قسمت الحرب السورية مدينة حلب إلى قسمين؛ الغربي بقي تحت سيطرة نظام بشار الأسد، فيما خضع القطاع الشرقي لحكم المعارضة المسلحة، قبل أن تستعيد الحكومة السيطرة على كامل المدينة بعد أشهر من المعارك التي اتفق المراقبون على أنها تشكل منحنىً مفصليًا في مسار الحرب الطويلة، ولكن، هل كانت حلب أول مدينة تقسمها الحرب إلى شطرين؟

نستعرض في هذا التقرير نماذج لعواصم ومدن كبرى، أجبرتها ظروف الحروب والمعارك القاسية والصراعات المريرة بين أطراف النزاع على تقسيمها إلى قطاعات غربية وأخرى شرقية.

برلين.. الجدار الذي رسم الحرب الباردة

صورة لجزء من جدار برلين سنة 1984

يمكن القول إن نهايات الحرب العالمية الثانية، والتي شهدت دخول القوات السوفيتية ونظيرتها التابعة للحلفاء إلى برلين سنة 1945م، قد شكلت في نفس الوقت بدايات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، إذ تم تقسيم المدينة إداريًا إلى أربعة قطاعات، سيطر السوفييت على القسم الشرقي، والأمريكيون على الجنوبي الغربي، والإنجليز على الغربي، فيما احتفظ الفرنسيون بالجزء الشمالي الغربي.

سنة 1949، تم تأسيس ما عرف آنذاك بالجمهورية الألمانية الديموقراطية، أو ألمانيا الشرقية، والتي اعتبرت الجزء الشرقي من مدينة برلين عاصمًة لها، وسنة 1961، قامت سلطات هذه الجمهورية ببناء سور حول المدينة لمنع المقيمين في المناطق الخاضعة لنفوذها من الانتقال إلى المناطق الأخرى أو العكس، وهو ما عرف بسور أو جدار برلين، الذي حرم سكان المنطقتين من زيارة عائلاتهم وأقربائهم في المنطقة الأخرى من المدينة، ولم تخفف القبضة بشكل محدود إلا سنة 1963 بعد زيارة الرئيس الأمريكي «جون كينيدي» لبرلين؛ فتم السماح بتبادل الزيارات وفق إطار صارم لمنح الإذن بالسفر، والذي شكلت محطة القطار في شارع فريديريش ساحته وواجهته الرئيسة.

تم استغلال هذا الانقسام في حرب الدعاية المتبادلة بين المعسكرين الشرقي والغربي، وتم إنتاج عشرات الأفلام التي تناولت قصص الهروب ذات الطابع الاجتماعي والرومانسي من هذا القسم إلى ذاك.

خريطة تقسيم برلين خلال فترة الحرب الباردة

تم هدم الجدار وتوحيد شطري المدينة في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، في وقت كانت تلفظ فيه الحرب الباردة أنفاسها الأخيرة، فأصبح هذا الحدث بمثابة رمز لنهاية الحرب، وربما انهيار الاتحاد السوفييتي فيما بعد.

بيروت…انقسام أرخ لتعقيدات سنوات طويلة من الحرب الأهلية

صورة مشهورة لمجزرة الكارانتينا في بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية

بعد استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي سنة 1943، تحولت العاصمة بيروت إلى نقطة استقطاب ثقافي واقتصادي لمحيطها، كما أصبحت محطة جذب سياحية لمحيطها العربي، فتم اعتبارها طوال الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي «باريس الشرق»؛ نظرًا لأهميتها الكبيرة في المنطقة.

تحولت بيروت ولبنان بصفة عامة إلى قاعدة انطلاق لعمليات المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل، خاصًة بعد خروج معظم عناصر الفدائيين من الأردن عقب أحداث ما بات يعرف بـ«سبتمبر أو أيلول الأسود» سنة 1970، ويبدو أن هذه التطورات قد تركت آثارها العميقة على الحياة السياسية في البلاد، فتدحرجت الأحداث بسرعة، إلى أن شكلت «حادثة البوسطة» الشرارة الفعلية لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975.

عم الخراب والفوضى مدينة بيروت، وفي السادس من ديسمبر (كانون الأول) 1975، عثر على أربعة جثامين لأعضاء من حزب الكتائب، فقامت الميليشيات المسيحية بوضع نقاط تفتيش في منطقة مرفأ بيروت وقتلت المئات من الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين بناء على بطاقات الهوية التي كانت تحتوي آنذاك على مذهب حاملها، وقد عرف هذا اليوم لاحقًا بـ«السبت الأسود»، فأدت عمليات القتل لاندلاع الاشتباكات على نطاق واسع بين المليشيات؛ لتنقسم بيروت فعليًا إلى منطقتين، عرفتا بالمنطقة الشرقية وأغلبها مسيحيون، والمنطقة الغربية التي كانت مختلطة مع أكثرية إسلامية، مع خط فاصل تمت تسميته بالخط الأخضر.

خريطة تقاسم النفوذ في الحرب الأهلية اللبنانية (الأخضر الغامق للقوات السورية، والأخضر الفاتح للقوات الفلسطينية، والوردي للقوات المسيحية)

كانت بيروت الشرقية محاطة بمخيمات الفلسطينيين المحصنة، مثل منطقة «الكرنتينا» ومخيم «تل الزعتر»، وفي 18 يناير (كانون الثاني) 1976، قامت الميليشيات المسيحية باقتحام منطقة الكرنتينا ذات الأغلبية المسلمة والواقعة تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية، والتي يسكنها أكراد وسوريون وفلسطينيون، وقتلت 1500 فرد من سكان المنطقة، فردت الميليشيات الفلسطينية بعدها بيومين باقتحام بلدة «الدامور» المسيحية وقتل المئات من السكان المسيحين.

هرب الآلاف من السكان بحرًا؛ بسبب قطع الطرقات، وأدت الحادثتان إلى هجرة جماعية للمسلمين والمسيحين، حيث لجأ كل منهم إلى المنطقة الواقعة تحت نفوذ طائفته وانقسمت بيروت الشرقية وبيروت الغربية بشكل واضح إلى بيروت المسيحية وبيروت المسلمة.

اجتاحت القوات الإسرائيلية البلاد سنة 1982، وتم ترسيخ الانقسام، قبل أن يتم توقيع اتفاق الطائف سنة 1990م، والذي أنهى الحرب الأهلية بشكل رسمي، فتمت إعادة إعمار المدينة، وبذلت جهود كبيرة لإعادتها إلى المكانة المتميزة التي حظيت بها عربيًا ودوليًا قبل الحرب.

موستار..جسر أثري عثماني قُسمت المدينة بسبب تدميره

آثار الدمار على جسر ستاري موست في موستار قبل قصفه وانهياره بالكامل فيما بعد

لم تكن مدينة موستار بمنأى عن تطورات حرب البوسنة (1992-1995)، وهي المدينة التي سكنها المسلمون والكروات، وفصل نهر نيريتفا بين ضفتيها الشرقية والغربية؛ الشرق كان يضم المدينة الأثرية القديمة التي يعود زمن تشييدها للعصر العثماني، والغرب كان يضم المباني والمرافق الحديثة.

حاولت الميليشيات الصربية السيطرة على المدينة، لكنها لم تفلح في ذلك، وقامت القوات المسلمة بإبعادها عن المرتفعات الاستراتيجية المحيطة بموستار.

شهدت عام 1993 تأزم الوضع العسكري، بسيطرة الصرب على ما يقارب الـ70 % من البلاد؛ ما دفع بالقوى الكبرى إلى تكرار الحديث عن ضرورة حل الأزمة البوسنية بالتقسيم إلى ثلاث دويلات على أساس عرقي، مسلمة وصربية وكرواتية، ومن جهة أخرى، تزايد عدد اللاجئين البوسنيين المحتمين بمدينة موستار من البطش الصربي، فقام الكروات بنقض تحالفهم مع المسلمين، وأعلنوا أن هذا التحالف لم يعد يفيد مصالحهم الانفصالية الطامحة إلى تأسيس كيان خاص بهم عاصمته موستار، كما احتجوا على تضاعف أعداد اللاجئين بما يخل بالتوازن الديموغرافي والعرقي للمدينة حسب رأيهم، فقاموا بمحاصرة المسلمين وحشر 55 ألف مواطن في القطاع الشرقي، وعندما وصلت طلائع قوات الجيش البوسني إلى موستار أواخر عام 1993، قامت القوات الكرواتية بنسف جسر ستاري موست الأثري الذي يفوق عمره 427 سنة، والذي شكل آخر رابط بين القطاعين الشرقي المسلم والغربي الكرواتي الكاثوليكي للمدينة، وهو ما قسمها بالفعل إلى شطرين.

بعد نهاية الحرب أواخر سنة 1995، تم التخطيط لإعادة بناء الجسر الأثري منذ عام 1997، وبالفعل بدأت الأشغال سنة 2001، وانتهت سنة 2004، في حفل كبير حاول التعبير عن رمزية إعادة توحيد شطري المدينة وإنهاء حقبة طويلة من الانقسام.

حلب.. المعركة المفصلية في الحرب السورية

صورة لمدخل قلعة حلب الأثرية

بالرغم من تنظيم عدد من المظاهرات الحاشدة في حلب منذ بدأ الاضطرابات في سوريا سنة 2011، لم تشهد المدينة اشتباكات مسلحة بمثل عنف المناطق الأخرى إلا في وقت متأخر من عام 2012، عندما تمكنت قوات المعارضة المسلحة من السيطرة على أهم الأحياء الشرقية في المدينة التي تعد بالفعل أهم مدينة في سوريا بعد العاصمة دمشق، والشريان الرئيس للاقتصاد السوري.

تركزت هذه السيطرة في حلب القديمة وأحياء صلاح الدين وسيف الدولة والصاخور والسكري ومساكن هنانو، ثم الكلاسة وبستان القصر، فيما سيطر الأكراد على الأحياء التي تضم أغلبية كردية في الشيخ مقصود والأشرفية، وبقيت قلعة حلب الأثرية محاصرة من قبل قوات المعارضة، لتنقسم المدينة بالفعل منذ عام 2013 إلى قسمين؛ حلب الشرقية بيد المعارضة المسلحة التي تشكلت في البداية من الجيش الحر، قبل أن يظهر «لواء التوحيد» و«أحرار الشام» و«نور الدين الزنكي» و«جبهة النصرة» التي ارتبطت آنذاك بتنظيم «القاعدة» و«جيش الفتح»، والذين استعانوا بعدد كبير من المقاتلين الأجانب القادمين من جميع أنحاء العالم، ودعم عسكري قدمته الدول المناهضة لنظام الرئيس بشار الأسد، مستفيدين من سيطرتهم الكاملة على الريف الشمالي الملاصق للحدود التركية.

واحتفظ الجيش السوري بسيطرته على الأحياء الغربية، واستعان فيما بعد بمقاتلي حزب الله اللبناني ومقاتلين أفغان وعراقيين وخبراء عسكريين إيرانيين قبل التدخل العسكري الروسي المباشر؛ ما أكسب معركة حلب إلى جانب أهميتها الاستراتيجية بعدًا إقليميًا، وربما عالميًا في معادلة الحرب السورية.

أطلق الجيش السوري وحلفاؤه أواخر سبتمبر (أيلول) 2016 عملية عسكرية لاستعادة الأحياء الشرقية وإعادة توحيد المدينة، بدأت بغارات مكثفة على مواقع المعارضة المسلحة، التي اتهمت الجيش السوري والطيران الروسي بارتكاب مجازر ضد المدنيين في المنطقة، وهي التهم التي نفاها هؤلاء بشدة من جانبهم، وتحدثوا عن قصف المعارضة للأحياء الغربية بقذائف أوقعت المئات من المدنيين بين قتيل وجريح.

شهد شهر ديسمبر (كانون الثاني) الجاري تمكن جيش نظام الرئيس بشار الأسد وحلفاؤه من إعادة السيطرة على الأحياء الشرقية وتوحيد شطري مدينة حلب، في ظل اتهامات إعلامية بارتكابه مجازر بحق المدنيين بعد دخوله إلى الأحياء الشرقية، وهي الاتهامات التي تشهد سجالًا متواصلًا بين أطراف النزاع، بين مؤكد لوجودها وناف لها، في إطار حرب إعلامية مستعرة بين الطرفين، لا تقل أهمية عن المعارك العسكرية المباشرة.

خريطة السيطرة في مدينة حلب ومحيطها خلال شهر ديسمبر 2016

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد