بعد أن خاضت كلٌّ من الولايات المتحدة وإيران ست جولات مثمرة – بحسب كلٍّ – في المفاوضات النووية غير المباشرة بين البلدين في فيينا، والتي بدأت منذ شهر أبريل (نيسان) الماضي، علّقت هذه المفاوضات في الأسابيع الستة الماضية، أي بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية، وانتخاب الأصولي إبراهيم رئيسي، ليكون رئيسًا للبلاد.

يتسلّم رئيسي اليوم الحكومة من سلفه حسن روحاني، المهندس الأصلي للصفقة النووية، ومن المفترض أن الرئيس الثامن لإيران سيستكمل المفاوضات المعلقة الآن بفريقٍ نووي مفاوض جديد، فكيف سيتعامل رئيسي الآتي من السلطة القضائية مع الملف النووي لبلاده؟

ملف النووي ينتقل إلى يد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني

قرر إبراهيم رئيسي، الرئيس المنتخب حديثًا، تشكيل فريق خاص يشرف عليه ليتولى ملف مفاوضات إحياء الاتفاق النووي في فيينا، وتسلّم الفريقُ الملف النووي من وزير خارجية حكومة حسن روحاني، محمد جواد ظريف.

وكانت أول خطوة يتخذها رئيسي في هذا الصدد نقل الملف النووي من وزارة الخارجية المنتهية ولايتها، إلى المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.

وجديرٌ بالذكر أنّ الملف النووي لطالما كان من اختصاصات المجلس، ولكنه نُقل إلى وزارة الخارجية بعد تولّي حسن روحاني الرئاسة عام 2013، وبتحويل الملف إلى مؤسسة دبلوماسية لا أمنية، بإبرام الاتفاق النووي عام 2015.

وبالعودة إلى الوقت الحالي يُشرف الآن على المفاوضات سكرتير المجلس، علي شمخاني، وشكّل رئيسي لجنةً جديدة باسم «لجنة تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة»، والمكوّنة من عدد من الساسة الأصوليين المناهضين للاتفاق النووي منذ بدايته، وهم: النائب البرلماني الأصولي مجتبى ذو النور، وهو أيضًا رئيس لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية بالبرلمان الحالي، ووحيد جلال زاده برلمانيّ أصولي، وعبد الرضا المصري وهو النائب الثاني لرئيس البرلمان الحالي، وسفير إيران سابقًا لدى فنزويلا في عهد محمود أحمدي نجاد.

وتضمُّ اللجنة ممثلين للرئيس وهما: علي حسيني تاش، نائب الشؤون الإستراتيجية في المجلس الأعلى للامن القومي، وقائد سابق في الحرس الثوري، والدبلوماسي السابق علي باقري كاني، وهو من أقوى الأسماء المترشحة لوزارة الخارجية في حكومة رئيسي المقبلة، وتولى منصب نائب سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي خلال الفترة المتأزمة التي أحاطت بالبرنامج النووي الإيراني بين عامي 2007 و2013.

Embed from Getty Images

من مفاوضات النووي في العاصمة النمساوية فيينا

وفي حديث لـ«ساسة بوست»، يقول دبلوماسيّ إيراني، فضّل عدم ذكر اسمه: «رأت لجنة تنفيذ الاتفاق النووي أن حكومة روحاني لم تحقق أي إنجاز خلال الجولات الست في فيينا، وحتى الآن لم ترفع العقوبات عن إيران».

وبحسب المصدر فإن هذه اللجنة التي شكّلت خلال الأسابيع القليلة الماضية، لديها قائمة من الطلبات ستطرحها بعد استئناف المفاوضات غير المباشرة مع أمريكا: «مطالب اللجنة واضحة وتتماشى مع آراء السيّد علي خامنئي».

ما مطالب فريق رئيسي؟

حدّد فريق السياسة الخارجية للرئيس المنتخب حديثًا، إبراهيم رئيسي، أربعةَ مطالب ستكون مطروحة على طاولة المفاوضات، في حال استأنفت إيران المفاوضات في فيينا، وهي كالآتي:

أولًا: رفع جميع العقوبات النووية وغير النووية

يرى رئيسي وفريقه للسياسة الخارجية أن أول مطلب يجب أن تنفذه الولايات المتحدة هو رفع جميع العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، منذ أن انسحبت من الصفقة النووية في مايو (أيار) 2018.

وكانت إدارة ترامب قد فرضت الكثير من العقوبات على طهران في السنوات الثلاث الماضية، فيما يعرف بـ«جدار العقوبات»، فضلًا عن العقوبات المتعلقة بالنووي، وقد اتسعت لتشمل عقوبات أخرى بسبب التحركات الإيرانية في المنطقة التي تصفها الولايات المتحدة بـ«الإرهابية» أو «الداعمة للإرهاب»، وبسبب سجل إيران الضعيف في ملف حقوق الإنسان. وكان هدف إدارة ترامب من بناء «جدار العقوبات» هو ضمان انهيار الاقتصاد الإيراني، وعرقلة أيّة محاولات مستقبلية لأي إدارة أمريكية جديدة تحاول العودة إلى اتفاق عام 2015.

وفي حديثٍ لـ«ساسة بوست» مع نصر الله تاجيك، الدبلوماسي الإيراني السابق، وخبير الشؤون الدولية، يقول: «يسعى فريق رئيسي إلى إنهاء ما يعرف بعقوبات (CAATS)، ورفع العقوبات المفروضة على الحرس الثوري، والمقربين من خامنئي، وجميع العقوبات ذات البعد السياسي التي أقرتها إدارة دونالد ترامب».

وتجدرُ الإشارة إلى أنّ ما يعرف بعقوبات «CAATS»، أو «قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات»، هو قانون شرّعه الكونجرس عام 2017، ليكون إطارًا لفرض العقوبات على الدول المتعاونة مع خصوم للولايات المتحدة، مثل إيران، وكوريا الشمالية، وروسيا.

ويبدو أن هذا المطلب الإيراني من الصعب أن تنفذه إدارة جو بايدن الحالية، فحتى لو رفعت العقوبات الأخرى، ستُنتقد إدارته في واشنطن لأن كثيرًا من الديمقراطيين يرونَ أن العقوبات المرتبطة بحقوق الإنسان و«دعم الإرهاب» في المنطقة هي الردُّ الأمثل على سياسات إيران في المنطقة، ولا يجب التخلي عنها.

ويرى تاجيك أنّ إدارة بايدن لن تستطيع رفع جميع العقوبات، خاصةً مع معارضة الديمقراطيين لرفع العقوبات المتعلّقة بملفات حقوق الإنسان و«دعم الإرهاب»، ويقولُ تاجيك: «يهتمُّ الديمقراطيون في أمريكا بملف حقوق الإنسان، ولن تستطيع إدارة بايدن أن تقنع أنصارها بأن يتم رفع العقوبات غير النووية عن إيران، سيلاقي الأمر معارضة شديدة داخل الولايات المتحدة، وأرى أن بايدن لا يمكنه مواجهة هذا الأمر».

أما الدبلوماسي الإيراني المُطلع على المفاوضات النووية، فيقول لـ«ساسة بوست»: «في الجولات الأخيرة من المحادثات في فيينا، وافقت الولايات المتحدة على رفع العقوبات عن البنك المركزي الإيراني؛ مما سيسهل الطريق أمام إيران لإجراء المعاملات المصرفية»

وبالرغم من ذلك، فمن غير المتوقع أن يتخلى فريق رئيسي للسياسة الخارجية عن هذا المطلب الذي أكد عليه خامنئي مرارًا وتكرارًا، وكان ضمن شروطه الأساسية لإعادة التفاوض غير المباشر مع أمريكا.

Embed from Getty Images

الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي

ثانيًا: رفع العقوبات وليس تعليقها فقط

يرى فريق رئيسي أن تعليق العقوبات المفروضة على إيران لن يعود بأية فائدة اقتصادية على البلاد؛ لأنه بمجرد إصدار أمر تنفيذي رئاسي من الرئيس الأمريكي يمكن أن تعود العقوبات مرة أخرى بمنتهى السهولة، ولذا يطالبون بالرفع الكامل، وليس مجرد التعليق للعقوبات.

ويطلبُ الفريق تطبيع التعاون التجاري مع إيران، والسماح لإيران باستئناف التجارة الدولية التي توقفت فور الانسحاب أحادي الجانب من إدارة ترامب.

ويرى تاجيك أن أمر تطبيع التجاري مع إيران هو من أصعب المطالب التي وضعها فريق رئيسي، فيقول لـ«ساسة بوست»: «يريد رئيسي وفريقه أن تصبح إيران حرة تمامًا في تجارتها مع العالم، وأن تستطيع التصرف في عائدات النفط، وجذب الشركات الاجنبية للاستثمار في البلاد، وهذا الأمر صعب للغاية؛ لأنه يتطلب من إيران قبل الولايات المتحدة، الموافقة على التشريعات المتعلقة بمجموعة العمل المالي للخروج من القائمة السوداء، وطمأنة الشركات الأجنبية للتعامل بأمان مع النظام المصرفي الإيراني».

منطقة الشرق

منذ 3 شهور
خلافات خطيرة ولكن.. لماذا يريد بايدن ورئيسي إنجاحَ محادثاتِ فيينا؟

ويعلق فريدون موسوي، باحث إيراني في الشؤون الدولية، على هذا الطلب قائلًا: «يريدُ رئيسي من الولايات المتحدة إزالة الحواجز أمام المعاملات المصرفية الإيرانية، وإزالة العقبات أمام الشركات الأجنبية للاستثمار في إيران، ولكن هذا الأمر لا تقع مسئوليته بالكامل على واشنطن. البرلمان الإيراني الحالي رفض إقرار التشريعات اللازمة والخاصة بمجموعة العمل المالي للخروج من القائمة السوداء، وضمان إجراء المعاملات المصرفية بسهولة مع العالم».

ولطالما حاولت حكومة الرئيس الإيراني المنتهية ولايته، حسن روحاني، إقناع البرلمان الإيراني بضرورة تمرير مشاريع القوانين المتعلقة بمجموعة العمل المالي، وهي مؤسسة دولية مقرها باريس، تهدف لمكافحة غسيل الأموال، و«تمويل الجماعات الإرهابية»، ولكن عارض هذا التوجه النواب الأصوليون المسيطرون على البرلمان، ورأوا أنه يسمح بالتدخل في الشؤون المالية الخاصة بإيران.

وعلى الجهة المقابلة يبدو أن إدارة جو بايدن لن توافق على رفع العقوبات، بدلًا عن تعليقها بشكل كامل، ويعلّق موسوي على هذا الشأن في حديثه مع «ساسة بوست» قائلًا: «العقوبات أداة الولايات المتحدة للسيطرة على تصرفات إيران، حتى وإن بدت إدارة بايدن راغبةً في تعليق بعض العقوبات، إلا أنها غير راغبة في التخلي عن هذا السلاح لكبح جماح إيران النووية».

ثالثًا: ضمانات بعدم انسحاب الولايات المتحدة مرة أخرى

طلب الفريق الإيراني المفاوض من الولايات المتحدة، قبل تعليق المفاوضات، أن تقدم ما يطمئن إيران بعدم تكرار ما فعلته إدارة ترامب، بتقديم التزام كتابيّ يمنع أية إدارة أمريكية مستقبلية من الانسحاب من الاتفاق النووي، وردّت الولايات المتحدة بطلبٍ مماثل، وهو تقديم إيران لالتزام كتابي يلزمها بالتفاوض على صفقة أكبر تشملُ البرنامج الصاروخي الإيراني والسياسات الإقليمية، وذلك بعد العودة إلى الصفقة النووية.

ويقول الدبلوماسي الإيراني السابق، وخبير الشئون الدولية، نصر الله تاجيك لـ«ساسة بوست»: «لا يمكن لأي من الطرفين توقيع مثل هذه الالتزامات في الاتفاق النووي» مشيرًا إلى الصلاحيات التنفيذية لمنصب الرئيس الأمريكي التي تمكّنه من سحب هذا الالتزام حتى لو كان موقعًا؛ إذ يظلُّ مجرد التزام «وليسَ معاهدة يصوت عليها الكونجرس»، ويشيرُ تاجيك إلى صعوبة التفاوض على برنامج الصواريخ الباليستية لكونها خطًا أحمر في طهران، وغير مطروح للتفاوض من الأساس.

وبحسب الدبلوماسي الإيراني المُطلع على سير المفاوضات، في الجولة السادسة والأخيرة من المفاوضات، اتفق كلا الفريقين الإيراني والامريكي على تجاوز هذا المطلب، الذي طالبت به بعض القوى السياسية الأصولية المناهضة للاتفاق النووي من الأساس، والاكتفاء بما أعلنته إدارة ترامب عن نيتها الصادقة باسترجاع الاتفاق النووي، وعدم الانسحاب منه.

وعدَّل فريق رئيسي هذا الطلب قليلًا ليكون «توافق الولايات المتحدة على بند يجعل من الانسحاب الأمريكي المستقبلي المحتمل من الصفقة مشروطًا بموافقة الأمم المتحدة»، ويرى الباحث السياسي موسوي أن هذا الأمر أيضًا يصعب تحقيقه؛ لأن «هذا الشرط يبدو تعجيزيًا، وفريق رئيسي يعلم ذلك. المناورة لرفع العقوبات ممكنة، ويمكن لواشنطن أن تبذل جهدًا أكبر لرفع أكبر عدد من العقوبات، ولكن لا يوجد ضمان بشأن الانسحاب الأمريكي من عدمه».

وردًا على هذا المطلب قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن: «لا يوجد شيءٌ اسمه ضمان»، وأكّد على ذلك روبرت مالي، المبعوث الأمريكي الخاص لإيران، قائلًا: «هذا ليس من طبيعة الدبلوماسية. ليس لدينا أية نية، والرئيس بايدن ليس لديه نية أيضًا، لقضاء كل هذه الأشهر في التفاوض على العودة إلى الصفقة، من أجل الانسحاب بعد ذلك».

وردًا على هذا المطلب قال روبرت مالي، المبعوث الأمريكي الخاص لإيران: «لا وجود لضمان مثل هذا، فهذا ليس من طبيعة الدبلوماسية… ليس لدينا أي نية والرئيس بايدن ليس لديه نية أيضًا، لقضاء كل هذه الأشهر في التفاوض على العودة إلى الصفقة، من أجل الانسحاب بعد ذلك».

Embed from Getty Images

روبرت مالي، المبعوث الأمريكي الخاص بإيران وقائد الوفد التفاوضي الأمريكي

ويأتي هذا الطلب الإيراني تحسبًا لتبدّل الإدارات الأمريكية، رغم معرفة قيادة إيران برغبة إدارة بايدن المُعلنة منذ اليوم الأول للتوصل إلى اتفاق نووي، وتفاديًا لتكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من الاتفاق، مثلما حصل مع إدارة ترامب.

رابعًا: التحقق الإيراني من رفع العقوبات

طلب التحقق من رفع الولايات المتحدة للعقوبات المفروضة على طهران هو مطلب أشار إليه الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، منذ أشهر قليلة قائلًا: «على الأمريكيين رفع جميع العقوبات، ثم نتحقق من الأمر، وبعد ذلك نعود إلى الوفاء بالتزاماتنا النووية، هذه سياسة محددة ولا جدال فيها».

وأكَّد فريق السياسة الخارجية لرئيسي على هذا المطلب، ولكن الفريق زاد من صعوبة الشرط قليلًا، معلنًا أنّ عملية التحقق من رفع العقوبات ستتطلب وقتًا طويلًا، ومن ضمن الآليات التي ستستخدم لهذا الأمر التصدير غير المقيد للنفط الخام الإيراني، بطريقة ومجة زمنية تُطمئن مخاوف الدول المستورِدة من إيران بأنها لن تتضرر من العقوبات الأمريكية، وأخيرًا يؤكّد الفريق على استخدام إيران للإيرادات النفطية بحرية تامة بعدما قيّدت بالعقوبات سابقًا.

ويقول موسوي لـ«ساسة بوست»: «إدارة روحاني أعلنت سابقًا أنه يمكنها التحقق من رفع العقوبات في أقلّ مدة زمنية، ولكن فريق رئيسي يريد أن يظهر بمظهر أقوى من الحكومة السابقة في الأخذ بالإجراءات الصارمة».

تجب الإشارة هنا إلى أن التقرير الأخير والنهائي الذي قدمه وزير الخارجية الإيراني ظريف إلى لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني لا يتضمن أية إشارة إلى مسألة التحقق من رفع العقوبات، ولا تقديم الضمانات الأمريكية بعدم الانسحاب من الصفقة النووية في المستقبل، ولا يشمل أيضًا الحديث عن رفع بعض العقوبات غير النووية.

خامنئي يزيد من صعوبة التفاوض

في اجتماعه الأخير بحكومة حسن روحاني المنتهية ولايتها، يوم الأربعاء الماضي 28 يوليو (تموز) 2021، اتهم خامنئي الولايات المتحدة بالازدواجية في التعامل مع إيران، وقال: «تجربة حكومة حسن روحاني في التفاوض مع أمريكا تجربة مهمة يجب أن تتعلم الاجيال القادمة، منها عدم الثقة في الغرب»، بدا الأمر وكأنه توبيخٌ لروحاني ووزير خارجيته ظريف، اللذين وضعا جميع آمالهم على الاتفاق النووي، ثم دمّره الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بجرة قلم.

ويرى الباحث السياسي فريدون موسوي أن خامنئي يعيد تشكيل خارطة الطريق للمفاوضات مع الولايات المتحدة، فيقول لـ«ساسة بوست»: «في اجتماعه بحكومة روحاني قبل تركها السلطة، أكّد خامنئي على فشل الحكومة في إنجاح الاتفاق النووي بسبب ثقتهم في الغرب والولايات المتحدة، وهو ما يرسل برسالة ضمنية لحكومة رئيسي المقبلة… بأنهم يتفاوضون مع طرف غير جدير بالثقة» وبمعنى آخر يحثُّ خامنئي «رئيسي وفريقه على انتزاع الكثير من المكاسب، مقابل تقديم القليل من التنازلات، حتى لا يقعوا في نفس الفخ الذي نصبته أمريكا لروحاني».

الرئيس الإيراني المنتخب حديثًا رئيسي، والتلميذ المخلص لقائده خامنئي، يفهمُ هذه الرسالة جيدًا، ومصمم هو وفريقه على عدم التخلي عن أي من مطالبهم السابق ذكرها، وعبّر رئيسي عن هذا الأمر خلال حملاته الانتخابية قائلًا: إن «إدارة روحاني حرمت الإيرانيين من الاستفادة من الاتفاق النووي، بعدم محاسبتهم للغرب بعد تخليهم عن الصفقة»، وفي الحقيقة هذا التحليل منتشرٌ في المعسكر الأصولي، فدائمًا ما ينتقد معارضو روحاني اتفاقية عام 2015؛ بحجة أنها فرضت الكثير من القيود على البرنامج النووي الإيراني، مقابل القليل من المكاسب.

Embed from Getty Images

حسن روحاني، الرئيس الإيراني المنتهية ولايته

تشاؤم في واشنطن

بالرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي جو بايدن في السابق على أن الانتخابات الرئاسية الإيرانية لن تؤثر في المفاوضات النووية في فيينا، والتي تهدف إلى إحياء الاتفاق النووي، إلا أن ما حدث هو العكس؛ إذ يغلب التشاؤم على تصريحات مسئولي إدارة بايدن فيما يخص التفاوض مع إيران، خاصةً بعد تعليق طهران لجولات التفاوض.

لربما اعتقد الفريق المفاوض الامريكي أن نظيره الإيراني سيعود على الفور، وقبل تنصيب الرئيس الأصولي الجديد، إلى طاولة المفاوضات لاستكمال الجولات الست، واستعادة الصفقة النووية المنهارة منذ حوالي ثلاث سنوات، ولكن ما حدث كان عكس ذلك، ولا أحد يعلم متى ستستأنف الحكومة الإيرانية الجديدة المفاوضات.

كما أن المطالب الصارمة التي وضعها فريق رئيسي للسياسة الخارجية لا تبعث على التفاؤل، ويقول روبرت مالي كبير المفاوضين الأمريكيين: إنّ «هناك خطرًا حقيقيًا من أنهم يعودون بمطالب غير واقعية بشأن ما يمكنهم تحقيقه في هذه المحادثات».

وما يحدث على أرض الواقع في إيران يزيد من تشاؤم إدارة بايدن بشأن استعادة سريعة للصفقة النووية في المستقبل القريب، فقد منعت إيران المفتشين الدوليين من زيارة المنشآت النووية في البلاد، بموجب قانون صوَّت عليه البرلمان الإيراني في بداية العام الجاري، يُلزم الحكومة السابقة بعدم تنفيذ البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما يمنع عمليات التفتيش الدولية للمنشآت النووية في البلاد.

ويقول موسوي لـ«ساسة بوست»: «الأمريكيون الآن أمام ضغط كبير من الإيرانيين، فقد انتهت المهلة المحددة لدخول المفتشين إلى المنشآت النووية، وتزيد إيران من معدلات تخصيب اليورانيوم، والوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تستطيع رؤية ما يجري في مواقع التخصيب الإيرانية».

زادَ الإيرانيون من أجهزة الطرد المركزي المتطورة في منشأة نطنز النووية، وواصلوا إجراء الأبحاث النووية وتحويل اليورانيوم إلى شكل معدني، وتقول إيران: إن هذا يكون لأغراض طبية، ولكن يخشى الأمريكيون وأوروبا من أن تصبح إيران على مقربة من الحصول على قنبلة نووية، وقادرة على تطوير التكنولوجيا الخاصة بالرؤوس النووية.

وتعقيبًا على هذه التطورات أعرب عن قلقه روبرت مالي، المبعوث الأمريكي الخاص بإيران، وكبير المفاوضين الأمريكيين، وقال: «في هذه المرحلة سيتعين علينا إعادة تقييم الطريق، نأمل ألا يحدث ذلك».

ويقول الدبلوماسي الإيراني السابق، وخبير الشؤون الدولية، نصر الله تاجيك، لـ«ساسة بوست»: «لم يتخيل الأمريكيون مقدار العقبات التي وضعها فريق إبراهيم رئيسي أمام استكمال المفاوضات، وهذا ما كانت تخشاه حكومة روحاني، لذلك كانت تسابق الزمن للعودة إلى الاتفاق النووي قبل تولي رئيسي المنصب، ولكن لم يحدث ذلك».

«درس للمستقبل»

قبل ثلاثة أيام من تنصيب رئيسي، نشرَ الموقع الرسمي للزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، مقطعًا مصورًا بعنوان: «درس للمستقبل»، يتناول مقتطفات من خطابات متنوعة للسيد علي خامنئي بخصوص التفاوض مع الولايات المتحدة، منذ عام 2012 إلى وقتنا هذا.

وفي أحد مقاطع الفيديو القصير الذي لا يتجاوز خمس دقائق، يظهر خامنئي في اجتماع مع عدد من المسؤولين الإيرانيين، من بينهم الرئيس الإيراني الراحل، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وهو يقول: «كان لدي بعض الحجج بخصوص التفاوض مع أمريكا، ولكن شخصًا ما قال ليس لدينا إجابة عليها»، ويظهر صوت رفسنجاني وهو يقول «نعم قلت ذلك»، في إشارة إلى عدم ثقة خامنئي في التفاوض مع الولايات المتحدة منذ سنوات.

Embed from Getty Images

حسن روحاني (يمين) الرئيس الإيراني المنتهية ولايته، وإبراهيم رئيسي، الرئيس الإيراني الجديد (يسار)

وفي جزء آخر من الفيديو، يقول خامنئي بخصوص فوائد الاتفاق النووي التي تحدث عنها الرئيس روحاني ورفسنجاني في وقت سابق، موجهًا حديثه إلى رفسنجاني: «الخسائر لم تكن له، ولكن الفوائد فقط»، في إشارة إلى أن روحاني سيستفيد من تفاوضه مع الولايات المتحدة، بينما ستقع المتاعب التي يتنبأ بها خامنئي على عاتق الشعب الإيراني.

هذا المقطع المصور، وتصريحات خامنئي في لقائه الأخير بحكومة روحاني، رسائلُ مباشرة إلى الحكومة المقبلة بقيادة رئيسي، للاستمرار في الضغط على الولايات المتحدة للحصول على المزيد من المكاسب، وعدم تقديم أي تنازلات مثلما فعلت حكومة روحاني، وفى نفس الوقت لا تحمل هذه الرسائل أية إشارة تدعو للامتناع عن استئناف المفاوضات النووية في فيينا.

يقول فريدون موسوي لـ«ساسة بوست»: «يرغب خامنئي في استكمال المفاوضات في فيينا، أو منع التفاوض مع واشنطن بأي شكل من الأشكال، مثلما فعل أثناء ولاية ترامب، ولكنه يريد الانتصار هذه المرة، وتأمين مكسب اقتصادي قوي للحكومة المقبلة».

منطقة الشرق

منذ 3 شهور
إبراهيم رئيسي.. تلميذ خامنئي المفضل رئيسًا للجمهورية الإيرانية

المصادر

تحميل المزيد