سيحمل شتاء 2020 وربيعه الكثير من الذكريات المميزة، فبعد هجمة فيروس جديد من عائلة الكورونا مسببًا الجائحة العالمية لمرض كوفيد-19، صار قرار المكوث في المنزل لفترة طويلة قرارًا حكيمًا، سواء كان كرهًا أو طواعيةً. فللمرة الأولى ينصح الأطباء جموع البشرية بالمكوث في المنزل بعد أن كانت نصيحتهم الذهبية هي الخروج باستمرار للتريض واستنشاق هواء نقي، والترويح عن النفس، وعدم الاستسلام للوحدة.

ومن هنا بدأ الجميع في البحث عن جوانب إيجابية للجلوس في المنزل، لعل من أهمها التفرغ لمراقبة عاداتنا وسلوكياتنا اليومية، ومنها سلوكنا مع الطعام. فلا عجب أن بعض السلوكيات الغذائية تعد مؤشرًا لمرض عضوي أو نفسي، لكن بعضها الآخر قد يعد مرضًا يستلزم العلاج في حد ذاته.

بداية لكي يوصف أي سلوك غذائي مختلف بكونه اضطرابًا، يجب أن يستمر هذا السُّلوك فترةً من الوقت، ويسبب ضررًا لصحة الشخص الجسدية أو يعطل قدرته على القيام بوظائفه، أو أن يؤثر هذا السلوك الغذائي سلبًا في تعاملاته مع الآخرين وعلاقته بهم. قد يكون تغيير السلوكيات الغذائية في نوعية أو كمية الطعام المُتناوَل، أو عدم قدرتك على التحكم في سلوكك الغذائي، أو أن تجد نفسك تلجأ إلى طرق لإخرج هذا الطعام من جسدك بعد تناوله قسرًا!

في هذا التقرير سنلقي الضوء على بعض الاضطرابات النفسية التي تندرج تحت بند اضطرابات الأكل أو «Eating Disorders».

1.فقدان الشهية العصبي.. ملعقة أرز تكفيني لأيام!

«Anorexia nervosa» واحد من أشهر اضطرابات الطعام، خاصة في السيدات والفتيات. قد يبدو من اسمه أنه عزوف الشخص عن الأكل لعدم شعوره بالجوع، لكن الحقيقة قد تكون غير ذلك تمامًا، فالسمت المميز لفقدان الشهية العصبي هو الخوف غير المبرر من زيادة الوزن، والمحاولة المستميتة لإنقاص الوزن بشتى الطرق، مهما بلغ وزنهم حدًّا منخفضًا بشكل يؤثر في حياتهم.

البعض بالفعل يصل إلى ممارسات غذائية قاتلة، مثل تناول شريحة تفاح على الأفطار أو معلقة بازلاء على الغداء. وفي بعض الأحيان يختل اتزان الأملاح والمعادن في الجسم، ويضطر الأطباء إلى تعويضهم طبيًّا وإعادة إدخال المواد المغذية بطريقة شديدة الدقة؛ لأن التصحيح المفاجئ قد يضر أجسامهم.

Embed from Getty Images

متى عليك أن تنتبه؟

  • إذا وجدت الفكرة المسيطرة على تفكيرك هي أنك بدين، مهما توقف مؤشر الميزان عند رقم منخفض.
  • إذا وجدت نفسك تتخذ إجراءات عنيفة لفقدان وزنك، مثل تقليل الطعام بشدة حتى لو كنت جائعًا، أو التريض بعنف، أو محاولة التخلص من الطعام بعد تناوله بالتقيؤ، أو الوصفات الملينة، أو المدرة للبول.
  • إذا بدأ مؤشر كتلة الجسم لديك في الوصول إلى 17 أو أقل (حاصل قسمة الوزن بالكيلوجرام على مربع الطول بالمتر).
  • أحيانًا يصاحب فقدان الشهية العصبي، اضطرابات في الدورة الشهرية لدى السيدات والفتيات.

2. اضطراب الشراهة للطعام.. الأكل يُغريني ولا أستطيع التوقف

الجوع احتياج بيولوجي طبيعي، والسعي لإشباعه فطرة لا جدال فيها، لكن إذا تحول الطعام إلى هدف يفقدك السيطرة على نفسك أمامه، فهناك مشكلة.

في هذا الاضطراب المعروف باسم «Binge eating Disorder» يعاني الشخص من نوبات متكررة يفقد فيها سيطرته على نفسه أمام الطعام، يأكل كميات كبيرة وبسرعة شديدة، وقد لا يتمكن من التوقف برغم شعوره غير المريح بالامتلاء بعد كل هذه الكميات. يشعر الشخص أحيانًا بالإحراج من الكميات التي يتناولها من الأطعمة، فيختلي بنفسه ويأكل وحيدًا، ثم ينتابه شعور عميق بالذنب والتقزز من نفسه بعد الانتهاء من الطعام. وتتكرر هذه النوبات بشكل أسبوعي على الأقل. إذا كنت تعرف هذه المشاعر والسلوكيات، فأنت بحاجة إلى مشورة طبيب.

3. النهم العصبي.. سآكل كثيرًا الآن ثم أتقيأ لاحقًا

يعاني الشخص المصاب بالنهم العصبي (Bulimia nervosa) من نوبات متكررة لفترات طويلة من فقدان القدرة على كبح جماح نفسه أمام الطعام، ويسرف في تناول كميات ضخمة منه بسرعة كبيرة، وفي وقت قصير بشكل لا يحتاجه جسده. هذه النوبات تنتهي بإحساس عميق بالذنب والخزي والعار، كأنما ارتكب جريمة نكراء، على عكس الإشباع الطبيعي للجوع الذي ينتهي بارتياح بعد الأكل.

لحظة واحدة! أليس هذا هو نفسه اضطراب الشراهة للطعام؟

الحقيقة أن التشابه بينهما يبدو كبيرًا، لكن الفارق الجوهري هو أن الشخص الذي يعاني من النهم العصبي يلجأ إلى إجراءات للتخلص من الطعام بعد تناوله، أما اضطراب الشراهة فلا. بل إن مريض النهم العصبي قد يشبه مريض فقدان الشهية العصبي في أنه يمارس سلوكيات لتخفيض وزنه بشكل مبالغ فيه، مثل التقيؤ قسرًا، والتريض بعنف، وخلافه. كما أن النهم العصبي يصاحبه انشغال دائم بصورة الجسد، وضيق مستمر من وزن الشخص الزائد، سواء كان وزنه زائدًا بالفعل، أم وزنًا مثاليًا، ويعاني من خوف مستمر من أن يتسبب الطعام في إكسابه بضعة كيلوجرامات.

اختصارًا يمكنك أن تشك في إصابتك بالنهم العصبي إذا وجدت هذه المواصفات في سلوكك الغذائي:

  • الانشغال الزائد عن الحد بوزنك وشكل جسمك.
  • تناول كميات كبيرة من الطعام في وقت قصير.
  • الشعور بفقدان السيطرة على الذات وعدم القدرة على التوقف أثناء تناول الطعام.
  • الشعور بالضيق والذنب بعد تناول الطعام.
  • محاولات التخلص من الطعام بالتقيؤ أو الوصفات والأدوية الملينة أو المدرة للبول.

4. متلازمة الأكل الليلى.. الطعام أشهى في الليل وآخره!

إذا كانت شهيتك للطعام ضعيفة للغاية طوال فترة النهار، ويبدأ الجوع في التسلسل مساءً، ثم تختتم سهرتك بساعات من الأرق المضني، وهكذا دواليك، فربما أنت تعاني من (Night eating syndrome) أو ما يعرف أيضًا باضطرابات الأكل المتعلقة بالنوم «(sleep-related eating disorder (sred».

Embed from Getty Images

قد يبدو هذا الوصف منطبقًا على الكثيرين، خاصة مع الانشغال طوال النهار بأعمال مختلفة، ولا يتسع الوقت لإعداد الطعام إلا مساءً. ثم يظهر وقت الفراغ ليلًا أمام التلفاز أو مواقع التواصل الاجتماعي، وما يصاحب هذا الفراغ من «تسالي». بالطبع هذا يحمل الكثير من العادات الغذائية الخاطئة، لكن لكي يستحق الأمر مراجعة طبيب نفسي، فهناك بعض العلامات التي تدق ناقوس الخطر، منها:

  • استهلاك أكثر من 25% من طعامك اليومي بعد وجبة المساء.
  • صعوبات في الدخول إلى النوم أو الحفاظ على استقراره أربع أو خمس ليال أسبوعيًّا.
  • انخفاض معنوياتك، وتردي حالتك النفسية خاصة في ساعات المساء والليل.
  • إذا ارتبط لديك النوم بضرورة تناول الطعام.
  • استيقظت من النوم مرتين في الليلة الواحدة تحت سطوة الجوع.
  • أما إذا لم تتذكر أنك استيقظت من النوم لتناول الطعام إطلاقًا! وأخبرك الآخرون بذلك، أو وجدت بقايا طعام على المائدة، أو فقدت طعامًا من الثلاجة.. فيجب مراجعة طبيب نفسي.

هل هذه هي كل الاحتمالات الممكنة لاضطرابات الأكل؟

بالطبع لا، هناك أشكال كثيرة من أنماط اضطراب علاقة الإنسان بالطعام، والحقيقة أن تصنيفها وتقسيمها هو أمر يخص الطبيب النفسي فقط؛ ليقرر أسلوب العلاج المناسب. المأزق هنا أن الكثيرين يعانون في صمت دون أن يدركوا أنهم ليسوا وحدهم في هذه المعاناة، بل إن هناك من يمكنه مد يد العون لانتشالهم من معاناتهم. لذا عليك ملاحظة سلوكك الغذائي كأول خطوة في التشخيص، ولا تتردد في طلب المساعدة من الطبيب النفسي كأول خطوة في العلاج.

صحة

منذ 8 شهور
كيف يُمكنك السيطرة على نهم الأكل عند التوتر؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد