تأسست جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية عام 1933، لكنها لم تدم طويلًا، ثم تأسست الجمهورية الثانية عام 1944، ودامت لخمس سنوات، قبل أن يساعد ستالين الحزب الشيوعي الصيني على غزوها.

في أقاصي الأرض، يعاني الملايين من أفراد الإيغور، بإقليم شينجيانج – (تركستان الشرقية) – ويلات القمع والاحتجاز والاعتقال الجماعي التعسفي، ما حدا بالخارجية الأمريكية لإصدار عقوبات على مسؤولين صينيين، في 9 يوليو (تموز) 2020، شملت حظرًا لتأشيراتهم، على خلفية انتهاكات حقوق الإنسان.

وقدرت الحكومة الأمريكية في تقريرها لـ2019 حول الحرية الدينية الدولية، أن جمهورية الصين الشعبية احتجزت أكثر من مليون من الإيغور والعرقية الكازاخستانية وأعضاء الجماعات الإسلامية الأخرى، وكذلك بعض مسيحيي الإيغور، في معسكرات اعتقال مبنية خصيصًا أو مرافق احتجاز، وأخضعتهم للاختفاء القسري، والتعذيب، والاعتداء النفسي والجسدي، بما في ذلك التعقيم القسري والاعتداء الجنسي.

فمن هم الإيغور الذين تحتجز الصين مليونًا منهم؟ وما قصة كفاحهم التاريخي لتأسيس دولتهم في تركستان الشرقية؟

تركستان الشرقية.. لعنة الجغرافيا والثروات الطبيعية

تعني كلمة «تركستان»، كما ورد في معجم البلدان لمؤلفه ياقوت الحموي الرومي، البلاد التي تسكنها الشعوب التركية في العصور الوسطى. ويَحدُّ تركستان الشرقية، ثلاث جمهوريات إسلامية هي: كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، ومن الجنوب: أفغانستان، وباكستان، ومن الشرق أقاليم التبت الصينية.

وتُعدُّ تركستان الشرقية – التي تزيد مساحتها على 1.6 مليون كيلومتر مربع – مكانًا غنيًّا بالموارد الطبيعية، بما يتوفر في أراضيها من المعادن؛ إذ تبلغ أنواعها 121 نوعًا، منها الحديد والكروم والنحاس، وتمتلك تلك الأراضي 8 مليارات طن احتياطي من البترول، و600 مليون طن من الفحم الحجري، وستة مناجم من اليورانيوم.

كلُّ هذه الثروات الطبيعية، والمكانة الجغرافية المميزة؛ جعلت منطقة تركستان الشرقية مطمعًا لكثيرٍ من الدول.

جذور الإيغور.. من أين جاءوا؟ وأين استقروا؟

يتألف الإيغور من مجموعة شعوب من الصين وباكستان ومنغوليا والأتراك التتر وبلاد القوقاز، سافرت وارتحلت كثيرًا، حتى استقرت في منطقة شرق آسيا قبل 4 آلاف عام.

ويشير المستشرق الإسكتلندي، إدوارد جرين بالفور، في موسوعة الهند وشرق وجنوب آسيا، التي ألفها عام 1873، إلى أن الإيغور هم أقدم القبائل التركية، وكانوا في السابق يسكنون جزءًا من المنطقة التترية الصينية.

واختلفت أسماء الإيغور، منذ القدم، فكانوا يُسمُّون أنفسهم بأسماءٍ تختلفُ باختلافِ الشعوبِ، فتارةً يُسمُّون أنفسهم «سارت»، أمام القيرغيز والقازاق، وأخرى يُسمُّون أنفسهم «تشآن‌ تو» – وتعني بالصينية «الرأس المعممة أو الملفوفة» – إذا ما سُئلوا عن هويتهم كمسلمين أولًا. ويذكر المستشرق الألماني كارل بروكلمان في كتابه «تاريخ الشعوب الإسلامية»، أن الرحالة الغربيين كانوا يُسمونهم باسم «توركي»، اعترافًا بلغتهم.

ويقطن الإيغور، في سلسلة من الواحات المنتشرة عبر صحراء تكلامكان، وتضم أحواضًا عدة، مثل حوض تاريم، وهي منطقة خضعت لسيطرة عديد من الحضارات تاريخيًّا، بما في ذلك الصين والمغول والتبت والحضارات التركية القديمة.

وفي دراسةٍ تحليلية نُشرت عام 2008، اكتشف فريقٌ بحثي أن شعوب الإيغور يمتلكون حوالي 60% من أصول أوروبية أو جنوب غرب آسيا، وحوالي 40% من أصول شرق آسيا.

صورة توضح الخريطة الجغرافية لصحراء تكلا مكان. المصدر: موسوعة بريتانيكا البريطانية.

كيف وصل الإسلام إلى تركستان الشرقية؟

كان أول اتصالٍ رسميٍّ بين المسلمين والصينيين في فترة أسرة تانج، التي حكمت الصين قرابة ثلاثة قرون، من 618 إلى 907 ميلاديًّا؛ إذ وصل أول مندوبٍ من إمبراطور الصين قاوتسنج إلى خليفة المسلمين عثمان بن عفان، بعد أن ترامت إلى مسامعه قوة المسلمين الصاعدة، وإزاء ذلك بعث خليفة المسلمين برسله إلى ملك الصين؛ للتحية والتبليغ بالدين الجديد.

غير أن مرحلةَ الفتحِ الإسلاميِّ كانت على يدِ القائدِ قتيبة بن مسلم الباهلي، في عهد معاوية بن أبي سفيان، ففتح خراسان، وهي من بلاد تركستان الغربية، وتقدم المسلمون شرقًا، حتى فُتحت مدينة كاشجر، في تركستان الشرقية، وبدأ انتشار الإسلام هناك في الفترة من 702 إلى 712 ميلاديًّا.

معركة طلاس.. نهاية نفوذ الصين التانجية في آسيا الوسطى

بعد أن أخضع القائد قتيبة مدنًا تجارية ثرية، مثل بخارى وسمرقند، للإسلام، وضع هذا الفتح المسلمين في مسارٍ تصادميٍّ مع الصين، التي جعلت وجودها محسوسًا في هذه المناطق، منذ القرن الثاني قبل الميلاد؛ إذ مارست هيمنتها على ممالك صغيرة في تركستان، وعلى طريق الحرير، بيد أن المقاومة الآسيوية في ما وراء النهر اندلعت مرة أخرى بعد وفاة قتيبة في عام 715.

على الجانب الآخر، كانت إمبراطورية تانج الصينية توسع نفوذها في آسيا الوسطى، عبر الاعتماد على سلسلة من الاتفاقيات التجارية، بدلًا من الغزو العسكري، كما عقدت علاقاتٍ تجاريةٍ طويلةٍ مع الإمبراطورية الساسانية في بلاد فارس، وسعى الفرس والصينيون من خلال التعاون بينهما؛ لقمع القوى التركية الصاعدة.

غير أن الإمبراطورية التبتية، التي أسسها سونجتسين جامبو، كانت هي العدو الأكثر إزعاجًا الذي واجهه تانج؛ إذ أذهلت تلك الإمبراطورية الصين بالاستيلاء على المناطق الحيوية استراتيجيًّا في حوض تاريم، الذي احتفظ التبت به أكثر من 20 عامًا. وفي محاولة لإخماد تطلعات التبتيين، عقدت إمبراطورية تانج تحالفات مع ممالك صغيرة على الجانب الخلفي للتبت، لكنها باءت بالفشل.

وعلى أعتاب وادي فرغانة، في البقاع التركستانية، كان هناك نزاعٌ حدوديٌّ مع حاكم بلاد الشاش المجاورة، وطلبت فرغانة المساعدة من الصينيين، ما دفعهم إلى إرسال القائد الكوري كاو هسين تشي، فقطع رأس حاكم الشاش؛ لكن نجله هرب، ولجأ إلى القائد العباسي أبو مسلم الخراساني، الذي كان حريصًا على كبح النفوذ الصيني في المنطقة، بأوامر من الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، فحشد أبو مسلم قواته وسار للانضمام إلى جيش الأمير زياد بن صالح الخزاعي في الشرق.

وفي منتصف يوليو (تموز) عام 751 تحالف الإيغور وقوات من جيش الإمبراطورية التبتية، وانضموا إلى الجيش العباسي لمواجهة الصينيين، وكانت هذه أولى ملامح الصراع الإيغوري التركي مع الصين، واشتبك الجيشان بالقرب من مدينة طلاس – الواقعة على نهر الطلاس في جمهورية قرغيزيا – وحوصر الجيش الصيني، الذي بلغ قوامه 30 ألف مقاتل، بحسب الروايات الصينية، ومُني بخسائر فادحة وأُسر الآلاف منه، وبهذا انتهى نفوذ أسرة تانج في آسيا الصغرى.

منطقة الشرق

منذ 6 شهور
تجربة الروهينجا والإيغور في الشتات.. كيف أسمعوا العالم أصواتهم؟

الحكم الإسلامي في تركستان الشرقية

استقر الوجود الإسلامي بمنطقة تركستان، بعد إسلام زعيم الإيغور، ستوق بغراخان خاقان، عام 935، واعتنقت من بعده 200 ألف عائلة تركمانية الدين الإسلامي، وكرَّس حفيده هارون بغراخان موارد الدولة لخدمة الإسلام، فنشر تعلم اللغة العربية؛ حتى يسهل معها قراءة القرآن الكريم ودراسته وحفظه، وأوقفَ خُمس الأراضي الزراعية على خدمة المدارس الدينية، وأمر بكتابة اللغة التركمانية والإيغورية بالأحرف العربية، وأعلن تبعية المنطقة للعباسيين؛ من أجل الوحدة الإسلامية.

لولا أن ذلك لم يدم طويلًا؛ إذ حكم المغول تلك البقاع، بعد قضاء «جنكيز خان» على الدولة الخوارزمية سنة 1231، في مرحلة ضعف الخلافة العباسية، وانتشرت دولٌ محليةٌ في تلك البقاع، بدأت بالدولة الغزنوية في جنوب بلاد الأفغان والهند، مرورًا بالدولة السَّلجوقية، ثم انقسمت المنطقة إلى دويلات تناحرت فيما بينها.

تقسيم تركستان.. إلى شرقية صينية وغربية روسية

بعد توقف النفوذ الصيني على تركستان إبان أسرة تانج، عادت الصين من جديد في عام 1881 بإبرام معاهدة مع روسيا لتقسيم تلك المنطقة: فأصبحت تركستان الشرقية، تابعة رسميًّا وقسريًّا للصين، تحت مسمى جديد هو شينجيانج، وتعني بالصينية: «الوطن الجديد».

وأصبحت تركستان الغربية تابعة رسميًّا لروسيا القيصرية، قسريًّا، تحت مسمى جديد، هو: «آسيا الوسطى». وهكذا اختفى نهائيًا اسم بلاد ما وراء النهر، الذي عرفت به هذه البلاد طوال تاريخها الإسلامي.

ثم بعد سقوط أسرة مانشو تشينج، التي حكمت الصين حتى عام 1912، أصبح حكام الهان الصينيون – الذين حكموا تركستان الشرقية – أكثر استبدادًا، فأزالوا قادة الإيغور المحليين من السلطة، واستبدلوا بهم مسؤولين صينيين من الهان.

وفي عام 1930 بعد وفاة أمير مدينة كومول، مقصود شاه، ألغى أمير الحرب الصيني، جين شورن، الخانات، واستولى على أراضي المزارعين الإيغور، ومنحهم للمستعمرين الصينيين من إقليم قانسو. وفي وقتٍ لاحقٍ أعاد شورن توطين الإيغور في مناطق رديئة الجودة بالقرب من الصحراء، وفرض ضرائب كبيرة عليهم.

صورة توضح الخريطة الجغرافية لتركستان الشرقية وما حولها. المصدر: اتحاد العلماء الأمريكيين

جمهورية تركستان الشرقية.. أول جمهورية تحمل لقب «إسلامية»

أشعل كلُّ ذلك حركات المقاومة في المنطقة، فاندلع تمرد واسع النطاق بقيادة خوجة نياز في فبراير (شباط) 1931. وعاد ثابت داملا عبد الباقي، وهو سياسي ومفكر إيغوري، إلى تركستان الشرقية من الهند، وأقنع عائلة البوغرة بدعم التمرد ضد الحكم الصيني. وفي 20 فبراير 1933 شُكلت حكومة خوتان المؤقتة مع ثابت داملا عبد الباقي رئيسًا للوزراء، ومحمد أمين بوغرة على رأس القوات المسلحة.

وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) 1933، أُجريت جميع الاستعدادات لإعلان جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية، وبعث ثابت داملا عبد الباقي رسالة إلى زعيم التمرد خوجة نياز، يطلب منه أن يكون رئيسًا للجمهورية الجديدة.

وفي 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1933، تجمع أكثر من 20 ألفًا، من بينهم 7 آلاف جندي، على ضفاف نهر تومين في كاشجر؛ لإعلان الاستقلال رسميًّا باسم جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية، مع تقديم العلم الأزرق مع نجمة بيضاء وهلال علمًا وطنيًّا، لتصبح أول دولة تحمل لقب جمهورية إسلامية، وعرفت لاحقًا باسم جمهورية تركستان الشرقية الأولى.

كتب الرئيس خوجة نياز، رسالة إلى الحكومة الصينية في شينجيانج، يؤكد فيها إعلان استقلال تركستان الشرقية الذي أصدره برلمان الشعب التركستاني. ورغم أنها كانت دولة متكاملة، لها علمها وعملتها وحكومتها، فإنها فشلت في الحصول على اعتراف دول الشرق الأوسط أو بريطانيا، التي كانت تدعم الحكومة الصينية في ذلك الوقت.

وُئدت حكومة تركستان الشرقية الأولى في مهدها سريعًا، وحكم الإقليم أمير الحرب الصيني شينج شيكاي لعقدٍ كاملٍ (1933– 1943) بدعمٍ وثيق من الاتحاد السوفيتي.

إنشاء الجمهورية الثانية

بعد انتصارات السوفيت ضد ألمانيا في عام 1944، طرد شينج مستشاري حزب الكومينتانج، وأرسل رسالة إلى جوزيف ستالين رئيس الاتحاد السوفيتي – آنذاك – يطلب منه مساعدته، لكن ستالين رفض، وأرسل رسالة شينج إلى زعيم الحزب القومي الصيني، وعلى إثرها خلعه الحزب من إدارة الإقليم في أغسطس (آب) 1944.

وسعى السوفيت بعدها لإنشاء جمهورية ثانية، معدومة الصلاحيات، تحت اسم تركستان الشرقية الثانية (1944– 1949)، في مقاطعة كازاخ ذات الحكم الذاتي؛ لاستغلال ثرواتها المعدنية. وبرر السوفيت هذه الحركة فيما بعد على أنها حركة تحرر وطنية ضد نظام الكومينتانج (الحزب القومي الصيني).

وفي 12 نوفمبر 1944، أعلنت منظمة التحرير الوطنية لتركستان الشرقية استقلال تركستان الشرقية وقيام الجمهورية الثانية، بعد حركة ثورات وتمرد في الإقليم.

لكن، بحلول يونيو (حزيران) 1949، ساعد الاتحاد السوفيتي حكومة الحزب الشيوعي الصيني وجيش التحرير الشعبي في الاستيلاء على تركستان الشرقية، واحتلالها قبل محاولة الإنجليز التدخل. وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) 1949، احتل الجيش الشعبي تركستان الشرقية، وأطلقت الحكومة الصينية على المنطقة اسم «منطقة شينجيانج ذاتية الحكم للإيغور»، وضمتها إلى جمهورية الصين الشعبية.

حقوق إنسان

منذ 10 شهور
«فورين بوليسي»: هكذا تتربح الصين من «استعباد» الإيغور

المعاناة ما تزال مستمرة

منذ ذلك الحين؛ يتعرض الإيغوريون لطمس الهوية الإسلامية، عبر السجن السياسي، والتعذيب، والاختفاء القسري، وإغلاق المساجد، وحظر استخدام لغة الإيغور في الجامعات، وإخضاع الإيغور لعمالة إجبارية غير مدفوعة الأجر، في بناء خط أنابيب مخطط لتصدير موارد البترول المحلية إلى أجزاء أخرى من الصين.

وفي 29 فبراير (شباط) 2017، أعلنت حكومة مقاطعة جيرا في ولاية خوتان، بسنجان الصينية، أنها ستدفع مكافأةً ماليةً لكل مَن يبلِّغ عن أولئك الذين يضعون شعار النجمة والهلال على ملابسهم أو أشيائهم الشخصية، أو مَن توجد كلمات «تركستان الشرقية» على حافظات هواتفهم، أو حقائبهم، أو مجوهراتهم.

وما يزال الإيغور – هم السكان الوحيدون في الصين – الذين يتعرضون باستمرار لعمليات الإعدام بإجراءات موجزة وتنفيذ علني.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد