طفل فاقد للوعي يتنفس بصعوبة، ورجل بالغ يحاول أن يلتقط أنفاسه وهو يتقيأ باستمرار وبكثافة، وجثمان تحت الأنقاض لطفلة تحتضن لعبتها الممزقة، هذا هو حال سكان الغوطة الشرقية، بعد أيام من صدور قرار لمجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار لمدة شهر.

وافقت روسيا أمام العالم على هذا القرار، ثم ذهبت للغوطة تستأنف إبادة سكانها من الجو بطائراتها الحربية، فيما كان النظام والميلشيات الإيرانية يؤدون مهمة التدمير برًا، أما المجتمع الدولي وواشنطن التي أخرجت آخر معاقل مقاتلي المعارضة من خارطة اهتماماتها، فهم عاجزون أمام الإدارة الروسية النافذة عسكريًا وسياسيًا في سوريا.

بعد قرار مجلس الأمن.. الغوطة تُقصف بالقنابل وغاز الكلور

بعد يوم واحد من صدور قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار 30 يومًا في سوريا، وتحديدًا في 25 فبراير (شباط) الماضي، هاجم النظام السوري منطقة «الشيفونية» بالغوطة الشرقية بغاز الكلور، بالتزامن مع قصف مكثف له ولميليشياته، لقد كان سكان الغوطة على حق حين لم يتخلوا عن خيار الاختباء، فلا سلام في الأفق لهذه المنطقة المنكوبة.

أطفال مصابون بغاز الكلور في الغوطة (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

وبينما عجل السوريون لإنقاذ الضحايا من غاز الكلور الذين تم تعريتهم وتخلص طاقم التمريض من ملابسهم البالية، تأكد الجميع أن وتيرة القصف إن لم تكن زادت فهي لم تتراجع منذ أصدر مجلس الأمن قراره، فقد أرسلت روسيا الطائرات الحربية لإسقاط المزيد من القنابل على رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ بالغوطة، بينما استمرت قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية بالتوغل بريًا في هذه المنطقة، مقابل مواصلة طواقم الإنقاذ وطواقم الخوذ البيضاء انتشال المزيد من الجثث من تحت الأنقاض.

ويؤكد تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية أنه: «كما هو الحال منذ بدء الحرب، فشلت الأمم المتحدة مرةً أخرى في وقف المعاناة في سوريا، أو حتى إبطائها. في حمص وحلب، والزبداني ومضايا، وإدلب، والآن الغوطة، فشلت الإرادة الدولية في وجه أنصار الحرب بلا قيود، لقد أصبحت الوحشية مطلقة الأيدي لتفكك سوريا روتينًا إلى حد أنَّ أولئك الذين يحاولون منعها قد أصبحوا عمليًا ضامنيها»، وتضيف الصحيفة: «روسيا خرقت تعهدها خلال ساعات، فأرسلت الطائرات الحربية لإسقاط المزيد من القنابل بينما شنَّت القوات السورية والقوات المدعومة إيرانيًا توغلاتٍ برية في هذه المنطقة المعارضة، وبالنسبة لقرارٍ ملزم، لا يُعَد هذا التصرف بادرةً لطيفة».

روسيا تريد إبادة أو تهجير سكان الغوطة

منذ احتدم الصراع في سوريا، والنظام السوري وحلفاؤه يرون في تهجير سكان مناطق المعارضة وسيلة ناجعة لتحقيق أهداف عدة لهم، لذلك قرئ النهج الروسي بالتعامل بعنف شديد مع الغوطة الشرقية باعتباره تحقيقًا لإعادة رسم خريطة التوزيع الديموغرافي لسوريا.

ويراهن النظام وحلفاؤه على ترحيل آلاف العائلات من الريف الدمشقي لتحصين العاصمة بحزام بشري مذهبي من الحاضنة الموالية للنظام ولإيران، وذلك على اعتبار أن دمشق وريفها من حصة طهران، في خريطة توزيع الحصص وفق خفض التصعيد المتفق عليه، وتقوم خطة التهجير أسوة بما حدث في مدن سورية مشابهة، على أساس البدء بمغادرة المقاتلين أولاً، ثم يخرج السكان بأعداد كبيرة إلى مناطق المعارضة.

ومضيًا نحو خطوات تحقيق ذلك، اعتبر قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 26 فبراير (شباط) الماضي، بفرض هدنة لمدة خمس ساعات بذريعة إدخال المساعدات الإنسانية -رغم أن الوضع لا يسمح بدخول القوافل- هو لإتاحة للمجال أمام انتقال المدنيين النازفة دماؤهم من سجن الغوطة الجماعي إلى مناطق النظام أو غيرها.

ولأن أهالي الغوطة لا يملكون أية خيارات تحت نيران مئات غارات الطيران والقصف المدفعي المكثف، ومع عدم وجود علامة على ضغط دولي حاسم لوقف الهجوم، قد يكون مصير الغوطة الشرقية هو نفس مصير المناطق الأخرى التي استعاد النظام السيطرة عليها، حين أصبحت الممرات الإنسانية طرقًا لهروب المقاتلين والمدنيين، يقول المعارض السوري «أسامة أبو زيد» أن: «العملية العسكرية التي تشنها قوات النظام بدعم روسيا وإيران في الغوطة الشرقية تهدف إلى طرد السكان السنة واستبدالهم بأجانب شيعة قادمين من عدة دول، ضمن مخطط إيراني هدفه إنشاء حزام شيعي يحيط بدمشق كما جرى في بغداد»، وتابع القول لـ«قناة الجزيرة»: «النظام يحاول تكرار ما حدث في داريا -إحدى أكبر مدن الغوطة الغربية لدمشق- التي وقعت اتفاقًا يقضي بخروج السكان ومسلحي المعارضة بعد سنوات من القتال والحصار. ورغم مرور أكثر من عام على تهجير أكثر من 300 ألف من سكان داريا، لم يسمح لهم النظام بالعودة على الإطلاق».

روسيا تعيد ترتيب أوراقها على دماء أهل الغوطة

مر يومًا على قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار في سوريا، في اليوم التالي وصلت طائرتين مقاتلتين روسيتين من الجيل الخامس المتطور (سو-57) مع عدد من الطائرات المقاتلة من طراز سو-30 إلى القاعدة العسكرية «حميميم» بسوريا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (المصدر: جيتي)

قدمت هذه المقاتلات لتنفيذ غارات في سوريا خلال الطلعات القتالية، وكذلك للتحقق من قدرة الرادارات على طائرات الدول الأخرى، فهي مقاتلات قادرة على التخفي عن أجهزة المراقبة، كذلك انضمت روسيا إلى التشكيلات المقاتلة التي تطوق الغوطة لدعم العمليات الحربية، وذلك لأول مرة منذ تدخلها المباشر لاستعادة منطقة كراجات العباسيين في مارس (آذار) 2017، فقد تغيّر التوزيع العسكري للميلشيات التابعة للنظام حين أضيف حضور روسي وإيراني على الجبهات التي تحاصر الغوطة.
وفي المحصلة، يُستدل على إعادة ترتيب الأوراق الروسية ميدانيًا بتمسك موسكو بخيار القضاء على الغوطة، فهي ترى في ذلك السبيل لإمساك زمام الأمور في سوريا ككل، تقول رئيسة تحرير جريدة تشرين سابقاً، الكاتبة السورية «سميرة المسالمة» : «سعت روسيا منذ نجاحها في إخراج حلب من معادلة الصراع في 2016 إلى الهيمنة على قرار طرفي الصراع السوري، وإبعاد المعارضة عن ما سمي بأصدقاء الشعب السوري، فحيث امتلكت قرار النظام من خلال تدخلها المباشر لحمايته، وفرت لها (القناة) التركية التأثير المباشر في المعارضة، التي روضتها من خلال مسار آستانة، ثم وفرت المناخ اللازم لقبول سوتشي مبدئياً، والتحايل على رفض الشارع لهذا المؤتمر، من خلال ضمان تمثيل تركيا للمعارضة في المؤتمر، وداخل أروقة إعداد مخرجاته، التي جاءت على مقاس تفاهمات آستانة ثلاثية الرعاية».

وتضيف في مقالها «ضحايا الغوطة في ميزان التفاوض لإنعاش آستانة»: «أيضاً هزيمتها الديبلوماسية التي تجلت بفشل مساعيها في توزيع الأدوار سياسياً، من خلال مؤتمر «سوتشي» الذي وضعها آنذاك أمام خيار التعاطي مع نقاط الـ12 لمبعوث الأمم المتحدة، منعاً لانهيار تفاهماتها التركية- الإيرانية، وحرصاً على بقاء شعرة معاوية مع الأمم المتحدة».

المجتمع الدولي «لا حيلة له»

«لا شيء يمكنه إيقاف مأساتنا، لماذا قد نؤمن بأنَّ العالم سيأتي لإنقاذنا؟ أولئك الذين يقتلوننا يعرفون أنَّ أحداً لن ينتقدهم»، هذا ما قالته السيدة «ميادة صبحي» التي تسكن في الغوطة الشرقية.

سواء سمعت «ميادة» بقرار مجلس الأمن الدولي الداعي لوقف إطلاق نار إنساني في سوريا أم لم تسمع، فالقنابل المتساقطة فوق مدينتها تجعل خيار الحرب هو الخيار الوحيد الحقيقي أمامها، وقد جاء في نص القرار الذي عدل عدة مرات على «كل الأطراف وقف الأعمال الحربية في أسرع وقت لمدة 30 يومًا متتالية على الأقل في سوريا من أجل هدنة إنسانية دائمة، لإفساح المجال أمام إيصال المساعدات الإنسانية بشكل منتظم وإجلاء طبي للمرضى والمصابين بجروح بالغة«.

شكليًا يبدو قرار مجلس الأمن مهمًا، لكن من الناحية العملية لا أحد يملك خطة للتصرف، سوى موسكو التي اختارت طريقًا واحدًا وهو إبادة سكان الغوطة – طالما كان بالإمكان- حتى تحقق أهدافها، وقد جاء في تقرير لصحيفة «هاندلسبلات» الألمانية أنه: «في الأثناء لا يقرر على كل حال سوى رجل واحد مصير سوريا: فلاديمير بوتين، ففي يد الرئيس الروسي يوجد مصير الأسد الذي كان سينهار منذ مدة لولا سلاح الجو الروسي والميليشيات الشيعية التي تتحكم فيها إيران. ومن يريد السلام لسوريا يجب عليه كسب موسكو»، وتضيف الصحيفة: «مسؤولية هذا البؤس يتحملها الغرب، صمته المدوي تجاه جرائم الأسد وعدم صرامته في التحرك، أوباما بوجه خاص عمل على إبعاد الولايات المتحدة الأمريكية من الشرق الأوسط، هو وحلفاؤه في الناتو رفضوا وقف البراميل المتفجرة للأسد الملقاة من طرف سلاح الجو بفرض منطقة حظر طيران بالوسائل العسكرية، وعندما كان الأسد يقف على عتبة الهزيمة، سارع بوتين لتقديم المساعدة له».

وردًا على هذا الموقف، قال قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال «جوزيف فوتيل» أن: «من الناحية الدبلوماسية والعسكرية تلعب موسكو دور كل من مشعل الحريق ورجل الإطفاء حيث تشعل التوترات بين كل الأطراف في سورية، ثم تلعب دور المحكم لحل النزاعات في محاولة لتقويض وإضعاف المواقف التفاوضية لكل طرف»، كما قال أن: «نشاطات إيران الخبيثة تشكل تهديداً طويل الأمد لاستقرار المنطقة».

وبمجرد إعلان واشنطن عن وجودها عسكرياً وسياسياً، فرضت الغوطة الشرقية على خارطة التحالفات الدولية، خاصة أنها تحظى بموقع جغرافي هام يكسبها ثقلاً عسكريًا ويمكنها من تغيير موازين الصراع لصالح من يسيطر عليها، كما أنها وقعت ضمن خطوط التجاهل من الولايات المتحدة ومن حلفاء المعارضة في المنطقة التي خرجت  الغوطة من نطاق صراعهم على النفوذ بعد تراجعهم عن مطلب إزاحة الأسد عن السلطة، ويؤكد ذلك على أن الولايات المتحدة لا تمتلك أي استراتيجية حول ما يجب فعله، فالغوطة تقع في اللامكان الأمريكي والإقليمي أيضًا.

يقول الكاتب «مصطفي فحص» أن: «الحاجة الروسية – الإيرانية المشتركة إلى الانتهاء من معضلة الغوطة، باتت ملحة من أجل إعادة صياغة التوازنات السياسية والميدانية على الساحة السورية، بعد أن ثبتت واشنطن سيطرتها على مناطق شرق الفرات الغنية بالثروات، ووضعت يدها على سوريا المفيدة اقتصادياً، واستخدمت القوة المفرطة بوجه كل من يحاول عبور نهر الفرات»، ويضيف في مقاله «حول ما يجري في الغوطة«: «أصبح الرد الإيراني – الروسي المشترك على الحضور الأميركي في المشهد السوري يتطلب تأمين توازن جيو – استراتيجي مع واشنطن، يستدعي تحقيق نقلة ميدانية بالوصول إلى سوريا المفيدة جغرافياً، التي تمتد من سواحل البحر المتوسط إلى الحدود اللبنانية والأردنية والفلسطينية».

مسارات معركة «الغوطة»

يمكن تحديد مسارات الوضع في الغوطة، كما يقدمها مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، في ثلاثة مسارات محتملة أولها، استبعاد نجاح النظام السوري في إحكام سيطرته على الغوطة، وهو «احتمال يعززه انقسام قوى المعارضة المسلحة في المنطقة، بسبب تصاعد حدة الصراع على النفوذ ومصادر التمويل، حيث يسيطر جيش الإسلام على حوالي 53% من الغوطة، بينما تتواجد كل من هيئة تحرير الشام وفيلق الرحمن وحركة أحرار الشام في ما تبقى» حسب المركز.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (المصدر: مونت كارلو الدولية)

أما المسار الثاني، فيتعلق بـ «استمرار المعركة دون حسم، خاصة في حالة عدم تطبيق قرار مجلس الأمن، مع الوضع في الاعتبار القدرات البشرية والمهارات القتالية التي تمتلكها الميليشيات المسلحة مقارنة بالجماعات الأخرى الموجودة في مناطق مختلفة داخل سوريا، وهو ما يعني أنه لا يمكن استبعاد احتمال تمكن تلك الميليشيات من مواجهة العمليات التي يشنها النظام، على نحو يفرض حدودًا للتقدم الذي قد يحققه النظام»، وفيما يخص المسار الثالث وهو مستبعد حاليًا على الأقل، ويتعلق  بـ«احتمال هزيمة النظام وبقاء الوضع على ما هو عليه، ويتم ذلك في حالة تدخلت قوات عسكرية خارجية بدرجة يمكن أن تغير من توازنات القوى في غير صالح النظام».

المصادر

تحميل المزيد