بينما ينشغل العالم بحشد موارده المالية والعلمية لمكافحة ظواهر الإرهاب والجريمة والمخدرات، تتناسى معظم البلدان، ولا سيما دول العالم الثالث، وجود خطر لا يقل فتكًا عن الأخطار السابقة إن لم يتعدها، وهو المتمثل في الكوارث الطبيعية.

دول هشة أمام الأخطار الطبيعية

خلال ليلة الخميس الماضية من الأسبوع المنصرم، ضرب تشيلي زلزال بحري قرب مدينة إيلابال التي يقطنها 31 ألف ساكن، ورغم أن قوة الهزة الأرضية بلغت 8,3 درجات إلا أنها لم تخلف سوى 8 ضحايا.

وفي نهاية أبريل من العام الجاري ضرب نيبال زلزال بقوة 7,8 درجات فقط، لكنه خلف أزيد من 5000 قتيل وملايين المتضررين، ما يعني أن حصيلة ضحايا زلزال نيبال ضاعفت وفيات زلزال التشيلي الأكبر منه قوة بـ 625 مرة!


تعلمت تشيلي الدرس في 2010 حين ضربها زلزال بقوة 8,8 درجات، وخلف حوالي 500 قتيل، منذ ذلك الحين قامت الحكومة التشيلية بتحديث قانون البناء بحيث تصبح البنايات مقاومة للزلازل، كما شرعت حينها في تركيب أنظمة استشعار، وأدخلت في المناطق السكنية والمدراس ومكاتب الوزارات بمدنها نظام إنذار عاجل في حالة توقع هزات أرضية، هذه الإجراءات قللت بشكل كبير خسائر الأرواح لدى تشيلي في الهزة الأرضية الأخيرة، بعكس زلزال نيبال الذي أسقط البنايات الهشة على رؤوس من فيها ما خلّف خسائر فادحة في الأرواح.

في مثال آخر يوضح هذه المفارقة، شهدت اليابان في الأسبوع الأول من شهرنا هذا هطول أمطار غزيرة، تسببت في فيضانات عارمة اجتاحت شمال البلاد، استعانت خلالها السلطات اليابانية بـ 51 طائرة هليكوبتر و6000 رجل إنقاذ، واضطرت إلى إجلاء مليون شخص، كانت الحصيلة من هذا الفيضان 5 ضحايا فقط حسب وكالة فرانس بريس، في حين تسببت أمطار محدودة بمنطقة كلميم بالمغرب في سبتمبر من العام الماضي في وفاة أكثر من 32 شخصًا، علمًا بأن الحكومة حينها لم تضطر إلى إجلاء أي من الساكنة.

ما السبب إذن في فداحة خسائر دول دون أخرى حين تتعرض لكوارث طبيعية؟

ترتفع خسائر الكوارث الطبيعية بالتحديد في دول العالم الثالث، وبخاصة البلدان المعرضة للكوارث مثل باكستان ونيبال وبنغلاديش والفلبين، حيث تتسبب الفيضانات والأعاصير والزلازل والحرائق سنويًّا في مقتل الآلاف من سكانها، والأغرب من ذلك أن هذه الدول تحدث فيها الكوارث الطبيعية مرة تلو الأخرى دون التفكير في فعل شيء ما لمواجهتها وبالتالي تخفيف الخسائر.

خريطة توزيع ضحايا الكوارث الطبيعية


تصفحنا مجموعة من الدراسات لتفسير هذا السلوك الجامد لدول العالم الثالث أمام الكوارث الطبيعية، وخرجنا بهذه الأسباب:

  • النمو الديموغرافي المتسارع: عادة تشهد البلدان الفقيرة نموًا ديموغرافيًّا ضخمًا ويزداد بشكل سريع، هذا العدد الكبير من الساكنة يتطلب استجابة سريعة لتوفير بنى تحتية من
    مدارس ومستشفيات وطرقات وبنايات سكنية تستوعب المواطنين، وهو ما يشكل أمام سلطاتها عائقًا كبيرًا، حيث تضطر لإتمام بعضها في ظرف قصير دون مراعاة الجودة وقدرتها على الصمود، الشيء الذي يؤدي إلى انهيارها على رؤوس الناس أمام كوارث محدودة الخطورة.
  • فقر في رأس المال: نتيجة فقر معظم مواطني سكان هذه البلدان فإنهم لا يضطرون لتحديث مساكنهم، كما أن سلطاتها تعجز عن تفعيل خططها، سواء قبل حدوث الكارثة أو بعدها، بسبب نقص التمويل، ما يؤدي إلى الإهمال وبالتالي ارتفاع الخسائر في حال حدوث أي كارثة طبيعية.
  • الفساد وضعف الحكومات: تعاني البلدان المتخلفة فسادًا حادًا داخل أجهزتها الإدارية، كما أنها لا تملك كفاءات علمية وإدارية كافية لوضع خطط جيدة لمواجهة التحديات الطبيعية، وينقصها أيضًا الكوادر المهنية القادرة على أداء عملها بطريقة احترافية أثناء وقوع الكارثة.
  • العوائق النفسية والثقافية: وهو أحد أهم الأسباب التي تجعل الكثير من الدول تستسلم للكوارث الطبيعية، حيث لا تتعامل كثير من البلدان مع الأخطار الطبيعية بجدية كافية، وهو أمر غير منطقي بحيث من المفترض أن التجمعات البشرية، بما فيها الشعوب البدائية تحاول دائمًا مواجهة الأخطار المحدقة بها بكل الوسائل المتوفرة لديها، غير أن هذه البلدان، ومنها دول العالم العربي خاصة بما فيها الغنية، تبدو شبه عاجزة أمام الكوارث الطبيعية.

    تعود هذه العوائق في جذورها إلى موروثات ثقافية ودينية، حيث تعتبر بعض المجتمعات الزلازل والسيول والأعاصير والكوارث الطبيعية عامة “ابتلاءات أو عقوبات من الرب”، ولا مجال للتصدي إليها بل لا ينبغي ذلك، وهو الأمر الذي يجعل هذه المجتمعات في حالة استسلام تامة أمام الأخطار الطبيعية، وبالتالي تصبح عرضة للخسائر الفادحة، التي تتقبلها هذه البلدان برضا تام أيضًا كقدر محتوم، فتحدث الكارثة تلو الأخرى دون محاولة التعلم من أخطاء التجارب السابقة.

  • غياب ثقافة الاحتياط: تعاني هذه المجتمعات نقصًا حادًا في ثقافة الاستعداد بصفة عامة، إذ رغم تكرار الكارثة مرات عديدة لا تحاول السلطات أو مواطنوها اتخاذ إجراءات احترازية من شأنها تقليل خسائر الأخطار الطبيعية القادمة، بل إن غياب هذه السمة يؤدي في بعض الأحيان إلى حوادث مفجعة، كان بالإمكان تجنبها بإجراءات بسيطة، قبل أسبوع خلف حادث سقوط رافعة في الحرم أكثر من 120 وفاة وإصابة حوالي مائتين شخص بسبب أن هذه الرافعة تم نصبها بطريقة خاطئة، وفي حادثة أخرى بالسودان قبل أيام، وقعت شاحنة صهريج نفط في حادثة على الطريق، فتجمع حولها مواطنون سودانيون لتهريب محتواها، إلا أنها انفجرت وخلفت 182 قتيلًا.

    بالمقابل نجد دولًا مثل اليابان المعرضة للزلازل تقوم بإجراءات احتياطية واسعة، منها البناء المقاوم للهزات الأرضية، والقطارات القادرة على التوقف أوتوماتيكيًّا فور استشعار هزات، وتدريب المواطنين والأطفال على طريقة التعامل مع خطر الزلازل.

  • نقص التغطية الإعلامية والمعلومات: تحظى الكوارث الطبيعية في مناطق مثل أمريكا وأوروبا واليابان، بتغطية إعلامية ضخمة ومستفيضة حولها، حتى أن بعض المؤسسات الإعلامية تلجأ إلى الاستعانة بالمروحيات لنقل الصورة من كثب، إلا أن الأمر ليس كذلك في بلدان إفريقيا والعالم العربي وبعض أجزاء من آسيا، ما عدا وقفات سريعة حول الحدث، وقد أصبح المواطنون يستعينون بوسائل التواصل الاجتماعي لملء هذه الثغرة.

    تساعد التغطية الإعلامية حول الكوارث الطبيعية، في تزويد المواطنين، ولا سيما القريبين من مناطق الخطر، بمختلف المعلومات التي قد يحتاجونها في مواجهة الكارثة، مثلما يجبر الإعلام السلطات الرسمية على بذل مزيد من الجهود لإنقاذ المواطنين وتحمل مسؤولياتهم، مما يسهم في الأخير في التعامل بشكل أفضل مع الأخطار الطبيعية.

ماذا ينبغي أن تفعل بلدان العالم حيال خطر الكوارث الطبيعية؟

تجيب الخبيرة سوزان إل كاتر عن هذا الأمر بالحاجة إلى ” الوعي العام، والبحث الدقيق في مجال المخاطر والأهداف المعنية، يساعدان صانعي السياسات في التصرف بمرونة؛ لمواجهة الأخطار الطبيعية”.

تندرج الكوارث البيئية ضمن اهتمامات علم الأخطار الطبيعية، وهو تخصص لم يبلغ مرحلة النضج بعد، بالشكل الذي يستطيع أصحاب القرار الاعتماد عليه في رسم سياسات التصدي للأخطار الطبيعية، إذ لا زالت الأحداث الطبيعية تحتفظ بعنصر المفاجأة حتى الآن، ولا يزال هذا التخصص غير قادر على التنبؤ بالزلازل والفيضانات والأعاصير بفترة كافية للاستعداد لها، رغم أن هناك تحسنًا في هذا الصدد.

لكن طبعًا هذا لا يعني عدم القيام بشيء، فهناك الكثير لفعله للتصدي للأخطار الطبيعية، فباستثناء اليابان وكاليفورنيا وتشيلي، تبقى معظم مناطق العالم غير مهيئة للتعرض لكوارث طبيعية، ومن المؤسف أن الكثير منها لا يفكر في الاستعداد.


في شهر مارس الماضي، التقى عدد من ممثلي الحكومات ـ تحت رعاية الأمم المتحدةـ في مدينة سينداي في اليابان، بغرض التفاوض؛ للوصول إلى اتفاقية بشأن الحدّ من الارتفاع المتزايد في خسائر الكوارث، وقد وضعوا خطة عمل للحدّ من أخطار الكوارث في الفترة من (2015- 2030)، من بين الأهداف المرسومة خفض الوفيات الناجمة عن الكوارث بدرجة كبيرة بحلول عام 2030، وتحقيق أدنى معدل للوفيات في العالم بنحو 100 ألف حالة في الفترة ما بين عامي 2020 و2030 مقارنة مع الفترة 2005- 2015.

وتطرح خطة عمل (سينداي) أربعة أشياء ينبغي على الحكومات القيام بها: فهم مخاطر الكوارث، وتقوية تنظيم إدارة المخاطر في جميع القطاعات، والاستثمار في إجراءات الحَدّ من المخاطر التي تعزز المرونة، وتحسين التجهيز لمجابهة الكوارث، والاستجابة السريعة لها، بحيث تتعافى الدول بعد وقوع الكارثة بصورة أفضل بعد وقوع الكارثة.

في المجمل تتطلب مواجهة الكوارث الطبيعية تضافر مجموعة من الجهود: معرفة علمية قادرة على التنبؤ، وخبرات ميدانية لإدارة التعامل مع الكارثة باحترافية، وسياسات فعالة تقوم بها السلطات، دون أن نغفل دور المجتمع المدني والإعلام في التوعية ودعم الجهود في عمليات التصدي للأخطار الطبيعية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد