.3 درجة مئوية.

نماذج توقع ظاهرة الاحتباس الحراري القديمة، توقعت أن تصل الزيادة إلى 4.6 درجة مئوية فقط. قد تظن أن الفرق في درجتي الحرارة ضئيل (فقط 0.7 درجة مئوية)، لكنك ربما تغير نظرتك لهذا الفارق عندما تعلم أن الأرض حاليًا، على بعد درجة واحدة مئوية من الوصول لنفس درجة الحرارة التي وصلت لها الأرض منذ 120 ألف عام.

في ذلك الوقت تسبب ارتفاع حرارة الأرض إلى حدوث تغيرات مناخية حادة، في محاولة لاستعادة التوازن المناخي والحراري من جديد، فضربت الأرض عاصفة عملاقة جعلت الأرض تدخل فيما يشبه العصر الجليدي، وفي ذلك الوقت كانت مستويات البحار والمحيطات أعلى مما هي عليه حاليًا بمقدار ستة إلى تسعة أمتار، مما تسبب في غرق أجزاء واسعة من اليابسة.

الاحتباس الحراري

زيادة حرارة الأرض بمعدل أعلى من المتوقع

 

وما دخل السحب؟

عندما قام هؤلاء الباحثون، الذين تشرف عليهم جامعة ييل الأمريكية، بتحليل البيانات التي زودتهم بها الأقمار الصناعية، وجدوا أن السحب تحوي كمية مياه أكبر من المتوقعة بدلاً من الثلوج، مما كان مفترضًا حدوثه في أيامنا هذه. المفترض في السحب التي تتميز بوجود بلورات الثلج بها أن تعكس المزيد من ضوء الشمس وتمنع وصول جزء كبير منه بالتالي من الوصول إلى سطح الأرض وتسخينها. المياه الموجودة بالسحب لا تقوم بهذه العملية بنفس الكفاءة، وبالتالي فإن زيادة كمية المياه ونقص كمية الثلوج معناه وصول كميات أكبر من ضوء وحرارة الشمس إلى سطح الأرض.

هذا يعني أن عملية استخفاف العلماء السابقة بكميات قطرات الماء الموجودة في السحب، تعني أن النماذج التي ترسم توقعاتها لارتفاع درجات الحرارة في المستقبل القريب تحوي نتائج مضللة وغير صحيحة. وتقول الدراسة إنها وجدت أن كمية أقل من الغيوم سوف تتحول إلى حالة عاكسة للضوء والحرارة في المستقبل كرد فعل على زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون مما كان يعتقد العلماء في السابق. هذا الأمر يعني أن تقديرات مستويات ارتفاع درجات الحرارة التي قام بها العلماء سيتم رفعها، وبالتالي فإن الأرض ستزداد حرارتها بشكل أكبر مما كنا نتخيل.

نسف لقمة باريس

في قمة المناخ التي استضافتها العاصمة الفرنسية باريس في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اتفق زعماء 200 دولة على اتخاذ عدد من الإجراءات التي تعني بداية النهاية لعصر الوقود الأحفوري في محاولة لتقليل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، والحد من ظاهرة الاحتباس الحراري التي بدا أن العالم قد بدأ يتعامل معها بجدية هذه المرة.

هذه الإجراءات كانت تهدف بشكل أساسي للحد من ارتفاع درجة الحرارة لمستوى درجتين مئويتين، لكن مستويات ارتفاع درجة الحرارة الجديدة التي أشارت لها الدراسة السابقة والتي نشرتها مجلة العلوم، ستجعل من تحقيق هذا الهدف أمرَا صعبَا جدَا وتحديَا جديدَا لم يضعه أحد في الحسبان وقت توقيع الاتفاقية.

يذكر أن العالم قد زادت درجة حرارته بمقدار درجة واحدة مئوية منذ ظهور الصناعات الثقيلة، مما تسبب في ارتفاع تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون بمقدار 40%.

سوء تقدير وغياب المعلومات

وتذكر إيفي تان، وهي إحدى الباحثات المشاركات في هذه الدراسة، أن نقص البيانات واستمرار حالة عدم اليقين بشأن دور السحب هي الأسباب المسؤولة عن حالة الارتباك التي ظهرت في تقديرات عملية الاحتباس الحراري. فقد أساءت النماذج السابقة بصورة منهجية تقدير كمية السوائل في السحب، وبالتالي فنحن لم نستطيع أن نقدر قيمة التغذية الاسترجاعية التي كنا نعمل عليها.

هذا الأمر من الممكن أن يعني أن الحد الأعلى للاحتباس الحراري هو أعلى مما كنا قد وضعناه سابقًا، وهذا يعني أن نتوقع سلسلة من العواقب الوخيمة فيما يخص عمليات التغير المناخي التي تشهدها وستشهدها الأرض قريبًا. هنا فإنه يجب على العلماء دراسة المزيد عن السحب والتغيرات التي تمت بها حتى يمكننا أن نعطي صورة أفضل وأدق عما وصل له الاحتباس لحراري حاليًا وعما يمكن أن نتوقع حدوثه في المستقبل القريب.

ويحاول العلماء التوصل إلى المدى الذي يمكن للسحب وبخار الماء التأثير به على ظاهرة الاحتباس الحراري. فقد أشارت ورقة بحثية نشرت العام الماضي إلى أن التقلبات قصيرة المدى للسحب لها آثار كبيرة على المعدل الصافي لدرجة الحرارة المكتسبة بواسطة الأرض. هذه الدراسة كانت أشارت أيضًا إلى وجود أخطاء فيما يتعلق بنماذج دراسة وتوقعات المناخ.

الاحتباس الحراري

زيادة معدل ذوبان الثلوج

 

العاصفة قادمة

وحذر علماء المناخ من وقوع «عاصفة قاتلة»، وارتفاع في مستويات البحار والمحيطات إلى حدٍّ كبير، ما قد يؤدي إلى ذوبان كميات كبيرة جدًّا من الجليد في القطبين خلال وقت أقل مما كان العلماء يعتقدون.

وفي ورقة بحثية نُشرت مؤخرًا بعنوان «ذوبان الجليد، ارتفاع مستويات البحار والعواصف الكبرى»، جرت الإشارة إلى أنه، وبالوتيرة الحالية من حرق الوقود الأحفوري (النفط والغاز الطبيعي)، ومع استخدام الغازات المسببة للاحتباس الحراري بنفس هذه المعدلات القائمة الآن، فإن البشر على موعد مع حدوث تغير مناخي حاد قد يكون بمثابة نقطة اللاعودة للإنسانية جمعاء، على حد وصف البحث.

الورقة البحثية التي نشرتها المجلة الأمريكية للفيزياء والكيمياء، قالت إن البحار والمحيطات سترتفع إلى هذه المستويات بالفعل لكن خلال 50 عامًا فقط. ويقول فريق العمل على هذه الدراسة، والمكون من 19 عالمًا متخصصًا، إن عملية ارتفاع مستويات البحار والمحيطات ستتسارع وتيرتها بعد أن تُكوِّن المياه العذبة الذائبة من الجليد القطبي ما يشبه قبعةً تغطي قمة المحيطات (لاحظ أن المياه العذبة بشكلٍ عام أقل كثافة من المياه المالحة للبحار والمحيطات). هذه الطبقة العلوية من المياه العذبة ستوقف التيارات المائية التي تنشر المياه الدفيئة، وستمنع أيضًا بعضًا من الدفء والحرارة من الهروب باتجاه الغلاف الجوي. سوف تقوم المياه الدفيئة المركزة بالطبع بإذابة كميات متزايدة من الجليد الموجود أسفل مستوى البحار.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد