يبدأ الأطفال في تنمية مهاراتهم اللغوية في الفترة ما بين سنتين إلى خمس سنوات بشكل تدريجي من خلال التفاعل مع الأشخاص المحيطين بهم، فيتعلمون الكلام من خلال ترديد الأصوات، والكلمات، والعبارات، التي يسمعونها من المحيطين بهم خلال الحياة اليومية، دون أن يدركوا معاني هذه الكلمات أو الأصوات التي يصدرونها، وتعرف هذه الظاهرة باسم «الإيكولاليا» أو (المصاداة) وترديد الكلام، فما هي؟

«الإيكولاليا».. تكرار وترديد الكلام

تعرف «الإيكولاليا» بأنها عملية تقليد، وتكرار الأصوات، والكلمات، والعبارات، التي يسمعها الأطفال من الأشخاص المحيطين بهم، دون أن يفهموا القصد منها، كأنهم صدى صوتي. كأن يردد الطفل الكلمات التي يسمعها من أحد الوالدين بشكل فوري فيما يعرف باسم «المصاداة الفورية»، أو أن يكرر أغنية سمعها، أو جزءًا من حوار لشخصية كرتونية، في سياق مختلف بعد فترة من الزمن فيما يعرف باسم «المصاداة المؤجلة».

لكن.. متى يبدأ الطفل في ترديد الكلام؟

يبدأ الطفل في استخدام ترديد الكلام، وتقليد المحيطين به، في الفترة من عمر سنة إلى عمر سنتين، ومع بداية عمر السنتين يبدأ الطفل في التعبير عن نفسه باستخدام مخزونه اللغوي الخاص عن طريق كلمات مناسبة للسياق اللغوي.

لكنه يستمر أيضًا في استخدام المصاداة وترديد الكلام الذي يسمعه في بعض المواقف التي لا يستطيع فهم معنى الكلام الموجه له فيها، كأن يسأله أحد الوالدين سؤالًا يصعب عليه تفسيره، أو فهمه؛ فيعيد تكرار السؤال دون أن يقدم إجابة.

Embed from Getty Images

تتطور المهارات اللغوية للطفل عند بلوغه السنة الثالثة من العمر، فتقل عملية تكرار الكلام بشكل تدريجي، ويبدأ الطفل في تكوين جمل بسيطة خاصة به، يستطيع من خلالها التواصل مع من حوله، إلى أن تكتمل عملية النمو اللغوي للطفل عند عمر خمس سنوات، ويستطيع الطفل حينها أن يتواصل بشكل طبيعي دون أي اضطرابات لغوية واضحة.

وهي خطوة نحو تطور طفلك اللغوي!

وضح دكتور إبراهيم زكي عبد الجليل استشاري علم النفس والاحتياجات الخاصة في كتابه مقياس الإيكولاليا أن ترديد الكلام جزء طبيعي من تنمية النضج المعرفي اللغـوي لدى الطفل، فأشار إلى أن النضج اللغوي للطفل يمر بمرحلتين:

المرحلة الأولى، وهي مرحلة «الأسلوب الايكولالي»، والتي يبدأ فيها الطفل بترديد الكلام والأصوات التي يلتقطها من الأشخاص المحيطين به دون أن يفهم معناها، أو السياق اللغوي المناسب الذي يمكن أن تُستخدم خلاله، مع التطور المعرفي اللغوي للطفل، والتقدم في العمر ينتقل الطفل إلى المرحلة الثانية في تعلم اللغة، وهي «الأسلوب التحليلي»، والذي يتعلم الطفل خلاله كيفية تحليل الطريقة التي تُستخدم بها اللغة في سياق الكلام المناسب، واختلاف معاني الكلمات وفقًا لاختلاف السياق الذي تقال فيه؛ الأمر الذي يُشكل معرفة الطفل اللغوية، ويُساعده على التواصل مع المحيطين به بشكل طبيعي ومتطور.

إذًا.. متى تتحول إلى اضطراب لغوي؟

تُشكل «الإيكولاليا» عائقًا أمام تطور النمو اللغوي لطفلك عندما لا يتخطى الطفل مرحلة الكلام بالأسلوب «الإيكولالي»، على الرغم من تقدمه في العمر، هنا يمكن أن نُطلق على المصاداة، أو ترديد الكلام، أنه اضطراب لغوي يتسبب بقصور في فهم اللغة الاستقبالية لدى الطفل؛ مما يضطره إلى إعادة تكرار الكلام الذي يسمعه.

Embed from Getty Images

يُقصد باللغة الاستقبالية اللغة المنطوقة التي يتلقاها الطفل من الأشخاص المحيطين به، أو من البيئة التي يعيش فيها، ويعد اضطراب المصاداة أحد الأعراض الشائعة لعدم قدرة الطفل على استيعاب اللغة الاستقبالية، والتي عادة ما يصاحبها اضطراب في اللغة التعبيرية، وهي اللغة التي يعبر بها الطفل عن نفسه فيكرر الكلام.

وما الذي قد يتسبب فيها؟

عادة ما تكون مصاداة الكلام عرضًا لبعض الاضطرابات التنموية، والتطويرية التي تصيب الأطفال، إلا أنها ارتبطت بشكل كبير باضطراب التوحد. إذ تُشير بعض الدراسات إلى أن نسبة 85% من أطفال التوحد الناطقين مصابون بالمصاداة وترديد الكلام؛ لذلك يشاع خطأ أن أي طفل يعاني من مصاداة وترديد الكلام هو طفل يُعاني من اضطراب التوحد.

في الحقيقة تعتبر مصاداة الكلام اضطرابًا مصاحبًا لمجموعة متنوعة من الاضطرابات الأخرى بما في ذلك الإعاقة البصرية، والإعاقة السمعية، وتأخر اللغة الاستقبالية، والحبسة الكلامية، والتأخر العقلي.

مصاداة الكلام وعلاقته ببعض الاضطرابات التنموية

1- «الإيكولاليا» والتوحد

يختلف بناء اللغة عند الأطفال التوحُديين عن الأطفال المتطورين، فبناء اللغة الطبيعية يبدأ تدريجيًا بترديد الأصوات، ثم المقاطع الصوتية، ثم الكلمات، ثم الجمل، إلى أن يكتسب الطفل اللغة على عكس ما يحدث مع الأطفال التوحديين، الذين ينمون اللغة بشكل عكسي، فيبدأون بترديد العبارات والجمل الطويلة دون فهم واضح لمعاني الكلمات.

لذلك يُعتبر ترديد الكلام أو المصاداة أحد أكثر خصائص الاتصال شيوعًا لدى الأطفال المصابين باضطراب التوحد، والتي كان يُعتقد قديمًا أنها حاجز أمام اكتساب أطفال التوحد للغة.

إلا أن «الجمعية الأمريكية للسمع والنطق واللغة (ASHA)» نشرت على موقعها الإلكتروني مقالًا توضح فيه الدور المهم الذي يلعبه اضطراب مصاداة الكلام في تطوير اللغة، والتواصل مع الأشخاص المصابين بالتوحد من خلال ما يلي:

  • يعتبر ترديد الكلام سلوكًا لفظيًا، وليس مجرد ترديد صوتي للكلام، مع تكرار الطفل للكلام الذي يسمعه، وبمساعدة أخصائي التخاطب، يستطيع الطفل اكتساب اللغة، وتطوير المفردات، وبناء الجمل.
  • تُساعد «الإيكولاليا» أطفال التوحد على بناء علاقات اجتماعية؛ إذ تخلق فرصًا للأطفال المصابين بالتوحد للتفاعل مع الآخرين من خلال تبادل الأدوار في المحادثة.
  • يساعد اضطراب ترديد الكلام على تنمية مهارات التواصل المختلفة عند أطفال التوحد، مثل تسمية الأشياء، وربط المعلومات، بالإضافة إلى اكتساب المهارات غير اللفظية، مثل لغة الجسد، ونظرات العين، والإيماءات.
  • يساعد على إكساب طفل التوحد مهارات التنظيم الذاتي التي تساعده على تنظيم وإدارة مشاعره، وعواطفه، والتحكم فيها عندما يتعرض لموقف مزعج، حيث يستخدم الطفل مصاداة الكلام حيلة دفاعية لتهدئة نفسه.

Embed from Getty Images

2- «الإيكولاليا» والإعاقة البصرية

تساعد الرؤية الطفل على اكتساب الكثير من المعلومات التي تسهل عليه عملية التواصل مع الآخرين، خاصة فيما يتعلق بالاتصال غير اللفظي، مثل استخدام الإشارات وتعبيرات الوجه؛ الأمر الذي يفتقده الأطفال المصابون بإعاقات بصرية.

فيؤثر هذا الحرمان بشكل كبير على طريقة اكتساب الطفل للغة، وتكوين علاقات بين المفردات وبعضها، وتسمية وتحديد الأشياء لفظيًا، واستخدامهم للأسلوب «الإيكولالي»، إذ يتعلم العديد من الأطفال أصحاب الإعاقات البصرية الكلام بترديد الكلمات والجمل دون أن يفهموها، قد يرددون الكلام بشكل فوري، كما في حالة «الإيكولاليا الفورية»، أو يرددون الكلام في سياق مختلف بعد فترة، كما في المصاداة المؤجلة.

يحتاج الأطفال المكفوفون عادةً إلى مساعدة متخصصة من قبل أخصائي تخاطب، يعمل على تزويدهم بالخبرات العملية والملموسة مع أشياء حقيقية تساعدهم على إدراك المفاهيم المختلفة وتكوين بناء لغوي صحيح.

3- «الإيكولاليا» والإعاقة السمعية

يُشير جاكسون روش، اختصاصي السمعيات بجامعة نورث كارولينا إلى أن الأطفال ذوى الإعاقات السمعية لديهم مشكلات في اكتساب اللغة بسبب صعوبة فهم اللغة، وإنتاج الكلام، فيعانون من مشكلة ترديد الكلام.

وعادةً ما يؤدي التأخر اللغوي عند الطفل الأصم وعدم قدرته على فهم اللغة، وترديده الكلام، إلى تشخيصه بشكل خاطئ على أنه يعانى من اضطراب التوحد، يُساعد إجراء اختبار السمع واختبار التوحد على تشخيص حالة الطفل بشكل سليم، واستخدام البرنامج العلاجي المناسب له.

وأخيرًا.. هذا ما عليك فعله إذا كان طفلك مصابًا بالإيكولاليا

1- الجأ إلى التأهيل

يلعب أخصائي التخاطب دورًا مهمًا في علاج مصاداة وترديد الكلام، حيث يستخدم التقنيات السلوكية المختلفة، وتقنيات علاج النطق، والإشارات اللفظية والبصرية، وطرق التعزيز الإيجابي التي تعزز اكتساب اللغة بشكل تدريجي.

2- العلاج الدوائي

يدعم بعض الأطباء والمتخصصين استخدام العلاج الدوائي في بعض الحالات، خاصة إذا كان هذا الاضطراب ناتجًا عن بعض الحالات العصبية، مثل السكتة الدماغية، أو الصرع، أو بعض الحالات النفسية، مثل اضطرابات القلق.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد